اخر الاخبار

في ظل ارتفاع مناسيب نهري دجلة والفرات، تعود إلى الواجهة ملفات قديمة طالها النسيان، تتعلق بالتجاوزات على ضفاف الأنهار، خصوصاً في محافظة ذي قار، حيث تكشف المياه المتقدمة تدريجياً ما كان مخفياً لسنوات تحت ركام النفوذ والتغاضي.

التجاوز على الحوض النهري والمناطق المحرمة

يقول شهيد الغالبي، مسؤول سابق ومراقب للشأن المحلي من محافظة ذي قار، إن ذاكرة أبناء المحافظة ما زالت تحتفظ بما جرى بين عامي 2014 و2018، حين أُثيرت شبهات واسعة حول استحواذ مسؤولين وشخصيات سياسية على مساحات من شاطئ نهر الفرات، بما في ذلك مناطق مصنفة ضمن الحرم النهري التابع لوزارة الموارد المائية، في الامتداد الواقع باتجاه جامعة ذي قار وما بعدها.

ويضيف الغالبي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "تلك الفترة شهدت إجراء تحقيقات وكشوفات ميدانية متعددة، كشفت عن وجود تجاوزات واضحة، تمثلت بإنشاء مشيدات داخل مناطق يحظر البناء فيها قانونا، نظراً لكونها جزءاً من الحوض النهري أو المناطق المحرمة المحاذية له".

ويشير إلى أن عدداً من هذه المنشآت تم هدمها لاحقاً، في مشهد كان واضحاً للعيان، ما أكد طبيعة المخالفات المرتكبة آنذاك".

ويؤكد الغالبي أن موجة الفيضان الحالية التي يشهدها نهرا دجلة والفرات كفيلة بإعادة كشف تلك التجاوزات، إذ تعمل المياه على إغمار حوض النهر، ما يعيد إظهار حدود المناطق المحرمة، ويكشف حجم التعديات التي طالتها خلال السنوات الماضية.

وفي سياق الحديث عن تفاصيل الملف، يلفت إلى أن العديد من الأطراف تمتنع عن الإدلاء بمعلومات دقيقة بشأن هذه القضية، نتيجة ما يحيط بها من تجاذبات سياسية وعشائرية، ما يجعلها من الملفات الحساسة داخل المحافظة، رغم أن معالمها لا تزال واضحة لدى السكان المحليين.

استخدامات مفرطة للمياه

 من جانبه، يوضح عضو مجلس محافظة ذي قار أحمد سليم أن طبيعة هذه التجاوزات تختلف بين مراكز المدن وبين المناطق الريفية، مشيراً إلى أن أغلب ما يسجل داخل المدن يرتبط بمشيدات مؤقتة وغير ثابتة، مثل الأكشاك وبعض الاستخدامات الخفيفة وهي تعتبر غير متجاوز، وليس ببناء ثابت أو كونكريتي".

ويبين سليم لـ"طريق الشعب"، أن الجهات البلدية والحكومية داخل المدن اتخذت إجراءات قانونية لمنع البناء الثابت ضمن محرمات الأنهر"، لافتاً إلى أن عدداً من التجاوزات تم رفعها فعلياً، ومن بينها إزالة التجاوزات التي كانت موجودة على كورنيش الناصرية بشكل كامل، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن بعض الحالات البسيطة من البناء غير الثابت ما زالت تظهر هنا وهناك، ويتم التعامل معها وفق الحاجة، خصوصاً عند تنفيذ أعمال كري الأنهر أو مشاريع خدمية تتطلب الإزالة المؤقتة.

وفي ما يتعلق بالجانب المائي، يؤكد سليم أن ذي قار، بوصفها محافظة زراعية، تواجه تحديات تتعلق بالالتزام بالحصص المائية، مشيراً إلى وجود تجاوزات على الحصص المخصصة للمحافظة، سواء من قبل بعض الأقضية والنواحي الواقعة على مقدمة الأنهر أو حتى من محافظات مجاورة مثل واسط.

