اخر الاخبار

رغم تسجيل النفط العراقي ارتفاعاً ملحوظاً في الأسواق العالمية، حيث بلغ خام البصرة المتوسط 122.47 دولاراً للبرميل، والبصرة الثقيل 120.37 دولاراً، إلا أن هذا التحسن السعري لم يترجم إلى مكاسب اقتصادية حقيقية، في ظل أزمة متفاقمة تتعلق بضعف منافذ التصدير وفشل إدارة هذا القطاع الحيوي.

خلل في البنية التحتية

المؤشرات الحالية تكشف أن العراق يواجه أزمة تتجاوز تقلبات السوق، لتصل إلى خلل بنيوي في البنية التحتية والقرار السياسي. فمع تصاعد التوترات الإقليمية وتأثر الملاحة في مضيق هرمز، يجد العراق نفسه مكشوفاً، نتيجة اعتماده شبه الكامل على منفذ تصديري واحد عبر الخليج.

وفي محاولة لمعالجة هذا الاختناق، وجّه رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، بتشكيل هيئة خاصة لمتابعة مشروع أنبوب (بصرة – حديثة)، مؤكداً أن “المشروع سيوفر مرونة كبيرة في نقل النفط الخام نحو منافذ التصدير، بما في ذلك ميناء جيهان التركي وموانئ بانياس والعقبة”، مشيراً إلى أنه يمثل “خطوة استباقية لمواجهة التحديات الإقليمية المحتملة”.

خط السعودية لا ينفع

غير أن هذه التحركات، بحسب مراقبين، تأتي متأخرة، في ظل سجل طويل من تعثر المشاريع الاستراتيجية. ويعزز هذا الطرح ما كشفه مصدر في وزارة النفط عن وجود عقبات كبيرة أمام إعادة تشغيل الأنبوب العراقي – السعودي، موضحاً أن “تمسك الجانب السعودي باستخدام الجزء الواقع ضمن أراضيه لنقل نفوطه الخاصة، إلى جانب الحاجة لإعادة تأهيل الأنبوب بعد عقود من الإهمال، يجعل عودة العمل به في المدى القريب أمراً غير مرجح”.

تحولات السوق

ولا تقتصر الأزمة على البنية التحتية، بل تمتد إلى الأسواق العالمية. فقد حذر الخبير الاقتصادي منار العبيدي من تحول استراتيجي في سوق النفط، مشيراً إلى أن “البرازيل، ولأول مرة، تجاوزت العراق كمورد رئيسي للصين”، موضحاً أن هذا التراجع يعود إلى “عوامل هيكلية وفنية منحت المنافسين أفضلية، من بينها جودة الخام وانخفاض نسبة الكبريت، فضلاً عن مرونة التصدير”.

وأضاف العبيدي أن “استمرار الأزمة قد يجعل العراق عاجزاً عن استعادة حصته السوقية إلا عبر تقديم خصومات سعرية كبيرة”، محذراً من أن هذا الخيار “سيضع الموازنة العامة تحت ضغط مالي هائل ويؤدي إلى خسائر اقتصادية فادحة”.

دراسة عدد من البدائل الخام

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة النفط، عبد الصاحب بزون الحسناوي، أن الحكومة “تدرس بشكل جاد بدائل عدة لضمان استمرار تصدير الخام عبر منافذ أكثر أماناً”، لافتاً إلى أن الخيارات تشمل “خط جيهان التركي، وخط بانياس، والنقل البري عبر الأردن، إلى جانب مشاريع استراتيجية مثل إنشاء خزانات خارج المضيق”.

حلول مؤقتة

لكن هذه البدائل، وفق خبراء، ما تزال في إطار الطرح أو التخطيط، فيما يضطر العراق حالياً للاعتماد على حلول مؤقتة مثل النقل البري بالصهاريج، وهي وسائل محدودة الكفاءة ولا تلبي احتياجات التصدير لدولة نفطية بحجم العراق.

وفي سياق متصل، كشف مرصد “إيكو عراق” عن تذبذب حاد في الإنتاج خلال الربع الأول من العام، حيث انخفض إنتاج آذار بشكل كبير مقارنة بالأشهر السابقة، داعياً إلى “تنويع مصادر تصدير النفط وعدم الاكتفاء بالنقل البحري عبر الخليج”، ومقترحاً إحياء مشروع “طريق الشام الجديد” لتعزيز مرونة التصدير وتقليل المخاطر الجيوسياسية.

المفارقة الأبرز تظهر في الأرقام المالية، إذ لم تتجاوز إيرادات النفط خلال آذار 1.9 مليار دولار، في وقت تتجاوز فيه النفقات الشهرية 8 تريليونات دينار، ما يعكس فجوة مالية متزايدة لا تتناسب مع مستويات الأسعار المرتفعة.

ويرى مختصون أن جوهر الأزمة يكمن في غياب استراتيجية متكاملة لإدارة القطاع النفطي، حيث لم تنجح الحكومات المتعاقبة في بناء منظومة تصدير متنوعة، أو تطوير بنية تحتية قادرة على امتصاص الصدمات، أو الحفاظ على الحصص السوقية في ظل المنافسة المتزايدة.

بالنهاية، يكشف واقع النفط في العراق عن أزمة مركبة: أسعار مرتفعة دون عائدات متناسبة، ومشاريع استراتيجية متعثرة، وأسواق عالمية تتغير بسرعة تفوق القدرة على التكيف. وبينما تمضي دول أخرى نحو تعزيز مرونتها التصديرية، يواجه العراق خطر التحول من لاعب رئيسي في سوق الطاقة إلى مورد محدود التأثير، بفعل اختلالات داخلية قبل أي ضغوط خارجية.