اخر الاخبار

بات حضور الأطفال عند إشارات المرور والأسواق الشعبية وورش العمل المنتشرة في المدن العراقية، وفي مواقع العمل مشهدا مألوفا أكثر من وجودهم في ساحات المدارس. أطفال يحملون أدوات البناء أو يجرون عربات جمع النفايات أو يقضون ساعات طويلة في الشوارع بحثاً عن مصدر دخل يسند أسرهم، في واقع يعكس تشابك أزمات الفقر والبطالة وضعف الحماية الاجتماعية. 

البلد الرابع عربياً في عمالة الأطفال

وبينما تحظر القوانين تشغيل القاصرين وتكفل لهم حق التعليم والحياة الكريمة، تتسع ظاهرة عمالة الأطفال والتسول، لتتحول من قضية اجتماعية إلى تحد حقوقي وأمني، يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل جيل كامل يواجه خطر الحرمان والاستغلال، بعيداً عن مقاعد الدراسة وفرص النمو السليم.

وحذر المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق من تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال، واصفاً إياها بأنها من أخطر التحديات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية التي تواجه البلاد، في ظل استمرار تسجيل معدلات مقلقة لهذه الظاهرة على المستويين المحلي والدولي.

وذكر المركز في بيان تابعته "طريق الشعب"، أن العراق يحتل المرتبة الرابعة عربياً في عمالة الأطفال، رغم وجود تشريعات تحدد سن العمل بـ15 عاماً وتمنع استغلال القاصرين. وأشار إلى أن بيانات وزارة التخطيط تفيد بوجود نحو 1.1 مليون طفل عراقي محرومين من حقوقهم الأساسية في التعليم والصحة.

وأضاف البيان أن تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حذرت من تداعيات ارتفاع معدلات الفقر في العراق على أوضاع الأطفال، مؤكدة أن ملايين الأطفال يواجهون خطر الوقوع في دائرة الفقر، نتيجة الأوضاع الاقتصادية وتبعات النزاعات.

وقال مدير المركز، فاضل الغراوي، في حديث لـ"طريق الشعب"، إن عمالة الأطفال تتخذ أشكالاً متعددة، تشمل العمل في الأسواق والشوارع وورش الحدادة والنجارة والميكانيك، وأعمال البناء وجمع النفايات والمواد القابلة للتدوير، فضلاً عن الأعمال الزراعية والعمل المنزلي، إلى جانب ظاهرة التسول المنظم التي تعد من أخطر أشكال الاستغلال الاقتصادي للأطفال.

وأوضح أن الظاهرة لا تقتصر على الأطفال العراقيين فحسب، بل تشمل أيضاً أطفالاً من الأسر النازحة واللاجئة وبعض الجاليات الأجنبية المقيمة في البلاد، ما يتطلب تعزيز آليات الحماية الاجتماعية وتطبيق القوانين على جميع الأطفال من دون تمييز.

وأشار الغراوي إلى أن انتشار عمالة الأطفال يرتبط بجملة من العوامل، أبرزها الفقر والبطالة وتدني دخل الأسر، فضلاً عن التفكك الأسري والنزوح الداخلي وآثار النزاعات المسلحة وضعف شبكات الحماية الاجتماعية. كما يسهم التسرب من المدارس واستغلال الأطفال من قبل بعض أصحاب العمل بسبب تدني أجورهم وسهولة تشغيلهم خارج الأطر القانونية في اتساع الظاهرة.

وبين المركز أن تقارير حديثة صادرة عن منظمة العمل الدولية واليونيسف تشير إلى أن عدد الأطفال العاملين حول العالم بلغ نحو 138 مليون طفل خلال عام 2024، من بينهم قرابة 54 مليون طفل يعملون في أعمال خطرة تهدد حياتهم وصحتهم ونموهم الطبيعي.

ولفت البيان إلى أن أحدث المؤشرات في العراق تظهر استمرار الظاهرة بمعدلات مقلقة، إذ تبلغ نسبة الأطفال العاملين ضمن الفئة العمرية من 5 إلى 14 عاماً نحو 4.8 في المئة، فيما تصل نسبة الأطفال الذين يجمعون بين الدراسة والعمل إلى 4.2 في المائة، مقابل معدل التحاق بالتعليم يبلغ 78.4 في المئة. وتتركز عمالة الأطفال في قطاعات الزراعة والبناء والورش الصناعية وجمع النفايات والعمل في الشوارع.

بيئات عمل محفوفة بالاستغلال والمخاطر

وأكد أحمد الموسوي، المدير التنفيذي لجمعية مراقبة حقوق الإنسان، أن ملف عمالة الأطفال يُعد من أكثر الملفات الاجتماعية والإنسانية تعقيداً وتشابكاً في العراق، مشيراً إلى أن البلاد ما زالت تواجه تحديات كبيرة في الحد من هذه الظاهرة رغم وجود التزامات قانونية ودولية تمنع استغلال الأطفال في سوق العمل.

وأوضح الموسوي لـ"طريق الشعب"، أن هناك تقصيرا حكوميا في معالجة هذه القضية، على الرغم من أن العراق صادق على اتفاقية حقوق الطفل، فضلاً عن وجود نصوص في قانون العمل تحظر تشغيل الأطفال وتدعو إلى حمايتهم من الاستغلال، إلا أن الواقع، بحسب قوله، يشير إلى اتساع ظاهرة عمالة الأطفال بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.

وبين أن الأسباب التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل متعددة، في مقدمتها الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها بعض الأسر، حيث تعتمد عائلات كثيرة على ما يجنيه أطفالها من أعمال يومية لتأمين مصدر رزقها. كما لفت إلى وجود شبكات تستغل الأطفال، ولا سيما الأيتام والمشردين، في أعمال مختلفة، الأمر الذي يزيد من حجم المشكلة وتعقيداتها.

