لطالما شكّل حصر السلاح بيد الدولة أحد أبرز المطالب الوطنية التي رافقت الحكومات العراقية المتعاقبة، بوصفه مدخلاً أساسياً لبناء دولة المؤسسات وفرض القانون وحماية السلم المجتمعي واستعادة هيبة الدولة. ورغم ذلك، كثيراً ما جرى اختزال هذا الملف الحساس بتصويره “مطلباً أمريكياً” مرتبطاً بالصراع الإقليمي ومصالح واشنطن في العراق والمنطقة، في وقت يرى مراقبون في هذا الطرح تجاهلا لجوهر القضية المرتبط أساساً بالمصلحة الوطنية العراقية وحاجة المجتمع إلى الاستقرار وإنهاء مظاهر السلاح الخارج عن إطار الدولة.
فواشنطن، بحسب مختصين، لا تنظر إلى ملف السلاح المنفلت من زاوية الحفاظ على الأمن المجتمعي بقدر ما تتعامل معه باعتباره عاملاً قد يهدد مصالحها ونفوذها وتحركاتها داخل العراق والمنطقة، وهو ما يجعل الرهان على الضغوط الخارجية غير مجدٍ لمعالجة واحدة من أعقد الأزمات السياسية والأمنية في البلاد. وفي ظل استمرار الجدل بشأن مستقبل الفصائل المسلحة وحدود نفوذها السياسي والأمني، تتجه الأنظار إلى حكومة علي الزيدي وقدرتها على التعامل مع هذا الملف الشائك، وسط دعوات لأن تستند أي خطوات مقبلة إلى الإرادة الوطنية والدستور والقانون، لا إلى حسابات الخارج وتوازناته المتغيرة.
اقوى من الدولة واراداتها
يعتبر المحلل السياسي داوود سلمان أن مشاركة الفصائل المسلحة في الانتخابات تمثل دليلاً واضحاً على تفوق نفوذها على سلطة الدولة، مؤكداً أن الحكومات المتعاقبة لم تكن تمتلك القدرة الكافية لمنع هذه القوى من الدخول إلى العملية السياسية أو فرض القيود القانونية عليها.
يقول سلمان لـ"طريق الشعب"، إنّ السماح لهذه القوى بالمشاركة، رغم امتلاكها السلاح، يعكس بشكل واضح حجم تأثيرها السياسي والأمني داخل الدولة، لافتاً إلى أن إرادة الحكومة السابقة والمتعاقبة كانت مقيدة بسلطة تلك الفصائل، الأمر الذي يجعل تنفيذ أي قرارات ضدها أمراً بالغ الصعوبة
واضاف سلمان أن الولايات المتحدة كانت قد أعلنت قبل الانتخابات رفضها لأي حكومة تضم فصائل مسلحة، إلا أن قبولها لاحقاً بمشاركة ممثلين عن هذه القوى داخل البرلمان، ووصول شخصيات محسوبة عليها إلى مناصب نيابية متقدمة، منح تلك الفصائل “ضوءاً أخضر” للتمادي وللتوسع سياسياً والمطالبة بحقائب وزارية ذات طابع سيادي.
وتابع أن التعليمات الامريكية التي وُجهت إلى رئيس الحكومة تضمنت، بحسب وصفه، عدم تمكين هذه الفصائل من السيطرة على مفاصل القرار الحكومي والتوغل داخل الحكومة.
وفي ما يتعلق بملف تشكيل الحكومة والصراع على الوزارات، أشار سلمان إلى أن الولايات المتحدة تركز على إبقاء وزارات الدفاع والداخلية والنفط والمالية، إضافة إلى البنك المركزي، بعيدة عن نفوذ الفصائل المسلحة، مؤكداً أن واشنطن تنظر إلى هذه المؤسسات بوصفها مفاصل مؤثرة في إدارة الدولة والاقتصاد.
