اخر الاخبار

في وقت تتكرر فيه مشاهد العثور على ملايين الدولارات المخبأة داخل المنازل والمزارع والمسابح والبراميل وأجهزة التبريد، وبينما تتوالى الإعلانات الرسمية عن ضبط أموال طائلة وتوقيف مسؤولين وموظفين متهمين بالاستيلاء على المال العام، تتصاعد التساؤلات بشأن ما إذا كانت الحملة الحالية تمثل تحولاً حقيقياً في نهج المنظومة الحاكمة، أم أنها ستواجه المصير ذاته الذي انتهت إليه حملات سابقة خف زخمها قبل أن تطال الرؤوس الكبيرة وشبكات النفوذ التي طالما اتُهمت بتوفير الحماية للفاسدين.

وفي آخر تطورات الحملة، كشفت مصادر قضائية عن إعداد قائمة جديدة تشمل شخصيات متنفذة جداً ومقربين من مراكز القرار مرروا عقوداً حكومية مشبوهة مستغلين نفوذهم. فيما خاطبت السلطات رسمياً، مؤخرا، دولاً في أميركا وأوروبا لملاحقة وتجميد مجمعات سكنية فارهة وعقارات ضخمة تشير التحقيقات إلى خرقهـا أصول المال العام.

نجاحها مرهون بتكاتف حكومي ـ شعبي

من جهته، أكد النائب السابق أمير المعموري، أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تتحقق عبر الإجراءات الحكومية وحدها، بل تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، في ظل ما وصفه بوجود “منظومة فساد كبيرة” استطاعت إخفاء وتهريب الأموال العامة بوسائل متعددة.

وقال المعموري إن “الكشف عن الأموال المهربة والمتورطين في الاستيلاء عليها يعتمد بالدرجة الأساس على استمرار التحقيقات”، مؤكداً أن الملفات المفتوحة حتى الآن كشفت مسؤولين من جهات تنفيذية وتشريعية، ما يستوجب توسيع التحقيقات لتشمل جميع المؤسسات والوزارات من أجل استرداد الأموال العامة ومحاسبة المتورطين”.

وأضاف أن “تخصيص مكافآت للمبلغين قد يسهم في تشجيع المواطنين على الإبلاغ عن قضايا الفساد، لكن الدافع الوطني يبقى العامل الأهم”، لافتا إلى أن “كثيرا من العراقيين سبق أن قدموا بلاغات إلى هيئة النزاهة من دون انتظار أي مقابل مادي”.

وأشار إلى أن “المجتمع العراقي أثبت في محطات مفصلية استعداده للتضحية دفاعا عن الوطن”، مضيفا أن “الروح نفسها يمكن أن تشكل ركيزة أساسية في معركة استرداد المال العام ومواجهة الفساد”.

ترحيب حذر

وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً متزايدة لتعزيز منظومة النزاهة والامتثال للمعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب تنامي المطالب الشعبية باسترداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المسؤولين عنها، بعد أكثر من عقدين شهدت فيهما البلاد تضخماً غير مسبوق في ملفات الفساد، ولا سيما في العقود الحكومية والمشاريع العامة، التي استنزفت مليارات الدولارات وأثرت بصورة مباشرة في مستوى الخدمات والبنى التحتية.

ورغم الترحيب الشعبي بأية خطوات تستهدف ملاحقة الفاسدين، فإن المزاج العام لا يزال يتعامل بحذر مع الحملة الحالية، في ظل إرث طويل من الوعود التي لم تترجم إلى محاسبات شاملة، ما يجعل الرهان هذه المرة منصباً على قدرة المؤسسات القضائية والرقابية على تحويل الإجراءات الأولية إلى أحكام رادعة، واستكمال مسار الإصلاح عبر تفكيك البيئة القانونية والإدارية التي سمحت باستمرار الفساد لسنوات طويلة، وليس الاكتفاء باسترداد جزء من الأموال أو ملاحقة أفراد دون معالجة جذور المشكلة.

أول اختبار حقيقي في مكافحة الفساد

من جانبه، عدّ المختص في مكافحة الفساد سعيد ياسين أن الحملة الجارية تمثل أول اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الانتقال من الشعارات إلى الإجراءات، مشيراً إلى أن أبرز ما يميزها هو مستوى التنسيق غير المسبوق بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بدءاً من رفع الحصانة عن بعض المتهمين، مروراً بإجراءات إنفاذ القانون، وصولاً إلى التحقيقات التي تقودها هيئة النزاهة ومحكمة النزاهة، والتي وصفها بأنها ذات طابع استباقي أسهم في كشف ما أعلن عنه أخيراً من ملفات.

