تحول يعد العنف اللفظي على منصات التواصل الاجتماعي إلى ظاهرة متنامية تترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، وتؤثر في حرية التعبير وجودة النقاش العام. وفي غياب المساءلة الكافية، وطبيعة المنصات الرقمية التي تكافئ المحتوى المثير للجدل على حساب الخطاب الهادئ، يتزايد القلق من انتشار خطاب الكراهية والتنمر والتشهير والإساءة المنظمة.
ويرى مختصون وناشطون أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مزيجاً من التوعية المجتمعية والتشريعات الرادعة، إلى جانب تعزيز ثقافة الحوار واحترام الاختلاف، لحماية الكرامة الإنسانية والحفاظ على التماسك الاجتماعي، ولا سيما مع تصاعد استهداف النساء والنشطاء وأصحاب الآراء المستقلة بحملات الإساءة والتهديد عبر الفضاء الإلكتروني.
آثار نفسية واجتماعية عميقة
يقول مصطفى عبد الواحد، المدير التنفيذي لمنظمة تدارك لحقوق الانسان، أن هذا النوع من العنف لم يعد مجرد سلوك فردي، بل يمثل أحد مظاهر العنف المتجذرة في المجتمع، نتيجة تراكم الأزمات والصراعات والحروب التي مر بها العراق، مضيفا أن هذه الظاهرة أصبحت تمارس داخل الأسرة، وفي بيئة العمل، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حتى غدت في كثير من الأحيان سلوكا مقبولا لدى بعض الفئات.
ويشير عبد الواحد في تعليق لـ"طريق الشعب"، إلى انه يعد من الانتهاكات التي تمس حقوق الإنسان، لما يترتب عليه من مساس مباشر بكرامة الإنسان ومشاعره، مؤكدا أن آثاره لا تقتصر على الإساءة اللفظية، وإنما تمتد لتترك آثارا نفسية واجتماعية عميقة على الأفراد والجماعات.
ويحدد المتحدث مسارين متوازيين لمواجهة هذه الظاهرة: الاول، يتمثل في نشر الوعي المجتمعي وتعزيز ثقافة الحوار والاحترام. والثاني، يرتبط بوضع أطر قانونية وتنظيمية تحد من انتشار العنف اللفظي من خلال التشريعات والتعليمات والضوابط التي تجرم هذه الممارسات وتحمي ضحاياها.
ويلفت إلى أن تقييمات منظمات حقوق الإنسان للواقع العراقي تظهر أن النساء يُعدن من أكثر الفئات تعرضاً للعنف اللفظي، سواء داخل الأسرة أو في المجتمعات او في بيئات العمل، لافتا إلى أن بعض الأعراف الاجتماعية لا تزال تبرر توجيه الإساءة إليهن لا سيما عند ممارستهن حقهن في التعبير عن الرأي أو الظهور في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يجعلهن عرضة لحملات اساءة منظمة أو تعليقات نمطية قائمة على التمييز.
ويجد أن العنف اللفظي لا يقتصر على النساء بل يطال أيضا المنتمين إلى المكونات الدينية والعرقية، فضلا عن النشطاء والأشخاص الذين يعبرون عن آرائهم بصورة مستقلة في وسائل الإعلام أو عبر مواقع التواصل، مبيناً أن هذه الانتهاكات قد تدفع بعض الضحايا إلى العزلة أو التردد في التعبير عن آرائهم.
ويشدد عبد الواحد على أن منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية تتحمل مسؤولية كبيرة في التصدي لهذه الظاهرة، عبر تنظيم حملات توعية وبرامج تثقيفية تستهدف ترسيخ قيم احترام الآخر ونبذ خطاب الكراهية والإساءة، و تعزيز ثقافة الحوار وقبول الاختلاف بين أفراد المجتمع.
ويأمل ان يكون هناك تعاون بين مؤسسات المجتمع المدني وبين السلطات المختصة لوضع اليات قانونية أكثر فاعلية للحد من العنف اللفظي، من خلال سن تشريعات وإصدار تعليمات تنظم التعامل مع هذه الانتهاكات داخل الأسرة وبيئات العمل والفضاء الإلكتروني، إلى جانب تبني استراتيجية حكومية شاملة لمكافحة جميع أشكال العنف، وفي مقدمتها العنف اللفظي، بما يسهم في حماية الكرامة الإنسانية وتعزيز السلم المجتمعي.
النساء أكثر عرضة للانتهاكات
من جانبها، ذكرت الناشطة النسوية لوديا ريمون أن حرية التعبير تمثل حقا اساسيا، لكنها لا تبرر الإساءة إلى الآخرين أو التشهير بهم، مشددة على ضرورة التمييز بين النقد المشروع والعنف اللفظي الذي يستهدف الأشخاص بدلاً من أفكارهم.
وقالت ريمون لـ"طريق الشعب"، إن النقد يجب أن يركز على مناقشة الأفكار والمواقف، بينما يقوم التنمر والإلغاء على استهداف الشخص ذاته، في محاولة لإسكات صوته أو تشويه سمعته والإضرار بحياته.
