لا تتوقف معاناة مرضى السرطان في النجف عند صعوبة المرض نفسه، بل تمتد لرحلة طويلة من الانتظار بحثا عن جهاز متاح او دواء وحتى موعد لجلسة علاج، في وقت تؤشر فيه الجهات المعنية ارتفاعا في أعداد المرضى، وهذا ما يجعل مراكز علاج الأورام تواجه نقصا في الأجهزة والأدوية والمستلزمات الطبية، فيما تضطر بعض الحالات إلى اللجوء للقطاع الخاص لاستكمال علاجها، وسط اعباء مالية لا تستطيع كثير من العائلات تحملها.
وفي المقابل، تحاول دائرة صحة النجف، تأمين احتياجاتها عبر التخصيصات الحكومية، ودعم المتبرعين، لكن حجم الاحتياج المتزايد يضع المنظومة الصحية أمام تحديات أكبر.
وجود نقص كبير في الأجهزة
مسؤولة شعبة السيطرة على السرطان في صحة النجف، سندس الحمداني، اكدت وجود نقص كبير في الأجهزة الطبية"، مشيرة الى ان بعضها خرج من الضمان واستهلك ولم يعد قادرا على أداء عمله بالشكل المطلوب، كما أن هناك أجهزة موجودة في مدينة الصدر الطبية ومستشفى الزهراء التعليمي، تحتاج إلى الاستبدال، في وقت يؤثر فيه تعطل الأجهزة ونقصها بصورة مباشرة في مرضى الأورام.
وتحدثت سندس لـ"طريق الشعب"، عن اضرار عدم توفر البدائل الحكومية. وبينت ان ذلك يجبر "المواطنين على الذهاب للقطاع الأهلي، لأجل اكمال جلسات العلاج، ما يحمل المرضى تكاليف مادية لا يستطيع الجميع تحملها".
واكدت سندس ان "هناك حاجة لتوفير أجهزة تشخيصية وعلاجية، مثل جهاز الماموغرام المستخدم في تشخيص أورام الثدي، وأجهزة العلاج الإشعاعي، لسد الاحتياج الحالي".
ورفعت دائرة صحة النجف، بحسب الحمداني، أكثر من مرة احتياجاتها المتعلقة بالأدوية والأجهزة والمعدات الضرورية لعلاج مرضى الأورام إلى الجهات المعنية، الا ان الوضعي المالي ونقص السيولة حالا دون توفير كامل تلك الاحتياجات.
وقالت سندس، ان أعداد المرضى في تزايد مستمر في وقت، لا تستطيع فيه المؤسسات الحكومية الحالية سد الاحتياج.
شح التخصيصات يهدد حياة المرضى
وكانت مديرية صحة النجف قد كشفت في وقت سابق عن حاجة مركز الاورام لما لا يقل عن 600 مليون دينار شهريا لتغطية احتياجاته الاساسية من الأدوية والمستلزمات والخدمات المرتبطة بعلاج المرضى.
وبينت ان المركز يستقبل مرضى من مختلف محافظات العراق فيما تم تسجيل ما بين 2500 و3000 حالة جديدة سنويا.
وذكر مدير إعلام دائرة صحة النجف، ماهر ياسر العبودي ان التحديات التي تواجه القطاع الصحي ترتبط بالموازنة العامة للدولة، مشيراً إلى أن وزارة الصحة تعاني من نقص في الأموال، الأمر الذي ينعكس على احتياجات المؤسسات الصحية.
وأوضح العبودي لـ"طريق الشعب"، ان دائرة صحة النجف تعد من الدوائر المهمة في العراق، فيما يقدم مركز الأورام والأمراض السرطانية خدماته لمرضى من مختلف مناطق البلاد، مبينا أن نحو 60 في المائة من مراجعي المركز يأتون من خارج مدينة النجف الأشرف.
وأضاف أن نقيب الأطباء ومدير المركز سلطا الضوء على احتياجات المركز عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما أسهم في تفاعل عدد من المتبرعين وتقديم الدعم، فضلا عن قيام مجلس المحافظة بتوفير مليار و250 مليون دينار لغرض توفير العلاجات.
وأشار إلى أن الجميع متعاون في هذا الملف، ولفت في الوقت ذاته إلى وجود زيادة ملحوظة في اعداد المرضى مقارنة بالسنوات السابقة.
ازدحام كبير وكوادر طبية قليلة
ويقول طبيب اختصاص يعمل في احد مستشفيات المحافظة، إن المصابين بالأورام الخبيثة والسرطانات المختلفة يعانون من تأخير في إجراء العمليات والحصول على الحجوزات، بسبب الازدحام الشديد وقلة الكوادر الطبية التي لا تتناسب مع أعداد المرضى.
ويضيف الطبيب الذي رفض الكشف عن هويته، في حديث لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة الحالية تتمثل في عدم وجود تمويل يغطي احتياجات مراكز علاج الأورام، خصوصاً مع الأعداد الكبيرة من المرضى القادمين من محافظات وسط وجنوب العراق، مبينا أن الضغط المتزايد على هذه المراكز ينعكس بشكل مباشر على قدرة المؤسسات الصحية على توفير متطلبات العلاج بصورة مستمرة.
ويشير إلى أن النقص لم يعد مقتصراً على الأدوية والعلاجات المتخصصة، وإنما وصل إلى مستلزمات طبية أساسية يحتاجها المريض خلال رحلة العلاج، مثل البلاستر والسرنجات والكانيولات والقطن والكمامات، فضلا عن عدد من الأدوية والمحاليل المستخدمة مع الجرعات العلاجية، ومنها وNexium وAlbumin، إضافة إلى المحاليل الوريدية.
ويؤكد أن هذه المواد ليست جرعات كيميائية بحد ذاتها، لكنها من الاحتياجات الأساسية التي يحتاجها المريض إلى جانب الجرعة العلاجية، وبالتالي فإن عدم توفرها قد يؤثر في انتظام رحلة العلاج ويزيد من الصعوبات التي يواجهها المرضى خلال تلقيهم العلاج.
ويبين ان أعداد المصابين بالأمراض السرطانية شهدت ارتفاعا خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يتطلب زيادة موازية في التمويل وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر المتخصصة، فضلا عن تعزيز قدرة المراكز الصحية على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى.
ويلفت إلى ان مرضى الأورام يحتاجون لمنظومة علاجية متكاملة لا تقتصر على توفير العلاج الكيميائي، وإنما تشمل الفحوصات والتشخيص والعمليات والعلاج الإشعاعي والادوية والمستلزمات المرافقة، مشددا على ان أي نقص في إحدى هذه الحلقات يمكن أن ينعكس على انتظام علاج المريض.
ويعتقد ان العديد من المرضى يصطفون لأجل علاجات غير متوفرة، ويتحمل الأطباء أيضا هذا الإهمال الناتج عن سوء إدارة الملف الطبي في العراق.
ويؤكد أن استمرار الازدحام ونقص بعض المستلزمات والأدوية، بالتزامن مع تزايد أعداد المرضى، يوجب الحاجة إلى دعم المراكز المتخصصة وتوفير التمويل الكافي لضمان استمرارية العلاج وتقليل فترات الانتظار التي يتحمل المريض وعائلته تبعاتها.