وأوضح ياسين في حديث مع "طريق الشعب"، أن الحكومة وضعت مكافحة الفساد في صدارة برنامجها، وركزت بصورة خاصة على العقود والمناقصات الحكومية، باعتبارها من أكثر الملفات استنزافاً للمال العام.

لكنه يرى أن غياب قانون ينظم العقود والمشتريات الحكومية أسهم في تضخم حجم الفساد، وأفضى إلى إبرام مشاريع وصفها بالوهمية أو المبالغ في كلفها، فضلاً عن تنفيذ مشاريع لا تنسجم مع الأولويات التنموية للبلاد.

وأضاف أن فرقاً متخصصة من هيئة النزاهة تعمل منذ أشهر على مراجعة ملفات في وزارتي النفط والكهرباء، وأن ما يُكشف اليوم هو حصيلة تحقيقات بدأت قبل مدة.

وفي الوقت نفسه، حذر من أن نجاح الحملة لن يُقاس بعدد الموقوفين أو الأموال المضبوطة، بل بقدرة الدولة على استعادة ثقة الشارع التي تآكلت بفعل تجارب حكومات سابقة أطلقت حملات مماثلة انتهت من دون نتائج حاسمة.

وأكد أن العراقيين باتوا ينظرون بحذر إلى أي إعلان رسمي في هذا الملف، بعدما تحولت وعود مكافحة الفساد، في أكثر من محطة، إلى إجراءات مؤقتة سرعان ما خمدت لأسباب سياسية.

وأشار إلى أن استعادة الثقة تتطلب إرساء مبدأ سيادة القانون، وملاحقة المتورطين حتى النهاية، واسترداد الأموال المنهوبة، مهما بلغت قيمتها، لأن استمرار الإفلات من العقاب عمّق الفجوة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وألقى بظلاله على مجمل الأداء السياسي والإداري.

ورأى أن الاقتصار على الملاحقات القضائية لن يكون كافياً إذا بقيت البيئة القانونية والإدارية المنتجة للفساد على حالها، داعياً إلى مراجعة شاملة لمنظومة الإدارة المالية، وتشريع قوانين جديدة للعقود الحكومية واسترداد الأموال، إلى جانب تحديث التشريعات العقابية لسد الثغرات التي ما زالت تسمح بالإفلات من المساءلة، لافتاً إلى أن بعض الأفعال المرتبطة بالفساد لا تزال غير مجرّمة بصورة كافية.

وأكد أن الفساد في العراق لم يعد مجرد تجاوزات إدارية، بل تحول إلى ملف ذي أبعاد سياسية ودولية، انعكس على سمعة البلاد المالية، وأخضع التحويلات المصرفية والعمليات التجارية لرقابة دولية مشددة بسبب شبهات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

واعتبر أن هذه القيود الدولية أسهمت في الحد من قدرة المتورطين على تهريب الأموال إلى الخارج، ما دفعهم إلى اكتنازها داخل المنازل والمزارع والعقارات والمقتنيات الثمينة، وهو ما تفسر به مشاهد العثور على مبالغ ضخمة مخبأة في أماكن غير مألوفة.

وفي تقييمه لقدرة الحكومة على ملاحقة الشخصيات السياسية النافذة، شدد على أن الفساد في العراق "فساد سياسي"، وأن المتورطين ظلوا لسنوات يتمتعون بحماية سياسية وتشريعية كرّست الإفلات من العقاب، معتبراً أن نجاح الحملة مرهون برفع هذا الغطاء السياسي قبل أي شيء آخر.

ورأى أن العراق يقف أمام فرصة لإعادة بناء منظومة النزاهة والامتثال للمعايير الدولية، إلا أن ذلك يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات السياسية.

ودعا في الوقت نفسه إلى الاستفادة من تجارب إقليمية في استرداد الأموال المنهوبة، مع منع المتورطين من العودة إلى العمل السياسي أو الحكومي أو المشاركة في الانتخابات أو تأسيس الأحزاب والشركات، بما يضمن عدم إعادة إنتاج شبكات الفساد.

