اخر الاخبار

يواجه العراق ضغوطاً متزايدة على احتياطياته النقدية، بعدما تراجع رصيد البنك المركزي من 109 مليارات دولار إلى نحو 77.5 مليار دولار، في ظل تداعيات الحرب واضطراب صادرات النفط وإغلاق مضيق هرمز، فيما جرى توجيه جزء كبير من الاحتياطي لتغطية الرواتب والالتزامات الأساسية.

وبينما يؤكد البنك المركزي أن المستوى الحالي لا يزال يوفر هامش أمان، يحذر اقتصاديون من أن استمرار استنزاف الاحتياطي بالمعدلات الحالية قد يحوله من أداة لحماية الاستقرار المالي وسعر الصرف إلى مصدر لتمويل الإنفاق الجاري، ما يفرض على الحكومة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق والبحث عن بدائل تمويلية، بينها الاقتراض، لتجنب انتقال الأزمة من المالية العامة إلى السوق وسعر الصرف.

انخفاض كبير في الاحتياطي

في وقت سابق من الاسبوع الجاري، اعلن محافظ البنك المركزي العراقي نزار ناصر، أن الاحتياطي النقدي للعراق انخفض بنحو 31.5 مليار دولار، متأثراً بإغلاق مضيق هرمز والتداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإسرائيلية.

وقال ناصر، خلال اجتماع مع اللجنة المالية النيابية، إن الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي تراجع من 109 مليارات دولار إلى نحو 77.5 مليار دولار، مبيناً أن الانخفاض بلغ نحو 31.5 مليار دولار.

واضاف أن "معظم الاحتياطيات التي جرى إنفاقها وُجّهت نحو دفع رواتب الموظفين"، مؤكداً أن البنك المركزي سيعمل على "الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وإدارة الأموال بشكل سليم".

ويأتي ذلك في وقت أنهت فيه اللجنة المالية النيابية، منتصف الشهر الماضي، مشروع قانون للاقتراض المالي المحلي والأجنبي، بهدف مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية.

وحذر النائب محمود الشمري، من أزمة مالية خانقة قد تواجه البلاد، عازياً ذلك إلى سوء الإدارة في الحكومات المتعاقبة وانخفاض مستوى الاحتياطي النقدي العراقي.

وقال الشمري لـ«المعلومة»، إن انخفاض الاحتياطي النقدي ستكون له عواقب اقتصادية وخيمة على اقتصاد البلاد، محذراً من أن استمرار السياسات الاقتصادية الحالية من دون معالجة حقيقية قد يزيد الضغوط المالية التي تواجه الدولة.

وأضاف أن اعتماد العراق الكبير على النفط يجعل اقتصاده عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية وأسعار الخام، داعياً إلى تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط مصدراً رئيساً للإيرادات.

وشدد الشمري على ضرورة وضع خطط اقتصادية وإصلاحات حقيقية لتعزيز موارد الدولة وتقليل مخاطر الأزمات المالية، إلى جانب دعم القطاعات الإنتاجية والاستثمارية بما يضمن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام.

سرعة الاستنزاف مقلقة

وتعقيباً على ذلك، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، إن انخفاض الاحتياطي النقدي العراقي من 109 مليارات إلى نحو 77.5 مليار دولار يمثل مؤشراً مقلقاً يستوجب التعامل معه بجدية، لكنه لا يعني في الوقت الحالي دخول العراق في أزمة نقدية أو إفلاس الدولة.

وقال السعدي لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة الأساسية لا تكمن في مستوى الاحتياطي الحالي بحد ذاته، وإنما في سرعة استنزافه والأسباب التي تقف وراء هذا الانخفاض، لافتاً إلى أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة كبيرة على النفط الذي يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة وتدفقات النقد الأجنبي.

وأضاف أن اضطراب صادرات النفط نتيجة تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز دفع البنك المركزي إلى استخدام جزء من الاحتياطيات لتعويض النقص في الإيرادات وتغطية الالتزامات الأساسية، وفي مقدمتها الرواتب.