وأضاف أن التسرب المدرسي وابتعاد الأطفال عن مقاعد الدراسة يمثلان عاملاً أساسياً في تفاقم الظاهرة، مؤكداً أن المدرسة هي المكان الطبيعي للطفل، وأن حرمانه من التعليم يدفعه نحو بيئات عمل قد تعرضه للاستغلال والمخاطر.

وأشار الموسوي إلى أن عمالة الأطفال تندرج ضمن ملفات الاتجار بالبشر، خصوصاً عندما يُجبر الأطفال على ممارسة أعمال شاقة لا تتناسب مع أعمارهم وقدراتهم الجسدية والنفسية.

وقال إن منظمات حقوق الإنسان وثّقت حالات عديدة لأطفال يعملون في ظروف قاسية ومهن خطرة، الأمر الذي يشكل انتهاكاً واضحاً لحقوقهم الأساسية.

وأوضح أن التقارير الدولية الصادرة عن المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، إضافة إلى التوصيات التي تلقاها العراق ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، شددت على ضرورة اتخاذ إجراءات فاعلة لحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي وضمان حقوقهم في التعليم والرعاية والحياة الكريمة.

ودعا الموسوي الحكومة العراقية ومؤسسات المجتمع إلى تحمل مسؤولياتها تجاه هذه القضية، معتبراً أن استمرار الظاهرة يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفولة، ويهدد مستقبل الأجيال القادمة. كما وجّه نداءً إلى مجلس النواب للإسراع في تشريع قانون حقوق الطفل، الذي ما يزال معلقاً رغم الحاجة الملحة إليه، مؤكداً أن المصادقة على الاتفاقيات الدولية وحدها لا تكفي ما لم تُترجم إلى تشريعات وطنية فاعلة وآليات تنفيذ حقيقية.

وختم الموسوي حديثه بالإشارة إلى أن منظمات حقوق الإنسان تواصل جهودها في التوعية ورصد الانتهاكات، وقد نفذت خلال الفترة الماضية حملات خاصة للفت الانتباه إلى مخاطر عمالة الأطفال.

وشدد على أن حماية الطفولة العراقية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع والمنظمات المدنية لضمان مستقبل أكثر أمناً وإنصافاً للأطفال

أهمية تفعيل الدور الأمني والاجتماعي

وتحدث الخبير الأمني صفاء الأعسم عن تنامي ظاهرة التسول في العراق، ولا سيما بين الأطفال، معتبراً أنها لم تعد مجرد مشكلة اجتماعية أو اقتصادية، بل تحولت إلى قضية ذات أبعاد أمنية خطيرة قد تنعكس على استقرار المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة.

وأوضح الأعسم لـ"طريق الشعب"، أن الجانب الأمني للظاهرة يرتبط بعدة سيناريوهات مقلقة، من بينها استغلال الأطفال في عمليات الخطف والاتجار والاستغلال المنظم، مشيراً إلى أن بعض الحالات تبدأ من محيط المستشفيات أو الشوارع والأحياء السكنية، ما يثير مخاوف العائلات ويعزز شعور المواطنين بعدم الأمان.

وأضاف أن انتشار هذه الممارسات يدفع الأسر إلى القلق على أبنائها، ويؤثر في الإحساس العام بالأمن داخل المجتمع.

وأشار إلى أن الأطفال الذين يقضون سنواتهم الأولى في الشوارع بعيداً عن التعليم والتوجيه السليم يواجهون مستقبلاً غامضاً، إذ يصبحون أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات منحرفة أو أنشطة غير قانونية، نتيجة غياب الرعاية والتأهيل.

ورأى أن استمرار الظاهرة من دون معالجة حقيقية قد يؤدي إلى ظهور فئات اجتماعية تعاني من التهميش والحرمان، بما ينعكس سلباً على بنية المجتمع واستقراره.

ولفت الأعسم إلى أن بعض شبكات الجريمة المنظمة قد تستغل المتسولين، ولا سيما اليافعين والبالغين، في أنشطة غير مشروعة، من بينها نقل وتوزيع المواد المخدرة أو تبادل الأموال بطرق يصعب رصدها داخل الأماكن العامة.

وأكد أن هذا النوع من الاستغلال يمثل تحدياً إضافياً للأجهزة الأمنية، نظراً لاعتماده على التحرك في الشوارع والأماكن المزدحمة.

وبين أن اتساع رقعة التسول في مراكز المدن والمحافظات يستدعي اهتماماً أكبر من الجهات المختصة، داعياً إلى وضع خطط شاملة لمعالجة الظاهرة من جذورها، وعدم الاكتفاء بالإجراءات الآنية.

وشدد على أهمية تفعيل الدور الأمني والاجتماعي في آن واحد، بما يضمن حماية الأطفال ومنع استغلالهم، إلى جانب تقديم الدعم للعائلات المحتاجة عبر قنوات رسمية ومؤسسات الرعاية الاجتماعية.

وأكد الأعسم أن معالجة الفقر والعوز يجب أن تتم من خلال برامج حكومية ومجتمعية منظمة تستهدف الأسر المستحقة، بحيث تصل المساعدات إلى المحتاجين الحقيقيين من خلال المؤسسات المختصة والسلطات المحلية والمجتمعات السكنية، بدلاً من ترك الأفراد عرضة للاستغلال في الشوارع.

وتابع حديثه بالتأكيد على أن "مكافحة التسول، خاصة عندما يرتبط باستغلال الأطفال أو الأنشطة غير القانونية، تمثل ضرورة لحماية المجتمع والحفاظ على الأمن والاستقرار". داعياً إلى تعاون جميع الجهات المعنية للحد من الظاهرة ومعالجة أسبابها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.