زيارة الزيدي لواشنطن والتحديات المعقدة
نشر مركز الإمارات للسياسات دراسة باللغة الإنكليزية حول التحديات التي يواجهها العراق، والزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة إلى واشنطن منتصف الشهر الجاري، والتي أعتبرتها محاولة لرسم مسار جديد للعلاقات العراقية المتوترة مع الولايات المتحدة، فضلاً عن علاقاته الإقليمية والدولية الأوسع نطاقاً.
ترحاب مشروط
وذكرت الورقة أن الدعوة التي تلقاها رئيس الحكومة الجديدة من ترامب لزيارة واشنطن في بداية ولايته وقبل اكتمال تشكيل حكومته، فُسّرت على نطاق واسع كإشارة إيجابية من الولايات المتحدة تجاه بغداد، لكنها لم تكن بلا شروط. ففي البيان المشترك عن لقاء المبعوث الأمريكي الخاص، توم باراك، مع رئيس الحكومة، جرى التأكيد على مجموعة من المحددات الأمريكية التي ستشكل مستقبل العلاقات الثنائية. وكان من أبرزها مطلب "نزع السلاح الكامل وحل جميع الجماعات والتشكيلات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة العراقية، وحصر الأسلحة بيد الدولة"، إضافة إلى ضرورة فرض السيادة الكاملة، ومنع انجرار العراق إلى الصراعات الإقليمية، وضمان عدم استخدام أراضيه لتهديد السلام الإقليمي، فضلاً عن ضرورة توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، لا سيما في قطاعي الطاقة والاتصالات.
علاقات معقدة
وأشارت الدراسة إلى أن الإطار الأوسع للعلاقات العراقية الأمريكية أكثر تعقيدًا، إذ يشمل قضايا ملحة مثل إبرام اتفاقية ثنائية لتنظيم العلاقات العسكرية والأمنية بعد انتهاء ولاية التحالف الدولي في العراق، والتزام واشنطن بدعم الديمقراطية في العراق وفقًا لاتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين عام 2011، ومساعدته في الإصلاح الإداري والمالي وحماية حقوق الإنسان. وتوقع الباحثون أن تُطرح هذه القضايا على طاولة المفاوضات خلال الزيارة المنتظرة.
ووفق الدراسة، يبدو التباين في الأولويات بين الطرفين جلياً، ففيما تعتبر واشنطن أن السيادة العراقية وحصر الأسلحة بيد الدولة هما أهم القضايا التي يجب معالجتها، تضع بغداد الشواغل الاقتصادية في صدارة أولوياتها. غير أن هذا التباين ينحصر في النهج وليس في الجوهر، ففيما تريد واشنطن إرساء روابط واضحة بين الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، تميل بغداد إلى تجزئة القضايا، مُقدّمةً وعودًا بدلًا من خطط واستراتيجيات ملموسة، وهي أمور تعّد بالغة الأهمية لدفع عجلة الإصلاح الاقتصادي والإداري والسياسي في العراق في هذه المرحلة الحرجة.
محددات وتحديات العلاقات الخارجية
ورأت الدراسة أن العراق يكافح ومنذ 2003 من أجل صياغة استراتيجية واضحة للسياسة الخارجية، تهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين الضغوط الخارجية المتنافسة، ولاسيما من الولايات المتحدة بسبب إرث احتلال عام 2003 ، ومن إيران التي سرعان ما رسخت نفوذها بعد ذلك. كما سعى العراق إلى الحفاظ على توازن في علاقاته الخارجية، عبر إدارة علاقاته مع جيرانه العرب وتركيا، وتجاوز الديناميكيات المُعقدة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى.
غير أن مفهوم "التوازن" اختُزل في السنوات الأخيرة إلى علاقات دبلوماسية رسمية أو زيارات رسمية لجهات أجنبية، مع ميل واضح للمصالح العراقية الأعمق نحو المعسكر الإقليمي الإيراني، وازدياد النفوذ الصيني والروسي وضوحًا. وظهر ذلك، وفق الدراسة، جلياً في شكوى واشنطن من الصعوبات التي تواجهها الشركات الأمريكية في منافسة نظيراتها الإيرانية والصينية والروسية، وفي مستوى الوجود الاقتصادي العربي في العراق مُقارنةً بنظيره الإيراني.
ورأت الدراسة أن أهمية زيارة رئيس الحكومة المرتقبة إلى واشنطن لا تكمن في رغبة بغداد المعلنة في إعادة ضبط موازين علاقاتها الخارجية فحسب، بل تتوقف على مدى التزام وجدية القوى المؤثرة في عملية صنع القرار العراقي بالسعي لتحقيق هذه الإعادة. ويتطلب تحقيق ذلك تقييماً دقيقاً للظروف والعوامل التي مكّنت إيران من تعزيز نفوذها، وظهور مجموعة من المواقف الداعية إلى التغيير والتوازن، والتي لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانها تغيير هذه الديناميكيات الراسخة دون موافقة طهران.
وذكرت الدراسة أن الفاعلين السياسين العراقيين يشيرون الى ما يمكن وصفه بـ"عدم اعتراض" ضمني من إيران على قبول العراق لشروط أمريكية معينة، بغية تخفيف الضغوط الداخلية، لا سيما الاقتصادية منها، وحلّ بعض الفصائل المسلحة، وإقامة شراكات اقتصادية مع واشنطن ودول الخليج، وذلك في ظل مرونة فرضتها تداعيات الحرب الأخيرة والأزمة المالية في العراق وما قد تفضي اليه من على مخاطر اجتماعية كبيرة.
واختتم المركز دراسته بالإشارة الى أن رئيس الحكومة العراقية يسعى إلى نزع سلاح الفصائل، وكشف شبكات الفساد الإداري والمالي، وإقامة شراكة اقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة، وربما تكون بديلة للاتفاقية الصينية المبرمة عام 2018. وفي هذا السياق، تجري التهيئة لإنشاء صندوق ممول من عائدات تصدير 500 ألف برميل من النفط العراقي يومياً، لتمويل مشاريع ضخمة في قطاعات الطاقة والاتصالات والبنية التحتية، مع منح عقودها لشركات أمريكية.