قال الرفيق رائد فهمي، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، إن ما يشهده العراق اليوم ليس مجرد أزمة في اختيار رئيس لمجلس الوزراء، بل هو أزمة عميقة تضرب بنية النظام السياسي برمّته، في ظل عجز واضح للقوى الحاكمة عن إيجاد حلول حقيقية، و حتى إعادة إنتاج نفسها، محذراً من أن استمرار حالة الانسداد السياسي سيدفع البلاد نحو مزيد من التدهور على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وأكد أن التوافقات الحالية تفضي بطبيعتها إلى حكومات ضعيفة تفتقر إلى قاعدة سياسية واجتماعية قادرة على مواجهة التحديات، فيما تتفاقم الأزمات الداخلية وتتراجع قدرة الدولة على إدارة الملفات الحيوية، مشددا على أن المخرج يكمن في تشكيل حكومة وطنية انتقالية، تمتلك صلاحيات محددة، تعمل على تهيئة الظروف لإجراء انتخابات مبكرة، عبر إعداد بيئة قانونية عادلة، تشمل إصلاح القوانين الانتخابية، وتطبيق قانون الأحزاب، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً لإرادة العراقيين، بعيداً عن نهج المحاصصة الذي أوصل البلاد إلى هذا الواقع.
وقد أجرت وكالة رووداو الإعلامية حواراً مع الرفيق فهمي، تحدث فيه عن "تصورات الحزب بخصوص ازمة الانسداد السياسية ودعوته الى تشكيل حكومة وطنية مؤقتة تمهد لانتخابات مبكرة".
أبرز مشاكل البلاد
وأشار الرفيق رائد فهمي إلى أن "قوة رئيس الوزراء المقبل ستكون محدودة بسبب طريقة وآلية ترشيحه، حيث إنه سيكون إما مرشح تسوية أو لصالح طرف دون آخر داخل الإطار، فيما يواجه البلد مشاكل كبيرة، وأخطرها المتمثلة حالياً بهشاشة النظام السياسي وضعف الحكومة المقبلة، إضافة إلى المهمات التي سترافق عملها، ومنها معضلة توزيع المناصب"، مبيناً أن "الحلول المقترحة لاختيار المرشح تعيدنا إلى السياق نفسه الذي قامت عليه الحكومات السابقة، والذي أفرز الوضع الراهن". وذكر فهمي أن "الحكومة المقبلة ستكون قاعدتها السياسية والاجتماعية ضعيفة، ولن تستطيع مواجهة التحديات الأمنية وحصر السلاح بيدها، إضافة إلى الأزمات الأخرى، ومنها بناء الدولة والاقتصاد وتحديات السيادة الوطنية والعلاقات الخارجية".
وبيّن أن الحكومة المقبلة ستواجه "علاقة متوترة مع دول الخليج، كما أن العلاقة متوترة مع الولايات المتحدة، وهذا يعني أن ما جرى بناؤه خلال السنوات الأخيرة، عبر تحسين علاقة العراق مع بيئته الإقليمية والدولية، قد تهدّم إلى حد كبير".
وتابع بالقول: "نحن في محطة ينبغي أن تراجع فيها الأمور جيداً، مع أننا لا نعول على المنظومة الحاكمة، لكن يجب أن يعي الجميع بأن هذه الأمور لا ينبغي أن تستمر، كما أن التغيير لن يأتي دفعة واحدة".
إمكانية إيجاد مصادر أخرى
واشار سكرتير الحزب في حديثه إلى أن "الأزمات كثيرة وفي مقدمتها الاقتصادية، لذلك فإن الحكومة لا تضمن إعادة مستوى إنتاج النفط وتصديره بالمعدلات السابقة، مع الإشارة إلى أن دور البلد في التنمية قد انتهى، باعتبار أن الرواتب والمصاريف التشغيلية تمتص كل الوارد النفطي".
