اخر الاخبار

مع تصاعد وتيرة المباحثات بين الكتل السياسية لتشكيل الحكومة العراقية التاسعة منذ عام 2003، يتضح أن مسار التفاوض لا يغادر الإطار التقليدي في تقاسم المغانم عبر المحاصصة، حيث أصبحت العملية تدار بقواعد يحكمها منطق التسابق على المغانم. ولم تعد المحاصصة في العراق تُمارَس خلف الأبواب المغلقة أو تُغلَّف بخطاب دبلوماسي حذر، بل تحولت إلى ممارسة مُعلنة تتبناها القوى السياسية صراحة، في مشهد يقوم على تنظيم تقاسم النفوذ وتبريره تحت عناوين "الاستحقاق" و"التوازن".

مباحثات مغلقة وتقاسم معلن

تشير مجريات اللقاءات بين القوى السياسية إلى أن النقاشات تتركز على توزيع الحقائب الوزارية،  فكل كتلة تدخل المفاوضات وهي تحمل تصورًا واضحًا لحصتها، سواء من الوزارات السيادية أو الخدمية، ما يحوّل عملية التشكيل إلى ما يشبه "إعادة توزيع للنفوذ".

وتتحدث مصادر سياسية عن خرائط أولية لتقاسم الوزارات تُبنى على أساس الوزن النيابي والتأثير السياسي، مع إصرار بعض الكتل على الاحتفاظ بوزارات محددة باعتبارها "استحقاقًا انتخابيًا". وفي جولات التفاوض الجارية، لا تدور النقاشات حول البرامج الحكومية أو أولويات الإصلاح، بل وكما سبق القول تتركز بشكل مباشر على توزيع الوزارات وتحديد حصص كل كتلة.

وجاءت تصريحات قادة الكتل صريحة في هذا الاتجاه، إذ أكدت ضرورة "تمثيل الجميع" داخل الحكومة، وهو تعبير يُستخدم فعليًا لتكريس توزيع المناصب وفق الانتماءات السياسية، لا وفق الكفاءة أو التخصص.

خطاب علني يشرعن المحاصصة

ما يميز المرحلة الحالية هو أن القوى السياسية المعنية لم تعد تشعر بالحاجة إلى إخفاء آليات عملها، بل أصبحت تدافع عن المحاصصة باعتبارها ضمانة لاستقرار بقائها. ولم تعد المحاصصة في نظر المتنفذين خللًا يجب تجاوزه، بل نظامًا يُعاد إنتاجه بشكل مقصود.

وبهذا، تُفرغ مفاهيم مثل "الإصلاح" و"حكومة الكفاءات" من مضمونها، لتتحول إلى شعارات موازية لا تؤثر في جوهر العملية. وفي معظم التصريحات، يُستخدم مصطلح "الاستحقاق الانتخابي" لتبرير الحصول على الوزارات، غير أن هذا المفهوم يُعاد توظيفه كأداة لتوزيع المناصب التنفيذية بدل أن يُترجم إلى دور تشريعي ورقابي داخل البرلمان، ما يحوّل نتائج الانتخابات إلى مدخل لتقاسم الدولة، لا لإدارتها وفق برنامج وطني موحد.

وعقب كل دورة انتخابية جديدة، يبدو أن المنظومة السياسية لا تقترب من تصحيح أخطاء الماضي بقدر ما تواصل إعادة إنتاجها بصيغ أكثر تعقيداً، إذ تكشف محادثات تشكيل الحكومة الجديدة أن جوهر الأزمة ما زال ثابتاً: منظومة سياسية تكرر النهج ذاته من دون مراجعة حقيقية، وتُمعن في ترسيخ الإخفاق بدل تجاوزه.

عملية سياسية عاجزة

في هذا الصدد، قال المنسق العام للتيار الديمقراطي أثير الدباس، أن مسار العملية السياسية في العراق يشهد منذ أول انتخابات عام 2005 محاولات متواصلة لإفراغ التجربة الانتخابية من مضمونها الديمقراطي الحقيقي، معتبراً أن ما يجري اليوم ليس حدثاً منفصلاً، بل هو امتداد واضح لمسار طويل بدأ – بحسب وصفه – مع قرار المحكمة الاتحادية الخاص بتفسير مفهوم "الكتلة الأكبر"، والذي أسس لتحولات جوهرية في آلية تشكيل الحكومات.