وحول احتمالات خضوع الفصائل المسلحة للضغوط الدولية والتخلي عن السلاح مقابل استمرارها السياسي، استبعد سلمان في الوقت الراهن حدوث ذلك بشكل طوعي، خصوصاً من قبل الفصائل التي أعلنت رفضها تسليم سلاحها، مبيناً أن بعض هذه الجهات قد تواجه مستقبلاً عقوبات أو استهدافات مباشرة إذا عرقلت عمل الحكومة أو اصطدمت بالتوجهات الدولية.
وأضاف أن الخطاب المرتبط بتبرير وجود السلاح يُستخدم، لتحقيق مكاسب سياسية والحصول على قبول بالمشاركة في العملية السياسية، إلا أنه يرى أن القرار الأميركي يتجه نحو تقليص نفوذ القوى المقربة من إيران في مؤسسات الدولة العراقية.
وفي تقييمه لقدرة حكومة علي الزيدي على المضي في مشروع حصر السلاح بيد الدولة، اعتبر سلمان أن الحكومة الحالية تواجه تحديات كبيرة تتعلق بتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية، متوقعاً أن تواجه صعوبات جدية في مواجهة السلاح المنفلت أو فرض معادلة جديدة داخل المشهد العراقي.
ورجّح سلمان أن تتعرض الحكومة إلى ضغوط داخلية وخارجية متزايدة اكثر مما هي عليه اليوم إذا أخفقت في التعامل مع هذا الملف، معتبراً أن استمرارها لفترة طويلة “سيبقى مرهوناً بقدرتها على إدارة التوازنات السياسية والأمنية”.
تقديم تنازلات جزئية
من جهته، قال أستاذ القانون الدستوري وائل منذر أن أزمة السلاح المنفلت في العراق ترتبط بخللين رئيسيين يتمثلان بضعف تطبيق القوانين، إلى جانب النفوذ الواسع الذي تمتلكه بعض الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن الدستور العراقي وقانون الأحزاب السياسية يحظران بشكل واضح وجود التنظيمات المسلحة خارج إطار الدولة أو تأسيس أحزاب تمتلك أجنحة عسكرية أو شبه عسكرية.
واضاف في حديثه لـ"طريق الشعب"، إن النصوص الدستورية والقانونية واضحة وصريحة، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في آليات إنفاذها، لافتاً إلى أن الواقع السياسي العراقي يشهد تداخلاً بين الأجنحة السياسية والعسكرية التابعة للجهة نفسها، رغم الفصل الشكلي بينها على الورق، ما يصعّب من الناحية القانونية إثبات الارتباط العضوي بين الطرفين.
وتابع أن الدعاوى التي رُفعت بهذا الشأن أمام الهيئة القضائية الانتخابية لم تُعلن نتائجها حتى الآن، مبيناً أن نفوذ هذه الجهات داخل مؤسسات الدولة يمكّنها من ممارسة ضغوط تحول دون تطبيق القوانين عليها بصورة كاملة.
وفي ما يتعلق بالضغوط الدولية على الفصائل المسلحة، أوضح منذر أن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود توجه نحو صدام عسكري مباشر، بل تعتمد القوى الدولية على أدوات الضغط الاقتصادي وتجفيف منابع التمويل، عبر القيود المفروضة على النظام المالي وحركة الدولار ونظام “سويفت”، بهدف تقليص النفوذ المالي والسياسي لتلك الجهات.
ورجّح أن تلجأ بعض الفصائل خلال المرحلة المقبلة إلى تقديم تنازلات جزئية، من بينها القبول بعمليات دمج شكلية ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية، بما يضمن استمرار وجودها ونشاطها السياسي ضمن أطر مختلفة.
وعن قدرة الحكومة الجديدة على حصر السلاح بيد الدولة، أشار منذر إلى أن الحكومة تواجه تحديات معقدة، أبرزها الأزمة الاقتصادية، ونفوذ الجماعات المسلحة، فضلاً عن طبيعة التوترات الإقليمية والدولية المحيطة بالعراق.
