اخر الاخبار

لم تكن حادثة تقاطع 14 رمضان في منطقة المنصور مجرد مشاجرة عابرة بين رجل مرور وسائق مركبة، لاسيما بعد أن تحولت في غضون ساعات إلى قضية رأي عام أعادت تسليط الضوء على إشكالية حقيقية ما زالت شاخصة وتتمثل بالاستخدام المفرط للقوة ضد المواطن.

ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون رجل الأمن حامياً للقانون، أثارت المشاهد التي بُثت لعملية اقتياد المواطن تساؤلات جوهرية حول الحدود الفاصلة بين إنفاذ القانون و التنكيل بمن هو في عهدة الشرطة، في وقت اكدت فيه الوزارة مراراً احترامها وترسيخها احترام مبادئ حقوق الإنسان لدى منتسبيها.

فقد شهدت منطقة المنصور، يوم الأحد الماضي، مشادة كلامية تطورت إلى اشتباك بالأيدي بين مواطن ومنتسب في مديرية المرور العامة.

وتصاعدت وتيرة الحادثة التي بدأت بمخالفة مرورية، لتشمل تدخل مفارز من شرطة النجدة، بينما وثقت كاميرات الهواتف المحمولة لقطات وصفت بالقاسية، تظهر تعرض المواطن للضرب والتعنيف المفرط أثناء محاولة السيطرة عليه ووضعه داخل الدورية، وقبل ذلك اعتداء من رجل المرور ايضاً الذي كان من الممكن ان يكتفي بتغريم الشخص كما هو منصوص في اللوائح القانونية.

وهو ما أثار موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها مراقبون تعسفاً لا يتناسب ابداً مع طبيعة الجرم المفترض، خاصة وأن المتهم كان بعهدة الدولة بمجرد تقييده واقتياده ولم يكن يقاوم الاعتقال، وبشكل يخالف تماماً مدونة السلوك المهني لقوى الامن الداخلي.

الحادثة بمنظور مدونة السلوك المهني

وتُمثل مدونة السلوك المهني لقوى الأمن العقد الأخلاقي الذي ينظم علاقة السلطة بالفرد؛ فهي تنص صراحةً على أن استخدام القوة ليس حقاً مطلقاً، وتعده "استثناءً محكوماً بالضرورة".

وتتلخص مبادؤها في أن رجل الأمن ملزم بضبط النفس إلى أقصى الحدود، واعتماد مبدأ التناسب، أي أن تكون القوة المستخدمة مساوية لحجم المقاومة فقط، دون زيادة أو تشفٍ.

وبمجرد وضع الأغلال في يد المواطن، ينتقل من صفة "متهم أو معتدٍ" إلى صفة "شخص في عهدة الدولة"، تلتزم القوة القابضة بحمايته وضمان كرامته الجسدية حتى تسليمه للقضاء.

وعند إسقاط هذه المبادئ على مشاجرة المنصور، نجد فجوة حادة بين النص والتطبيق؛ فبالرغم من أن اعتداء المواطن على رجل المرور يمثل جريمة قانونية، إلا أن رد فعل القوة الأمنية اللاحق تجاوز مفهوم السيطرة إلى التنكيل والانتقام والعقاب.

حيث أظهرت المشاهد استخداماً مفرطاً للقوة ضد شخص بدا أنه تمت السيطرة عليه بالفعل، مما يحول الفعل من إجراء قانوني إلى اعتداء بدني.

كما ان المدونة تمنع بشكل واضح ضرب المقبوض عليه وهو مقيد الحركة، وما حدث في المنصور يمثل خرقاً لالتزام الشرطة بحماية الموقوفين لديها، حيث تحول المنتسبون من أدوات لتنفيذ القانون إلى أطراف في مشاجرة شخصية.

وبموازة هذا فان تعامل القوات الأمنية بانفعال يعكس غياباً واضحاً لآليات ضبط النفس التي تنص عليها المدونة، مما يعطي انطباعاً لعامة الناس بأن القوة تُستخدم أحياناً لترميم الهيبة الشخصية للمنتسب لا لفرض هيبة القانون.

وزير الداخلية يوجه بالتحقيق

من جهتها، تفاعلت وزارة الداخلية مع الحادثة بشكل سريع وجاء موقفها على مسارين، كان في مقدمتها توجيه الوزير بفتح تحقيق عاجل وفوري للوقوف على ملابسات الحادثة من طرفيها (الاعتداء على رجل الأمن، وسلوك القوة القابضة).

بينما أكدت الوزارة في بيانها الأولي على رفض الاعتداء على الموظف المكلف بخدمة عامة، لكنها أردفت بأنها لن تسمح بأي تجاوز من قبل المنتسبين ضد المواطنين، في محاولة لامتصاص الانتقادات الموجهة لسلوك أفراد النجدة.

ما هي اسباب هذا السلوك؟

في هذا الصدد، قال اللواء الركن المتقاعد عماد علو أن مظاهر التعسف في استخدام القوة من قبل بعض عناصر الأجهزة الأمنية تعود بالدرجة الأساس إلى مستويات التدريب والإعداد العسكري والفني، مشيراً إلى أن هذه السلوكيات تمثل انحرافاً واضحاً عن أخلاقيات المجتمع العراقي والمعايير المهنية المفترضة لرجل الأمن.

