تواجه المنظومة التعليمية تحديات متراكمة لم تقتصر على المحتوى الدراسي وحده بل تمتد لتشمل بيئة التعلم داخل المدارس وأساليب التدريس واليات تنظيم المناهج. وبينما تتعدد القراءات حول جذور الأزمة، يجمع تربويون ومختصون على أن استمرار الاعتماد على الأساليب التقليدية وضعف البنى التحتية وتراجع الأنشطة التطبيقية بات يشكل عائقا أمام تطوير مهارات الطلبة وقدرتهم على الفهم والتحليل.
أبسط مقومات التعلم مفقودة
تقول منى جعفر، مهتمة في مجال التعليم، إن "أزمة التعليم في العراق لم تعد أزمة مناهج فقط، بل أزمة بيئة تعليمية كاملة تفتقر إلى أبسط مقومات التعلم الحديث، من مختبرات ووسائل تفاعلية ومساحات تشجع الطالب على التفكير والتحليل، لا على التلقين والحفظ فقط".
وتضيف جعفر لـ "طريق الشعب"، أن "الاعتماد المتزايد على الملازم والدروس المختصرة حوّل العملية التعليمية إلى سباق لاجتياز الامتحان، بدل بناء المعرفة والمهارات، حتى أصبح كثير من الطلبة يحفظون المعلومات مؤقتاً ثم يفقدونها بعد انتهاء الاختبار، من دون أي قدرة حقيقية على التطبيق أو التفكير النقدي".
وتؤكد جعفر أن "إصلاح التعليم يحتاج إلى تغيير جذري في فلسفة التدريس، يبدأ من تحديث المناهج وتدريب الكوادر التعليمية، وصولا إلى إدخال التكنولوجيا والتعليم التطبيقي داخل المدارس، لأن استمرار الأساليب التقليدية سيزيد الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الحياة وسوق العمل".
ضعف البنية التحتية للمدارس
تقول سميرة الخفاجي، تعمل مدرّسة، إن "أبرز الإشكالات التي يعاني منها التعليم في العراق اليوم هو غياب البيئة التعليمية الحديثة داخل المدارس، حيث تفتقر الكثير من المؤسسات التربوية إلى المختبرات المجهزة، والوسائل البصرية والتكنولوجية، والأدوات التي تجعل الطالب يعيش التجربة التعليمية بدل الاكتفاء بتلقيها بشكل نظري داخل الصف".
وتضيف الخفاجي لـ"طريق الشعب"، أن "هذا الغياب لا يقتصر على القاعات الدراسية فقط، بل يمتد إلى تعطل الأنشطة التعليمية الميدانية، وعلى رأسها السفرات العلمية والزيارات إلى المتاحف والمعامل والمواقع الثقافية، والتي كانت في السابق جزء أساسياً من العملية التربوية وساهمت بشكل كبير في ربط الطالب بالواقع وتعزيز الفهم التطبيقي للمادة".
وتشير الخفاجي إلى أن "إيقاف أو تراجع هذه الأنشطة الميدانية حرم الطلبة من فرصة التعلّم خارج جدران الصف، وهو ما جعل المعرفة أكثر جفافاً وأقل ارتباطاً بالحياة اليومية، خصوصاً في مواد العلوم والاجتماعيات التي تحتاج إلى مشاهدة وتجربة مباشرة لترسيخ المعلومة".
وتوضح أن "ضعف البنية التحتية للمدارس، وغياب المختبرات الفعالة، وقلة الدعم المخصص للأنشطة اللاصفية، كلها عوامل جعلت البيئة التعليمية غير قادرة على مواكبة التطور، حتى مع وجود محاولات فردية من بعض المعلمين لتعويض هذا النقص بجهود شخصية داخل الصف".
وتؤكد أن "النتيجة المباشرة لهذا الواقع هي تخريج طلبة يمتلكون معلومات نظرية، لكن دون خبرة تطبيقية أو مهارات ميدانية كافية، وهو ما ينعكس في ضعف الاستعداد للمرحلة الجامعية او سوق العمل والذي يعتمد بشكل أساسي على التجربة والمهارة وليس على المعرفة المجردة فقط".
وتشدد الخفاجي على أن "إعادة إحياء البيئة التعليمية الحديثة لا تقتصر على تجهيز المدارس فقط، بل تشمل أيضاً إعادة تفعيل السفرات العلمية والأنشطة الميدانية بشكل منتظم، لأنها جزء أساسي من بناء شخصية الطالب وتعزيز قدرته على الفهم والتحليل وربط التعليم بالواقع".
من جانبه، ذكر حيدر كاظم، مشرف تربوي، أن "الطلبة باتوا يواجهون تحديات متزايدة في استيعاب المناهج الدراسية، نتيجة كثافتها وضيق الوقت المخصص لإكمالها، إلى جانب كثرة العطل وتتابع الامتحانات اليومية، الأمر الذي ينعكس سلباً على مستوى الفهم والتحصل العلمي".
وأوضح كاظم ان ضغط المناهج يدفع العديد من الطلبة إلى الاعتماد على الحفظ السريع بدلا من الفهم الحقيقي للمادة العلمية، مبينا أن هذا الواقع يترك اثرا نفسيا ودراسيا واضحا على الطلبة، ويزيد من شعورهم بالإرهاق والتوتر خلال العام الدراسي.
وأشار إلى أن "تكرار مشكلة تأخر إكمال المناهج في كل عام يثير تساؤلات واسعة داخل الأوساط التعليمية حول موعد إعادة النظر بالمقررات الدراسية واليات تنظيمها بما ينسجم مع الواقع التعليمي والزمن المتاح".
ودعا كاظم وزارة التربية إلى اتخاذ خطوات عملية لتقليص المناهج والتركيز على المفاهيم الأساسية والمهارات المهمة، بما يحقق توازناً بين جودة التعليم وقدرات الطلبة.