وأشار إلى أن الاحتياطي البالغ 77.5 مليار دولار لا يزال يوفر للعراق هامش أمان مهماً، إلا أن هذا الهامش يتقلص سريعاً إذا استمر السحب بالمعدلات الحالية، مؤكداً عدم وجود رقم محدد يمكن اعتباره عتبة لدخول العراق منطقة الخطر، إذ يبدأ الخطر عندما يستمر الاحتياطي بالانخفاض دون عودة واضحة للإيرادات النفطية أو اتخاذ إجراءات للحد من الإنفاق.

وشدد السعدي على أن الإجراء العاجل يجب أن يتمثل في إدارة الأزمة وليس الاكتفاء بتمويلها من الاحتياطي، داعياً الحكومة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتأجيل المشاريع والنفقات غير الضرورية، مع حماية الرواتب والإنفاق الاجتماعي الأساسي، والبحث في الوقت نفسه عن مصادر تمويل أخرى وعدم تحميل البنك المركزي وحده كلفة الأزمة.

وبيّن أن على البنك المركزي المحافظة على استقرار سعر الصرف والسيولة، بالتزامن مع وضع سياسة واضحة للحفاظ على الاحتياطيات وعدم تحويلها إلى بديل دائم عن الإصلاح المالي.

وحذر من أن أخطر السيناريوهات يتمثل في استمرار الحرب بالمنطقة واضطرابات تصدير النفط لفترة طويلة، بالتزامن مع بقاء الإنفاق الحكومي مرتفعاً، مبيناً أن العراق قد ينتقل حينها من استخدام الاحتياطي كوسادة مؤقتة إلى استنزافه لتمويل الإنفاق الجاري، الأمر الذي قد يخلق ضغوطاً على سعر الصرف والأسعار والقدرة على تمويل الواردات، ويزيد الحاجة إلى الاقتراض.

وأكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وصول الاحتياطي إلى رقم معين، بل في تحول الانخفاض من إجراء استثنائي فرضته الأزمة إلى مسار مستمر، مشيراً إلى أن ذلك قد ينقل الضغوط تدريجياً من المالية العامة إلى سعر الصرف والقطاع المصرفي ومستوى معيشة المواطنين.

وخلص السعدي إلى التأكيد على أن الاحتياطي النقدي يمثل خط الدفاع الأخير عن الاقتصاد وسعر الصرف، وليس مصدراً دائماً لتمويل الموازنة، لافتاً إلى أن العراق لا يزال يمتلك فرصة لإيقاف استنزاف الاحتياطي، لكن ذلك يتطلب التحرك في الوقت الراهن قبل ارتفاع كلفة المعالجة.

أين تكمن الخطورة؟

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي محمود داغر، أن مستوى الاحتياطيات النقدية العراقية، رغم انخفاضه إلى نحو 77.5 مليار دولار، لا يزال مقبولاً إلى حد كبير، محذراً في الوقت نفسه من أن استمرار الأزمة الحالية قد يضغط على الاحتياطي ويدفعه إلى مستويات خطرة.

ويقول داغر لـ"طريق الشعب"، ان استمرار خصم الحوالات، بالتزامن مع محدودية دخول العملة الأجنبية إلى العراق، قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات بوتيرة متسارعة، مبيناً أن استمرار الوضع بالمعدلات الحالية قد يصل إلى نحو 5 تريليونات دينار شهرياً.

ويضيف أن الاحتياطي النقدي قد يتراجع إلى مستويات تتراوح بين 30 و40 مليار دولار في حال طال أمد الأزمة واستمرت صعوبات التصدير، مؤكداً أن العراق سيحتاج عندها إلى إجراء تعديلات واعتماد أدوات نقدية ومالية جديدة تساعده على مواصلة الصمود لأطول فترة ممكنة.

ويلفت داغر إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في ارتفاع حجم الرواتب، الذي يبلغ نحو 8 تريليونات دينار شهرياً، موضحاً أن العراق يحتاج إلى ما يقارب 7 مليارات دولار شهرياً لتغطية هذه الالتزامات، وهو ما يجعل استمرار تدفق الإيرادات والصادرات أمراً حاسماً للحفاظ على الاستقرار المالي والاحتياطي النقدي.