وأوضح علو في حديث مع "طريق الشعب"، أن مثل هذه التصرفات الفردية تنعكس سلباً على صورة المؤسسة الأمنية، وتمتد آثارها إلى سمعة النظام السياسي والحكومة، ما قد يدفع بعض المواطنين إلى التعامل بريبة وعدم ثقة مع الأجهزة الأمنية، وقد يصل الأمر إلى ان يبادل  ويعامل عنصر الامن بنفس السلوك السلبي.

وبيّن أن المسؤولية لا تقع على رجل الأمن وحده، إذ هي مسؤولية مشتركة، لافتاً إلى أن بعض المواطنين يسهمون في تأزيم الموقف من خلال الاستفزاز أو الاتكاء على انتماءات عشائرية أو سياسية، الأمر الذي يضع رجل الأمن تحت ضغط إضافي أثناء أداء واجبه.

وشدد على ضرورة احترام رجل الأمن وتقدير دوره، باعتباره يؤدي مهاماً حساسة في ظروف تعتبر معقدة اساساً، مؤكداً في الوقت ذاته أن الالتزام بالأخلاق والانضباط يبقى شرطاً أساسياً للحفاظ على هيبة المؤسسة وثقة المجتمع.

وفي ما يتعلق باستخدام الكاميرات الشخصية (كاميرا الجسد)، اكد علو أهميتها في توثيق الأحداث وحماية حقوق كل الاطراف سواء رجل الأمن او المواطن، معتبراً أنها أداة حاسمة للفصل في حالات الجدل حول التجاوزات.

لكنه لفت إلى أن تطبيق هذا النظام يتطلب ايضاً تخصيصات مالية كبيرة، وبُنى تنظيمية لصيانة الأجهزة وتحليل محتواها، فضلاً عن كوادر متخصصة، إلى جانب الحاجة لتشريعات قانونية تنظم استخدام هذه الكاميرات، خاصة فيما يتعلق بالخصوصية.

وختم بالقول إن اعتماد هذه التقنيات يجب أن يُدرس بعناية من حيث الجدوى والإمكانات، مؤكداً أنها مفيدة، لكنها ليست مجرد أجهزة بسيطة يمكن تعميمها دون استعداد مؤسسي متكامل.

وجهان لضعف الدولة والقانون

من جهته، اعتبر الخبير الأمني كاظم الجحيشي أن حالات التجاوز على القانون، سواء من قبل المواطنين أو من قبل بعض عناصر الأجهزة الأمنية، تمثل وجهين لظاهرة واحدة تعود في جذورها الى ضعف الدولة ومؤسساتها، مشيراً إلى أن الخلل يبدأ من تراجع هيبة القانون وآليات تطبيقه.

وقال الجحيشي لـ"طريق الشعب"، أن القانون يمنح رجل الأمن أدوات واضحة لفرض النظام دون الحاجة إلى الاحتكاك أو التصعيد، لافتاً إلى أنه يمتلك صلاحيات كافية لفرض الغرامة وفق السياقات القانونية دون اللجوء إلى الشد والجذب أو استخدام القوة.

وفي المقابل، شدد على أن المواطن يتحمل جزءاً من المسؤولية، إذ يفترض أن يتحلى بالوعي القانوني واحترام رجل الأمن، الذي يؤدي واجبه في تنظيم الحياة العامة وخدمة المجتمع، منتقداً في الوقت ذاته سلوك بعض الأفراد الذين يتعاملون باستعلاء أو يستندون إلى نفوذ سياسي في محاولة لتجاوز القانون خصوصاً من قبل ابناء المسؤولين او النافذين.

وأشار الجحيشي إلى أن ما يتم تداوله عبر وسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من مشاهد اعتداء أو استخدام مفرط للقوة، يمثل خرقاً واضحاً لا لبس فيه لعمل وزارة الداخلية ويسيء إلى جهودها، مؤكداً أن مثل هذه الحالات لا يمكن تبريرها، خاصة عندما يكون المتهم تحت سيطرة الأجهزة الأمنية ولا يشكل خطراً ولم يبدي مقاومة للاعتقال.

وبيّن أن التعامل المهني يقتضي استخدام الإجراءات القانونية السليمة، مثل تقييد المتهم وفق الضوابط واقتياده بكرامة واحترام دون عنف، والتعامل معه وفق مبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، مشدداً على أن القانون لا يجيز الإساءة أو الاعتداء على المواطنين حتى في حال الجدل أو الاستفزاز.

وختم الجحيشي بالتأكيد على أن جوهر المشكلة يكمن في ضعف الوعي القانوني لدى الطرفين، فضلاً عن الخلل في الثقافة الأمنية، معتبراً أن معالجة هذه الظاهرة تستدعي تعزيز هيبة القانون، ورفع مستوى التدريب، ونشر الوعي المجتمعي، بعيداً عن أي اعتبارات نفوذ أو استثناءات.