وأضاف الدباس لـ "طريق الشعب"، أن ذلك القرار فتح الباب أمام وصول رؤساء وزراء لم يأتِ بعضهم عبر مشاركة انتخابية مباشرة، أو لم يستندوا الى تمثيل برلماني واسع، ما جعل منصب رئيس الحكومة خاضعاً لإرادة الكتل السياسية المتنفذة أكثر من ارتباطه بإرادة الناخبين.

وتابع أن هذه الآلية تحولت إلى استراتيجية سياسية هدفت إلى إبقاء رئيس الوزراء ضمن دائرة النفوذ الحزبي، بما يضمن استمرار هيمنة القوى المتنفذة على القرار التنفيذي، بدلاً من إنتاج قيادة تستند إلى تفويض شعبي واضح وقوي.

وفي ما يتعلق بالحديث المتداول بشأن توقيع تعهدات خطية تمنع الوزراء من الترشح في الانتخابات المقبلة بحجة منع استغلال موارد الدولة، وصف الدباس هذه الطروحات ما هي الا حلول شكلية لأزمة بنيوية أعمق.

وأشار إلى أن أي تعهدات ورقية من هذا النوع، لا تمتلك قيمة حقيقية، خصوصاً إذا كانت القوى ذاتها قد تجاوزت سابقاً نصوصاً دستورية ومواعيد ملزمة عندما تعارضت مع مصالحها السياسية. كما أن منع استغلال او توظيف موارد الدولة يحتاج الى قانون قوي ومؤسسات دولة فاعلة هي من تضبط الاوضاع لا عبر رغبات سياسية.

وانتقد الدباس كذلك الطروحات المتعلقة باستحداث ثلاثة مناصب لنواب رئيس الوزراء، معتبراً أن هذا التوجه ينسجم مع منطق المحاصصة السياسية الذي هيمن على إدارة الدولة طوال السنوات الماضية، ويعكس استمرار ثقافة تقاسم السلطة والمغانم بدلاً من الاتجاه نحو تقليص الترهل الإداري وإعادة بناء مؤسسات أكثر كفاءة.

تكرار الخطأ والإمعان فيه

وعلّق الباحث والأكاديمي غالب الدعمي على الجدل الدائر بشأن محادثات تشكيل الحكومة بالقول إن المشكلة مرتبطة بتكرار النهج ذاته في إدارة الدولة، مشيراً إلى أن الحديث المستمر عن ذات العناصر التي رافقت تشكيل الحكومات السابقة يكشف بوضوح أن الخلل ما زال قائماً في بنية النظام الإداري والسياسي.

وقال الدعمي إن التوجه لاستحداث مناصب متعددة لنواب رئيس الوزراء والجمهورية، غير منطقية، معتبراً أن هذا التوسع الإداري لا يمثل ضرورة حقيقية بقدر ما يضيف أعباءً سياسية وبيروقراطية على هيكل الدولة.

وأضاف الدعمي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن التجربة الحكومية السابقة أثبتت إمكانية إدارة هذا الملف عبر تكليف بعض الوزراء الأساسيين بمهام إضافية، كما جرى سابقاً مع وزراء النفط أو التخطيط أو الخارجية، الذين كانوا يتولون عملياً أدواراً تعادل مهام نائب رئيس الوزراء الى جانب مسؤولياتهم الوزارية الأصيلة.

وبيّن أن الحاجة الفعلية تتركز – من وجهة نظره – في وجود نائب واحد فقط لرئيس الجمهورية، على أن يكون هذا المنصب محدداً بوضوح قانوني ودستوري، بحيث يمتلك صلاحيات واضحة تمكّنه من أداء مهام الرئيس عند الضرورة، بما يضمن استقرار المؤسسة الرئاسية ويمنع الفراغ في الحالات الاستثنائية.

وأشار الدعمي الى أن نجاح أي حكومة مرهون بامتلاك رئيسها مشروعاً حقيقياً لبناء مؤسسات الدولة، واتخاذ قرارات إصلاحية تتجاوز الاعتبارات الحزبية الضيقة.

وخلص الى التأكيد على أن المواطن بات أكثر وعياً من أي وقت مضى، وأن معيار نجاح الحكومات مرتبط بقدرتها على تحقيق إصلاح ملموس، وبناء إدارة رشيدة تستجيب لمطالب الناس وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية.

