اخر الاخبار

تواجه السياسة المالية في العراق اختباراً جديداً مع بدء الحديث عن موازنة عام 2027. ويتصدر ملف "سعر صرف الدينار أمام الدولار" واجهة الاهتمامات والاقتصاد العراقي؛ فبينما تؤكد الحكومة تمسكها بالسعر الحالي لحماية القوة الشرائية للمواطنين ودعم الفئات الفقيرة، تتسرب من خلف الكواليس احاديث بشأن وجود نية لرفع سعر الصرف على اثر هبوط أسعار النفط العالمية، وذلك لسد العجز المالي وتأمين الرواتب والمشاريع، لكن ذلك سيقود، حتما، إلى رفع أسعار السلع الغذائية والطبية والأساسية فوراً في الأسواق المحلية، ما يعني انخفاض القيمة الشرائية لرواتب الموظفين والمتقاعدين، فلا تكفي لسد نفس الاحتياجات السابقة، الأمر الذي يصيب الفئات الهشة والفقيرة بضرر أكبر واتساع فجوة الفقر في المجتمع، وارتفاع التضخم.

التمسك بالاستقرار النقدي

وتؤكد الرواية الحكومية أن موازنة عام 2027 لن تشهد أي تغيير في السياسة النقدية. ويشير المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، إلى أن التركيز ينصب بالكامل على تعزيز الاستدامة المالية وتنويع مصادر الدخل غير النفطية.

ويقول صالح أن "الهدف من هذا التمسك بسعر الصرف هو لحماية القوة الشرائية للمواطنين، وضمان استقرار أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية، وتجنب أي هزات اقتصادية قد تضر بالفئات الهشة والفقيرة".

احاديث حول تغيير سعر الصرف

لكن مصادر مقربة من صناعة القرار الحكومي، تؤكد أن "تغيير سعر الصرف مطروح كحل للأزمات المالية، إلى جانب السعي إلى ترشيد الإنفاق العام وضبط النفقات التشغيلية".

وتبرر المصادر، أن البقاء على السعر الحالي قد يكون صعباً من الناحية العملية، لان الموازنة تعتمد بنسبة تزيد على 90% على مبيعات النفط. وفي حال استمر هبوط أسعار الطاقة عالمياً، ستواجه الحكومة فجوة كبيرة في تمويل الرواتب والمشاريع الاستثمارية.

وفي مقابل ذلك، يطرح بعض الباحثين "دراسة تعديل تدريجي لسعر الصرف في موازنة 2027 كخطوة اضطرارية لتوظيف السيولة النقدية بالدينار وتغطية العجز التجاري". ويعتقد هؤلاء أن خفض قيمة الدينار قليلاً سيوفر للحكومة موارد مالية محلية أكبر لإدارة النفقات الحاكمة دون الحاجة إلى الاقتراض الخارجي المرهق للبلاد.

تحذيرات من سيناريو الصدمة

لكن على الضفة الاخرى، يحذر خبراء اقتصاديون، بينهم د. محمود داغر، من "سيناريو الصدمة" الذي قد يحدثه أي تغيير رسمي في سعر الصرف.

ويشير داغر الى أن الأسواق العراقية تعاني أصلاً من تذبذب "السوق الموازية" وتجاوزها حاجز 1500 دينار للدولار، بسبب مشاكل الحوالات الخارجية والطلب المرتفع على العملة الصعبة.

ويعتقد الخبرء، أن أي رفع رسمي لسعر الدولار سيتسبب فوراً في موجة تضخم قاسية تلتهم رواتب الموظفين وتزيد من نسب الفقر.

وبدلاً من اللجوء إلى جيب المواطن، يطالب هؤلاء الخبراء الحكومة بإصلاحات حقيقية تتضمن تفعيل الجباية والضرائب على السلع الكمالية، وضبط المنافذ الحدودية لزيادة الإيرادات غير النفطية، فضلا عن إيقاف الهدر المالي في العقود الحكومية غير الضرورية.

المركزي يطالب بـ"موازنة البرامج"

وأكد محافظ البنك المركزي العراقي، علي العلاق، أن مشاركة البنك المركزي في إعداد الموازنة الاتحادية تمثل خطوة أساسية لضمان الانسجام بين السياسة المالية والسياسة النقدية، مشدداً على أن غياب هذا التنسيق قد يقود إلى اضطرابات اقتصادية تؤثر في الاستقرار النقدي ومستويات التضخم وسعر صرف الدينار.