هل تصل الحملة الى نهايتها القصوى؟

وشكك أستاذ القانون الدستوري وائل منذر في إمكانية وصول حملة مكافحة الفساد التي تقودها حكومة الزيدي إلى نهاياتها القصوى، معتبراً أن ما يجري حتى الآن يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يكفي للحكم على جدية الحملة ما لم يفضِ إلى محاسبة فعلية لكبار المتورطين، بعيداً عن الاكتفاء بالأسماء التي أُعلن عنها حتى الآن.

وقال منذر لـ"طريق الشعب"، إن الحكومة تعلن امتلاكها إرادة للاستمرار في فتح ملفات الفساد، إلا أن الواقع السياسي يفرض معادلات معقدة تتعلق بالحفاظ على التوازنات، لافتاً إلى أن شخصيات سياسية نافذة طالما أُحيطت باتهامات بالفساد، لكن ملاحقتها تظل رهناً بتوفر أدلة قانونية وملفات متكاملة، وليس بمجرد الاتهامات المتداولة.

وأضاف أن الحديث عن اجتثاث الفساد بصورة كاملة يبقى أقرب إلى الأمنية منه إلى الواقع، حتى بالنسبة للحكومات المقبلة، نظراً إلى أن شبكات الفساد ترسخت داخل مؤسسات الدولة على مدى عقود، وأصبحت متشعبة ومترابطة، بما يجعل تفكيكها عملية طويلة ومعقدة.

ورأى أن الشكوك الشعبية تجاه الحملة ليست بلا مبرر، إذ إن المواطنين اعتادوا على إطلاق حملات مشابهة سرعان ما تخفت دون أن تصل إلى نتائج حاسمة، مؤكداً أن المعيار الحقيقي لقياس جدية الحكومة لن يكون في عدد الموقوفين أو حجم الأموال المضبوطة، وإنما في طبيعة الأحكام القضائية التي ستصدر، وما إذا كانت ستفضي إلى محاسبة فعلية أم تنتهي بتسويات تعيد إنتاج الإفلات من العقاب.

وأكد منذر أن أي اتجاه نحو تسويات مالية، إذا اقتصر على استرداد الأموال دون فرض عقوبات قانونية، سيبعث برسائل سلبية ويضعف الأثر الردعي للقانون، لأن المواطن سيجد أن من يعتدي على المال العام يستطيع في النهاية إنهاء قضيته بإعادة جزء مما استولى عليه، بدلاً من تحمل المسؤولية الجنائية الكاملة.

وأوضح أن فكرة التسوية لا تستند، في الوقت الحاضر، إلى أي أساس قانوني، لأن القضايا المحالة إلى القضاء لا تحتمل سوى مسارين؛ إما البراءة عند عدم كفاية الأدلة، أو الإدانة وما يترتب عليها من عقوبات ومصادرة للأموال، مبيناً أن أي تسوية لا يمكن اعتمادها إلا عبر تشريع يصدر من مجلس النواب يحدد إطارها القانوني.

وزاد بالقول: إنْ كانت بعض الدول تلجأ إلى تشريعات استثنائية تتيح التسويات حفاظاً على الاستقرار السياسي، فإن ذلك يبقى خياراً استثنائياً لا ينسجم بالضرورة مع متطلبات العدالة، حتى وإن اقترن باسترداد الأموال وإبعاد المتورطين عن العمل السياسي.

توسيع دائرة الملاحقة

وأشار إلى أن توسيع دائرة المحاسبة لتشمل شخصيات أكثر نفوذاً لن يكون ممكناً من دون غطاء سياسي واضح، فضلاً عن دعم دولي يوفر الأدلة والقرائن اللازمة، في ظل تعقيد الملفات وتشابك المصالح بين القوى السياسية.

وفي تعليقه على الأموال التي عُثر عليها مخبأة داخل منازل بعض المتهمين، قال إن تلك المشاهد تكشف جانباً من طبيعة الفساد المستشري، لكنها لا تمثل سوى جزء محدود من الصورة الكاملة، معتبراً أن ما ظهر حتى الآن لا يعدو كونه قمة جبل الجليد المُغطى اسفل الماء، فيما تبقى الكتلة الأكبر من الأموال المنهوبة بعيدة عن الأنظار، الأمر الذي يعكس اتساع حجم الفساد أكثر مما يعكس حجم ما تم كشفه.