بين توسع المدن وتقلص المساحات الخضراء، تتغير ملامح الأرض في العراق بهدوء، لكن باثار عميقة تمتد إلى ما هو أبعد من الشكل العمراني، فمع تزايد الحاجة إلى السكن، تتجه الأنظار نحو الأراضي الزراعية بوصفها الخيار الأقرب والأقل كلفة، لتتحول تدريجياً من مصدر للإنتاج إلى مساحة للبناء.
وفي ظل هذا التحول، تتقاطع تحديات النمو السكاني مع ضعف التخطيط وغياب البدائل، لتضع القطاع الزراعي أمام اختبار حقيقي، بين الاستمرار أو التراجع، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول قدرة البلاد على حماية مواردها وضمان أمنها الغذائي.
مطلوب حلول علمية وعملية
يقول خطاب عمران، خبير زراعي، أن ظاهرة تحويل الأراضي الزراعية القريبة من الأنهار إلى أراضٍ سكنية أو عقارية، سواء بطرق رسمية أو غير رسمية، أصبحت من القضايا التي تحظى باهتمام واسع لدى الباحثين والمختصين، نظراً لما تتركه من آثار مباشرة على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، فضلاً عن تأثيرها على فرص العمل المرتبطة بالقطاع الزراعي.
ويضيف عمران لـ"طريق الشعب"، أن السبب الرئيس وراء هذه الظاهرة يعود إلى الزيادة السكانية المتسارعة في العراق، حيث تُسجل البلاد أكثر من مليون ولادة سنوياً، ما يرفع عدد السكان بوتيرة متصاعدة ويؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على السكن، خصوصاً في المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية مثل بغداد والموصل.
ويزيد بالقول إن غياب التخطيط الحكومي الكافي لإنشاء مدن جديدة تستوعب هذا النمو السكاني، أسهم في تفاقم أزمة السكن وارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، فضلاً عن زيادة بدلات الإيجار.
وبحسب عمران، فإن هذا الواقع دفع العديد من المواطنين إلى التوجه نحو شراء أو استغلال الأراضي الزراعية القريبة من المدن، خاصة تلك التي تتمتع بوفرة المياه وخصوبة التربة، بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالعقارات النظامية. إلا أن هذا التوجه، كما يؤكد، أدى خلال السنوات الماضية إلى تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض إنتاج الغذاء، إلى جانب خسارة الكثير من الفلاحين والمزارعين لمصادر دخلهم، ما انعكس سلباً على الاقتصاد الوطني بشكل عام.
ويؤكد عمران أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب من الحكومة تبني حلول علمية وعملية، توازن بين تلبية الطلب المتزايد على السكن والحفاظ على الأراضي الزراعية.
تجربة مصر في حل أزمة السكن
ويقترح في هذا الإطار التوسع في إنشاء مدن جديدة في المناطق الصحراوية القريبة من المدن، مع توفير البنى التحتية والخدمات الأساسية، وتوزيع الأراضي على المواطنين أو إتاحتها للمستثمرين لبناء مجمعات سكنية.
كما يشير عمران إلى تجارب ناجحة في هذا المجال، مثل تجربة مصر في إنشاء مدن جديدة لتخفيف الضغط عن القاهرة، وكذلك تجربة إقليم كردستان، حيث توسعت المجمعات السكنية حول مدينة أربيل في مناطق غير صالحة للزراعة، مستفيدة من وفرة الأراضي، ما ساهم في استيعاب جزء من الطلب على السكن دون التأثير على الأراضي الزراعية.
جذور الازمة
وفي السياق، يقول المختص في الشأن الزراعي حامد رزاق، لـ"طريق الشعب"، إن ملامح هذه القضية تعود إلى العهد الملكي، حين جرى توزيع ما عُرف بـالأراضي الأميرية الجرداء، وهي أراض شاسعة تفتقر إلى مصادر المياه. في تلك المرحلة، لم يكن أمام الفلاحين خيار سوى اللجوء إلى أصحاب رؤوس الأموال لتوفير مكائن ضخ المياه، مقابل شراكات في الإنتاج، تطورت أحيانا لتشمل تقاسم ملكية الأرض نفسها. ومن هنا، بدأت أولى ملامح الخلل في العلاقة بين الفلاح والمستثمر.
ويضيف: "مع صدور قانون إيجار الأراضي رقم 35 لسنة 1983، اتسعت دائرة هذه الظاهرة بشكل ملحوظ"، إذ يشير إلى أن مقربين من السلطة آنذاك استحوذوا على مساحات واسعة من الأراضي، دون أن تقابلها التزامات حكومية بتوفير مياه الري، ما دفعهم إلى إدخال مستثمرين من القطاع الخاص لتأمين مستلزمات الزراعة. هذا الواقع أسهم في تعزيز نفوذ رأس المال على حساب الفلاح.