وأوضح العلاق في تصريح سابق، أن البنك المركزي يمتلك بيانات دقيقة تتعلق بحجم السيولة والاحتياطات الأجنبية ومستويات النقد المتداول، ما يجعله شريكاً محورياً في رسم السياسات الاقتصادية العامة إلى جانب الحكومة ووزارة المالية، لافتاً إلى أن التعاون بين المؤسستين يسهم في إعداد موازنة أكثر واقعية وقدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية.

وأشار إلى أن البنك المركزي سبق أن دعا إلى اعتماد “موازنة البرامج” بدلاً من الأسلوب التقليدي المعتمد حالياً، بهدف رفع كفاءة الإنفاق العام وتحقيق نتائج تنموية واضحة، إلا أن هذا التوجه لم يُنفذ حتى الآن.

وفي ملف الاحتياطيات، أوضح العلاق أن الإيرادات النفطية العراقية تُودَع بالدولار في حساب وزارة المالية لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، قبل تحويلها إلى حساب البنك المركزي خلال مدة قصيرة، مبيناً أن البنك يدير هذه الأموال عبر استثمارات تشمل الذهب والسندات وبعض المصارف العالمية بما يعزز العوائد المالية ويحافظ على الاستقرار النقدي.

ونفى محافظ البنك المركزي وجود أي نية لتعديل سعر صرف الدينار مقابل الدولار، مؤكداً أن السياسة النقدية الحالية تركز على تثبيت الاستقرار المالي وتعزيز ثقة الأسواق المحلية والمستثمرين بالاقتصاد العراقي.

وفي ما يتعلق بالاقتراض الخارجي، بيّن العلاق أن اللجوء إلى القروض يحدث عادة عندما تعجز الموارد المحلية عن تغطية متطلبات التنمية أو سد العجز المالي، لافتاً إلى أن المؤسسات الدولية، ومنها صندوق النقد الدولي، تفرض إصلاحات اقتصادية وهيكلية مقابل منح التمويل.

وحذر من أن العجز في الموازنة لم يعد عجزاً رقمياً مؤقتاً كما كان في السابق، بل تحول إلى عجز فعلي وهيكلي مرتبط باعتماد الاقتصاد العراقي شبه الكامل على الإيرادات النفطية، في وقت تتركز فيه معظم النفقات على الرواتب والالتزامات التشغيلية الأساسية، ما يقلل من مرونة الإنفاق الاستثماري.

صندوق تنمية استثماري هذا ممكن؟

وضمن السياق، أعلن الناطق باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي أن مجلس الوزراء قرر تأسيس صندوق تنمية استثماري مستقل عن الموازنة العامة، يعتمد على مساهمات وضمانات دولية تتراوح بين 100 و150 مليار دولار بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي ودعم الاستثمار.

كما أكد التزام الحكومة بخطة حصر السلاح بيد الدولة بحلول أيلول المقبل، بالتزامن مع انتهاء مهام التحالف الدولي.

ورغم الطموح الكبير الذي يحمله مشروع صندوق التنمية، فإن الحديث عن مساهمات وضمانات دولية تصل إلى 150 مليار دولار يثير تساؤلات جوهرية بشأن واقعية الأرقام وإمكانية تنفيذها على أرض الواقع. فحتى الآن لم تُعلن الجهات الدولية المساهمة أو طبيعة الضمانات وآليات التمويل، ما يجعل المشروع أقرب إلى تصور اقتصادي أولي منه إلى برنامج استثماري مكتمل الأركان.

كما أن جذب هذا الحجم من التمويل يتطلب بيئة استثمارية مستقرة ومؤسسات مالية وإدارية عالية الكفاءة، فضلاً عن ضمانات قانونية وأمنية طويلة الأمد. وفي ظل التحديات التي ما زالت تواجه العراق، من تقلبات اقتصادية وخلافات سياسية وتعقيدات إدارية، قد يكون من الصعب إقناع الممولين الدوليين بضخ استثمارات أو تقديم ضمانات بهذا الحجم.

إضافة إلى ذلك، فإن تجارب سابقة لوعود ومبادرات دولية أُطلقت لدعم الاقتصاد العراقي لم تحقق النتائج المعلنة بالكامل، سواء بسبب المتغيرات السياسية أو ضعف التنفيذ أو تغير أولويات الجهات المانحة. لذلك فإن نجاح الصندوق يبقى مرهوناً بإعلان تفاصيله بشكل شفاف، والكشف عن الجهات الداعمة فعلياً، وتوفير ضمانات حقيقية للمستثمرين، وليس بمجرد الإعلان عن أرقام كبيرة أو أهداف طموحة.