وبيّن أن الحكومة قد تمتلك بعض الأدوات الفاعلة، مثل محاصرة شبكات التمويل غير الشرعي، ومراقبة عمليات غسل الأموال، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، مؤكداً أن تحقيق نتائج إيجابية في هذه الملفات يمكن أن يعزز موقع الحكومة ويخفف من الضغوط الاقتصادية التي يواجهها البلد.
وأشار إلى أن أي دعم دولي أو إقليمي قد تحصل عليه الحكومة يبقى مشروطاً بمدى استجابتها لمتطلبات مكافحة غسل الأموال والحد من نفوذ الجماعات المسلحة، لافتاً إلى أن بعض الفصائل تطرح سلاحها باعتباره مرتبطاً بأبعاد عقائدية وإقليمية تتجاوز الإطار المحلي، الأمر الذي يجعل حسم هذا الملف بقرار داخلي أمراً بالغ التعقيد.
وختم منذر بالقول إن الخيار الأكثر واقعية أمام الحكومة يتمثل في اعتماد استراتيجية “الاحتواء التدريجي”، عبر الحد من نفوذ الجماعات المسلحة، والعمل بصورة تدريجية على دمج الأفراد المنتمين إليها داخل المؤسسات الرسمية للدولة.
حصر السلاح.. شعار على ورق
الى ذلك، قال الخبير في الشأن الانتخابي هوگر جتو إن بعض القوى السياسية التي تمتلك أجنحة مسلحة تلجأ إلى إنشاء قوائم انتخابية تحمل عناوين مختلفة للالتفاف على القوانين المنظمة للعمل الحزبي والانتخابي، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة معلومة للجميع وليست خافية، إلا أن إثبات الارتباط بين الأجنحة السياسية والعسكرية يبقى معقداً من الناحية القانونية.
ولفت في حديث لـ "طريق الشعب" الى أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف الرقابة وآليات الإثبات، إذ يتطلب الأمر تقديم أدلة قانونية تثبت أن الكيان السياسي يمثل واجهة لفصيل مسلح، وهو ما يجعل من الصعب إلغاء مشاركته أو الحد من نفوذه داخل العملية الانتخابية. وأضاف أن المشهد العراقي يضم عشرات الفصائل المسلحة، سواء تلك المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي أو الفصائل الأخرى الخارجة عن هذا الإطار، مبيناً أن التعامل مع هذا الملف لا يمكن أن يتم بصيغة واحدة، ويحتاج إلى دراسة كل فصيل بشكل منفصل وفق طبيعة ارتباطاته ومواقفه. وأشار إلى أن بعض الفصائل أبدت استعدادها للانخراط ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية أو التخلي عن السلاح، في حين ترتبط فصائل أخرى بأجندات إقليمية وقناعات مختلفة تجعل مسألة دمجها أو نزع سلاحها أكثر تعقيداً. وبيّن جتو أن التجربة السياسية خلال السنوات الماضية أظهرت أن القوى التي تمتلك السلاح والنفوذ داخل مؤسسات الدولة أصبحت الأكثر تأثيراً في حسم نتائج الانتخابات وتوجيه المشهد السياسي.
وفي ما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة، أكد جتو أن هذا الشعار لا يزال مطروحاً “على الورق” أكثر من كونه مشروعاً قابلاً للتنفيذ، لافتاً إلى أن بعض قادة الفصائل المسلحة يعتبرون أنفسهم خارج نطاق هذا الطرح، ويرون أن المقصود به السلاح العشائري أو الجماعات الخارجة عن القانون فقط.
ورأى أن أي رئيس وزراء في العراق يواجه تحديات شديدة التعقيد، تبدأ من تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة، ولا تنتهي عند ملفات السلاح والفساد والمحاصصة والتوازنات الإقليمية والدولية، مؤكداً أن معالجة هذه الملفات “ليست مهمة سهلة”، خصوصاً في ظل المعادلات السياسية الحالية.