في المقابل، يوضح رزاق أن هناك نمطا مختلفا كان قائما بموجب قانون 117 لسنة 1970، حيث مُنح الفلاحون عقودا زراعية على مساحات محدودة، غالبا لا تتجاوز 40 دونمًا، ما وفر لهم قدرًا من الاستقرار. إلا أن هذا النموذج لم يدم طويلا، إذ تحولت تلك الأراضي لاحقا إلى نظام الإيجار، باستثناء بعض المناطق القريبة من نهري دجلة والفرات، التي بقيت تروى عبر مكائن خاصة وظلت مشمولة بالقانون ذاته، إلى جانب مشاريع زراعية حكومية كانت تديرها وزارة الموارد المائية.
وقبيل عام 2003، يلفت رزاق إلى تحول مهم تمثل بإصدار قوانين لبيع ممتلكات الدولة عبر المزاد العلني، شملت مشاريع زراعية ومكائن ضخ عملاقة، فضلاً عن مشاريع الدواجن والأسماك. وقد آلت هذه الأصول إلى مستثمرين من القطاع الخاص، ما ألحق ضررا واسعا بشريحة الفلاحين، الذين اضطروا إلى خوض مزادات مكلفة عبر جمعياتهم لشراء تلك المكائن، في محاولة لمنع احتكارها من قبل كبار المستثمرين.
أما بعد عام 2003، فيصف رزاق المرحلة بأنها الأكثر تعقيدا، حيث تفاقمت الظاهرة بشكل واضح، مع سيطرة جهات متنفذة على مساحات شاسعة من الأراضي، لا سيما في محافظات النجف وكربلاء والمثنى.
ويشير إلى أن هذه الجهات استثمرت إمكانياتها المالية الكبيرة وتقنيات حفر الآبار لتأمين المياه، ما أدى إلى تراجع دور الفلاحين، وتحول الكثير منهم إلى عمال أو "سكاية"، يعملون مقابل نسب ضئيلة من الإنتاج لا تتجاوز 7 إلى 8 في المائة.
ولم تقتصر تداعيات هذه التحولات على الأراضي الزراعية، بل امتدت لتشمل ممتلكات الاتحادات والجمعيات الفلاحية، من بنايات وشركات، والتي أصبحت بحسب رزاق بيد جهات مسيطرة ومدعومة من قوى نافذة، كما هو الحال في بعض المحافظات ومنها واسط.
ويخلص رزاق إلى أن واقع الاستثمار الزراعي في العراق يتطلب مراجعة جذرية وشاملة، تضمن حماية الفلاح وتنظم العلاقة مع المستثمرين بشكل عادل.
ويؤكد أن تحقيق التنمية الزراعية الحقيقية لن يكون ممكنا دون وضع حد لاحتكار الأراضي، وإعادة التوازن إلى هذه المعادلة بما يخدم الاقتصاد الوطني، ويصون حقوق العاملين في هذا القطاع الحيوي.
إجازات استثمارية على أراض زراعية
يقول الباحث البيئي علي الشمري، إن تفاقم ظاهرة تحويل الأراضي الزراعية إلى مشاريع استثمارية وسكنية لا يمكن فصله عن أزمة السكن التي تضغط على المدن، لكنه يرى في الوقت ذاته أن معالجة هذه الأزمة جاءت على حساب القطاع الزراعي بشكل غير مدروس، ويوضح أن الحكومة تجد نفسها أحياناً أمام واقع معقد فرضته سنوات من التجاوزات وبناء وحدات سكنية خارج التخطيط، ما يجعل إزالتها صعباً من الناحية الاجتماعية والسياسية، فتتجه إلى حلول مؤقتة تقوم على التكيف بدل المعالجة الجذرية.
ويشير لـ"طريق الشعب"، إلى أن مسؤولية هذا الملف موزعة بين عدة جهات حكومية، فوزارة الزراعة مطالبة بحماية الأراضي الخصبة، في حين تقع على عاتق وزارة الموارد المائية مسؤولية تأمين استدامة مصادر الري، بينما ترتبط أزمة التوسع السكني بعمل وزارة الإعمار والإسكان والتخطيط، إضافة إلى دور الحكومات المحلية في توفير بدائل مناسبة للأراضي خارج الرقعة الزراعية.
ويضيف أن غياب التنسيق الحقيقي بين هذه الجهات أدى إلى استمرار منح إجازات استثمارية على أراض زراعية، خصوصاً القريبة من مصادر المياه، وهي من أكثر الأراضي إنتاجاً للمحاصيل الأساسية. ويرى أن هذا التوجه لا يهدد الأمن الغذائي فحسب، بل يدفع البلاد إلى زيادة الاستيراد واستنزاف العملة، فضلاً عن تقليص فرص العمل في الريف وتحويل الفلاحين إلى عمال بأجور محدودة.
ويخلص إلى أن أي حل مستدام يجب أن يقوم على موازنة واضحة بين متطلبات السكن وحماية الأراضي الزراعية، عبر التوسع المدروس خارج المناطق الخصبة، ومنع تحويل الأراضي المنتجة إلى مشاريع استثمارية لا تخدم القطاع الزراعي ولا الاقتصاد على المدى البعيد.