واضافت أن المطلوب ليس فرض رقابة على الآراء، وإنما إيجاد إطار قانوني يحاسب على التشهير والتحريض وخطاب الكراهية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مساحة آمنة للنقاش والاختلاف.
وأضافت أن تجريم كل رأي مخالف يهدد حرية التعبير، في حين أن ترك الإساءات دون مساءلة يهدد كرامة الإنسان واحترامه.
وبالحديث عن أكثر اشكال العنف انتشارا، ذكرت انها تتمثل في السب والشتم والتنمر على الشكل أو المظهر والتشهير ونشر الشائعات والتهديد إضافة إلى الخطاب الطائفي والعنصري، والانتقاص من الأشخاص بسبب جنسهم أو أفكارهم أو أوضاعهم الاجتماعية.
ورأت أن النساء يتعرضن بشكل خاص لهجمات تتجاوز مناقشة آرائهن لتصل إلى الإهانات التي تستهدف أجسادهن أو شرفهن، في ممارسات تحمل أبعادا تمييزية واضحة.
المنشورات المستفزة تحقق الشهرة!
وعزت ريمون انتشار هذه السلوكيات إلى شعور كثير من مستخدمي مواقع التواصل بالحماية خلف الشاشات وغياب المساءلة الحقيقية، فضلاً عن طبيعة بعض المنصات الرقمية التي تدفع نحو المحتوى المثير للجدل، إذ تسهم خوارزمياتها في زيادة انتشار المنشورات المستفزة لأنها تحقق معدلات تفاعل أعلى.
ولفتت إلى أن البعض بات يتعمد استخدام الإساءة والعنف اللفظي كوسيلة لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار، بينما لا يحظى الخطاب الهادئ والمحترم بالمستوى ذاته من التفاعل.
وأكدت أن آثار العنف اللفظي تتجاوز ما يعتقده كثيرون، إذ يمكن أن تؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس، والإصابة بالقلق أو الاكتئاب، والخوف من التعبير عن الرأي خشية التعرض للهجوم أو التنمر.
وأضافت أن كثيراً من الشباب ينسحبون من النقاشات العامة أو يغادرون منصات التواصل الاجتماعي نتيجة حملات الإساءة، فيما تفضل العديد من النساء الصمت وتجنب المشاركة خوفاً من سيل الإهانات والتهديدات التي قد تلاحق أي رأي يطرحنه.
ورأت ريمون أن خطورة العنف اللفظي لا تقتصر على الجانب النفسي، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي إذ يسهم في نشر الكراهية وتعزيز السلوك العدواني، ويقوض ثقافة الحوار وقبول الاختلاف، محذرة من استمرار التطبيع مع هذه الممارسات قد يؤدي إلى مجتمع يخشى أفراده التعبير بحرية أو يتعامل مع العنف اللفظي بوصفه أمرا اعتياديا، رغم ما يتركه من اثار عميقة قد تستمر لسنوات على الأفراد والمجتمع.
عدم الانجرار إلى الردود العدائية
يقول مؤمل مجيد، اخصائي في علم النفس: إن التعرض المتكرر للعنف اللفظي عبر مواقع التواصل لا يختلف كثيرا في تأثيره عن أشكال الإساءة الأخرى، إذ يترك اثارا نفسية قد تتراكم مع مرور الوقت.
ويضيف أن الشخص قد يفقد ثقته بنفسه ويشعر بالقلق والتوتر الدائم، وقد يتطور الأمر لدى بعض الحالات إلى الاكتئاب أو العزلة الاجتماعية، خاصة إذا كانت الإساءات متكررة أو تستهدف كرامته وهويته بشكل مباشر.
ويبين مجيد لـ"طريق الشعب"، أن درجة التأثر تختلف من شخص الى آخر بحسب العمر وطبيعة الشخصية، ومستوى الدعم الذي يتلقاه من الأسرة أو الأصدقاء، إضافة إلى التجارب السابقة.
ويشير إلى أن المراهقين والشباب، وكذلك الأشخاص الذين يعانون ضغوطا نفسية أو اجتماعية يكونون أكثر عرضة للتأثر بالإساءات الإلكترونية، لأنها قد تعزز لديهم مشاعر الرفض أو عدم التقدير.
ويؤكد مجيد أن أفضل طريقة للتعامل مع العنف اللفظي هي عدم الانجرار إلى الردود العدائية، واستخدام أدوات الحظر والإبلاغ التي توفرها المنصات الإلكترونية، مع الاحتفاظ بالأدلة عند الحاجة إلى اتخاذ إجراءات قانونية.
وينصح بالتحدث مع شخص موثوق أو طلب المساعدة النفسية إذا بدأت الإساءات تؤثر في الحياة اليومية أو الصحة النفسية، معتبرا أن طلب الدعم يعد سلوكا صحيا يعزز القدرة على تجاوز التجربة.