وتابع الرفيق فهمي حديثه متسائلاً: "ماذا تبقى للاستثمار والموازنة الاستثمارية؟"، موضحاً أن "الإجراءات المتبعة حالياً تتم عبر استثمار القروض الداخلية، وفسح المجال أمام عقود وامتيازات تغيب عنها الشفافية، خاصة في قطاع البناء، إذ مُنحت الأراضي بمبالغ شبه مجانية لأشخاص محددين، مقابل ارتفاع في أسعار العقارات، لذلك نحن أمام تحديات بنيوية اقتصادية توجب علينا إيجاد مصادر أخرى سريعة، ومنها الاستعانة بالثروة التعدينية مثل الكبريت والفوسفات والسليكون، مع الإشارة إلى أن هذه الثروات تدر موارد كبيرة، لكنها معطلة ولا يعرف سبب لذلك".
رأي الحزب في مخرج تشكيل الحكومة
وعن رأي الحزب الشيوعي العراقي في إيجاد مخرج لأزمة تشكيل الحكومة، أفاد الرفيق فهمي بأن الحزب طرح فكرة "تشكيل حكومة وطنية انتقالية، ونذهب بعدها إلى انتخابات مبكرة، على ان يسبق ذلك إعداد جيد للقوانين التي تحتاجها الانتخابات، ومنها تشريع قانون انتخاب جديد، وتطبيق قانون الأحزاب، وتوفير بيئة قانونية مناسبة، مع جملة من القرارات التي تضع البلد على سكة معالجة جراحه".
وقال إن "القوى المتنفذة الحاكمة لم ولن تفسح المجال لبقية القوى السياسية في المشاركة بإنقاذ العراق، وغدت عملية تشكيل الحكومة كأنها حكرٌ على مكون واحد"، متسائلاً: "هل من المعقول أن 12 شخصاً من قادة الإطار التنسيقي يقررون مصير 46 مليون عراقي الآن، وفي ظل هذه الظروف والاستعصاءات الراهنة؟"، مضيفاً: "هل الشعب يعرف على ماذا هم مختلفون، ما عدا توزيع السلطات والصلاحيات وتوزيع المغانم؟ فهذه كلها لا تعني أي مكسب لمن يدعون تمثيلهم، بل تعني مغانم ومكاسب للإطار. فهل هناك قضايا طُرحت تهم الشعب وتسبب هذا الخلاف؟ هل هناك مثلاً وجهات نظر مختلفة في كيفية التعامل مع الأزمة الاقتصادية؟ هل هناك خلاف في الآراء حول كيفية التعامل مع القضايا الخارجية مثل أميركا وغيرها؟ هل هناك رؤى متباينة حول تعزيز بناء الدولة والمشاكل؟"، الاجابة: "بالتأكيد لا".
قوى المحاصصة تغيّب الشعب
ورداً على سؤال يتعلق بالكيفية التي ينبغي التعامل معها من قبل الحكومتين الحالية والمقبلة، والتي تخص مطالب الإدارة الأمريكية وإنذاراتها المختلفة لقادة بعض الفصائل المسلحة، بيّن الرفيق فهمي أن "الشعب العراقي مغيّب تماماً عن كل هذه القضايا الكبرى التي تتعلق بحياته، فيما الأطراف التي تشكل الحكومة ليس لديها أي رأي واضح في ذلك، وربما ليس لديها أية تصورات حول هذه المواضيع".
ومضى بالحديث: "هم الآن منكفئون ويفكرون بكيفية الخروج من هذه الأزمات، وأولها الانسداد السياسي، وهم ليسوا في وارد التفكير بمشاكل البلد والشعب، بل إن أسئلتهم ومشاكلهم تخص مصالحهم"، لافتاً إلى أن تغييب الشعب يأتي بسبب عدم سماع صوته، وبالتالي لا ينبغي على الشعب أن يسمح لهذه الأطراف بالتمادي أكثر في صراعاتها الداخلية، أو السكوت عن مشاكل الناس التي يجب أن ترفع صوتها بالاحتجاج والتظاهر.
أين الدولة من هذه الأوضاع؟
وشدد فهمي على أن "العراق يمر بمرحلة خطرة لا تشبه خطورة تشكيل الحكومات السابقة، إذ إن الحكومة الجديدة مطالبة بأن تتشكل في ظل واقع صعب جداً، مع ظرف إقليمي متغير، وفي ظل غياب الدولة العراقية".