سيناريو يتكرر منذ عام 2003

من جانبه، قال المحلل السياسي جعفر حسن الكعبي أن مشهد تشكيل الحكومة السادسة بعد عام 2003 يعيد إنتاج النقاشات ذاتها التي رافقت تشكيل الحكومات السابقة، من محاولات فرض قيود سياسية على الترشح عبر تعهدات خارج الاطار القانوني، إلى إعادة طرح فكرة استحداث مناصب جديدة لنواب رئيسي الوزراء والجمهورية، معتبراً أن هذا التكرار يكشف بوضوح أن الأزمة في بنية النظام السياسي وآليات إدارته، لا في الأشخاص أو العناوين المتغيرة.

وأضاف الكعبي لـ"طريق الشعب"، أن الحديث عن تعهدات تمنع رئيس الوزراء أو الوزراء من الترشح في الانتخابات اللاحقة ليس جديداً، وسبق طرحه خلال حكومات سابقة، ولم ينجح حينها، لافتاً إلى أن الدستور العراقي وقانون الانتخابات لا يمنعان ترشح أي مسؤول تنفيذي ما دام قد التزم بالشروط القانونية، وفي مقدمتها تقديم الاستقالة ضمن التوقيتات المحددة.

وتابع أن أي تعهد يُفرض خارج هذا السياق يبقى مجرد اتفاق سياسي غير ملزم قانونياً، ولا يمكن اعتباره بديلاً عن النصوص الدستورية، مبيناً أن جوهر هذا الطرح يكشف اعترافاً ضمنياً بضعف المؤسسات الرقابية المفترض بها أصلاً ضبط استخدام المال العام، ومنع توظيف موارد الدولة لأغراض انتخابية، مشيراً إلى أن هذه المهمة تقع على عاتق مؤسسات مثل هيئة النزاهة، ومفوضية الانتخابات، والادعاء العام، لا على أوراق تعهد أو تفاهمات أخلاقية قابلة للالتفاف عليها.

ولفت إلى أن اللجوء بأدوات مثل التوقيع على استقالات غير مؤرخة أو أوراق بيضاء يعكس أيضا هشاشة البيئة المؤسسية أكثر مما يقدم حلولاً حقيقية.

وأشار الكعبي الى أن المشكلة الأعمق تكمن في السيناريو المتكرر منذ عام 2003، حيث تبدأ كل حكومة بشعارات الإصلاح وإنهاء المحاصصة، لكنها سرعان ما تعود الى الأدوات نفسها المتمثلة بتوزيع المناصب وفق التوافقات السياسية، وتقديم الترضيات الحزبية على بناء مؤسسات مستقلة وقوية.

تحذيرات من اختلال التوازن السياسي

وحذّر أستاذ الوعي السياسي الدكتور قاسم سلمان العبودي من تداعيات ما وصفه بتوسّع صلاحيات “الإطار التنسيقي” خارج الأطر الدستورية والقانونية، معتبراً أن ذلك بات يشكّل معضلة حقيقية أمام تشكيل الحكومات في العراق.

وأوضح أن توصيف الإطار التنسيقي بـ“الكتلة الأكبر” أضفى عليه أدواراً إضافية بوصفه ممثلاً للبيت الشيعي في العملية السياسية، إلا أن هذه الأدوار – بحسب تعبيره – أخذت تتجاوز النصوص الدستورية، خاصة في ما يتعلق بفرض شروط على المكلفين برئاسة الحكومة.

وأشار إلى عدم وجود أي سند دستوري أو قانوني يجيز فرض قيود على رئيس الوزراء المكلف، بما في ذلك التوقيع على وثائق تمنعه من الترشح لولاية ثانية، معتبراً أن إدارة العملية السياسية باتت خاضعة لأمزجة قيادات الكتل التي تمارس ضغوطاً على نوابها لتمرير قرارات محددة.

وبيّن أن هذه الممارسات لا تقتصر على جهة دون أخرى، بل تشمل قيادات من مختلف المكونات السياسية، سواء كانت شيعية أو سنية أو كردية، ما أدى إلى اختلال موازين القوى وإضعاف الأداء السياسي العام، مؤكداً أن “الشعب هو الخاسر الأكبر” في هذه المعادلة.

وختم بالتحذير من أن استمرار إدارة العملية السياسية بهذه الطريقة قد يقود إلى تقويض النظام الديمقراطي والعودة إلى أنماط حكم شمولية، ما يهدد مستقبل التجربة السياسية في البلاد.