ويضيف أن هذه التجاوزات تبدأ منذ دخول نهري دجلة والفرات إلى المحافظة، حيث تسجل استخدامات مفرطة من قبل بعض الفلاحين والجهات الزراعية، ما يؤدي إلى عدم عدالة في توزيع المياه بين المناطق، وهو ما يتطلب، بحسب تعبيره، تعزيز إجراءات التنظيم والرقابة لضمان وصول الحصص المائية بشكل متوازن إلى جميع الأقضية والنواحي.

ضوابط على الورق فقط

من جانبه، يقول سجاد ستار، ناشط سياسي من المحافظة، ان الوصول إلى معلومات رسمية يتطلب متابعة من الجهات المختصة، لاسيما دوائر الموارد المائية في المحافظة، التي تمتلك البيانات والتفاصيل المتعلقة بهذه التجاوزات، داعياً إلى طرح الملف بشكل مهني ورسمي عبر القنوات الحكومية، للكشف عن الحقائق المرتبطة به.

ويضيف ستار لـ"طريق الشعب"، أن "ما يشهده نهر الفرات من تجاوزات لم يعد يقتصر على الاستخدامات غير المنظمة للمياه، بل يشمل أيضاً حالات تعد على حرم النهر نفسه، رغم التعليمات الصادرة من وزارة الموارد المائية التي تنص على ضرورة الابتعاد مسافة لا تقل عن 30 متراً عن مجاري المياه".

ويشير إلى أن هذه الضوابط، رغم وضوحها، لا يتم الالتزام بها بشكل كامل على أرض الواقع، حيث ما زالت بعض الأنشطة والممارسات تمتد إلى داخل نطاق الحرم النهري، ما يفاقم الضغط على مجرى الفرات ويؤثر على بيئته الطبيعية وانسيابية المياه.

ويضيف أن استمرار هذه التجاوزات، سواء المتعلقة باستخدام المياه بشكل غير قانوني أو التعدي على مسافة الحماية المحددة، يعكس ضعف الرقابة الميدانية، ويزيد من تعقيد الأزمة المائية في المحافظة، خاصة في ظل شح الإطلاقات المائية أصلاً.

ويشدد سجاد على أن معالجة هذا الملف تتطلب تطبيق صارماً لتعليمات وزارة الموارد المائية، وعدم التساهل مع أي تجاوز، إلى جانب تنظيم النشاطات القريبة من النهر بما يضمن حماية مجراه ومنع استغلاله خارج الأطر القانونية، حفاظاً على هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة.

تعزيز الرقابة وتنظيم الاستخدامات

وفي جانب آخر من ملف التجاوزات في مناطق الريف، يقول الفلاح شمخي جبوري، إن طبيعة الاستخدامات على الأنهر الرئيسة تختلف عما يُطرح من حديث عن تجاوزات تجارية، مبيناً أنه لا توجد أنشطة تجارية واضحة داخل هذه المناطق بقدر ما توجد معرقلات مرتبطة بظروف انخفاض مناسيب المياه والحاجة إلى إيصالها لبعض الحقول الزراعية.

ويضيف جبوري أن بعض الأهالي القريبين من مجاري الأنهر يستفيدون من الحافات الطبيعية للنهر، وفي حالات ارتفاع المناسيب لا يتمكنون من حمايتها بالشكل الكامل، ما يؤدي إلى تغيّرات مؤقتة في شكل الضفاف واستخداماتها.

وأشار إلى وجود استحداثات لمشاريع إروائية تقام بحسب الحاجة، بعضها يرتبط بعوامل النفوذ أو الجاه، الأمر الذي قد يؤثر على كميات المياه المتاحة وتوزيعها بين المناطق الزراعية المختلفة.

وشدد على أهمية تعزيز الرقابة وتنظيم الاستخدامات بما يضمن عدالة توزيع المياه ومنع أي تأثيرات غير متوازنة على الحصص المائية للحقول.