واستدرك بالقول: "ليست هناك دولة عراقية ذات قرار موحد، فإذا أردنا الحديث عن موقف البلد من الحرب، فإن إقليم كردستان ومعه قوى سياسية مختلفة لديها موقف من الحرب، وهو غير موقف الحكومة، كما أن هناك موقفاً آخر لبعض أجنحة الإطار التنسيقي، كما أن الحكومة الاتحادية نفسها ليس لديها موقف حازم في غالبية الأمور، فضلاً عن وجود موقف مختلف آخر من قبل الأحزاب المحسوبة على المكون السني، إذن ليس هناك موقف متفق عليه، رغم أن جميع هذه الأطراف منضوية في تحالف إدارة الدولة، وبالتالي كيف لهذه الدولة أن تتفق على أهم قضية توحد الشعب حولها، أعني الحرب؟". وتابع سكرتير الحزب الشيوعي العراقي حديثه قائلاً: "تم قصف الكويت ودول خليجية أخرى بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق كما اعلن، ورداً على شكوى الحكومة الكويتية، قرر العراق تشكيل لجنة تحقيقية لمعرفة الفاعل، فهل من المعقول أن الحكومة لا تعرف من قصف الكويت؟! يحدث هذا لأنها محكومة بمعادلات تحدّ من قدرتها، إذن الدولة ليس لديها قرار! ومن جملة ذلك، يصف أحد أعضاء البرلمان ما يحدث بأن العراق في حالة حرب، فهل نحن في حالة حرب فعلاً؟"، وأمام هذه التعقيدات، أشار فهمي إلى أن الحكومة تبقى تستنكر وتدين، بينما تكمن مسؤوليتها في أن تمنع القصف وتحمي البلد مما نسميه بهشاشة الوضع.
كل العراقيين متضررون من الحرب
وأكد فهمي غياب الموقف الموحد الذي يفترض أن تتبناه القوى السياسية وقوى السلطة على الأقل، إذ ينبغي أن تعمل على إيجاد موقف وطني واحد متماسك، لكن ما يحدث هو إطلاق طروحات غريبة، مثل أن الحرب تستهدف طيفاً معيناً أو مكوناً بعينه، وبالتالي أُعطي للحرب بعد طائفي، في وقت أن العراق كله مستهدف، فإذا تعطل تصدير النفط وساء الوضع الاقتصادي وارتفع سعر صرف الدينار أمام الدولار، فهل سيتأثر مكون واحد أم جميع العراقيين؟
غياب الإرادة السياسية
ونبّه فهمي إلى أن "المهلة الدستورية لتكليف مرشح رئاسة مجلس الوزراء قد انتهت، فيما يفترض أن يحترم رئيس الجمهورية الدستور ويحميه، لكنه جاء للأسف بعد نفاد المدة الدستورية، ففي هذه الحالة من يستطيع التدخل؟ فعلى سبيل المثال يمكن للمحكمة الاتحادية أن تتدخل وتتخذ قراراً وتحدد من هي الجهة التي يجب أن تشكل الحكومة، وتعطي صلاحية بتكليف كتلة أخرى، وعكس ذلك يعني اعطاء فرصة للإطار التنسيقي للتمدد في اختيار الشخص المناسب حسب وجهة نظر قادته، في حين أنه لم يستطع اختيار مرشح رئيس الوزراء خلال خمسة أشهر، فهل يستطيع أن يفعل ذلك خلال أسبوع؟".
مسيرة الأول من أيار
وختم سكرتير الحزب حديثه بالقول إن "عملية تشكيل الحكومة يجب أن لا تكون كما في المرات السابقة، وأن يُسمع جرس الإنذار"، مشيراً إلى أهمية أن يتمكن الشعب العراقي، عبر أساليبه الممكنة، من فرض إرادته، لأن القوى السياسية لا تعي حجم المخاطر، مشددا على أهمية المشاركة في مسيرات الأول من أيار ـ يوم العمال العالمي، إذ إنها لا تعبر عن حقوق العمال فقط، بل عن حقوق الشعب كاملاً بجميع شرائحه، وكل منها لديه مطالب، وبالتالي عليها الحضور والإعلان عن مطالبها.
وخلص الى القول: "لا شيء يؤثر في الأوضاع إن لم نرفع صوتنا، فالقوة الحقيقية موجودة في المجتمع. نعم، هناك سلاح منفلت، ولكن القوة تكمن في الشعب، ليقول قولته، كي تتحول إلى قوة سياسية مادية".