اخر الاخبار

تمرّ علينا في (15) من نيسان الجاري الذكرى (67) ليوم الفلاح العراقي، يوم تأسيس الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية التعاونية، وهو يوم يستحضر تاريخًا طويلاً من العمل في الريف والإنتاج الزراعي، والدور الذي أدّاه الفلاح في دعم الاقتصاد الوطني وترسيخ الاستقرار الاجتماعي. كما ارتبط هذا اليوم بمحطات مهمة في تاريخ الزراعة، من بينها تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي رقم (30) لسنة 1958 و(117) لسنة 1970، التي أسهمت في إعادة تنظيم الملكية الزراعية وتعزيز دور المنتجين.

وعلى الرغم من هذه المسيرة، يلاحظ خلال السنوات التي تلت عام 2003 تراجع واضح في فاعلية المؤسسات الزراعية بشكل عام، ومنها الاتحاد العام للجمعيات، نتيجة التداخلات السياسية والإدارية، وما رافقها من مظاهر فساد وضعف في الإدارة، الأمر الذي انعكس سلبًا على واقع الفلاحين وعلى مستوى الإنتاج الزراعي.

وفي ظل هذه الظروف، شهد القطاع الزراعي في العراق تراجعًا ملحوظًا، ما جعل الأمن الغذائي للمواطن عرضة للتحديات، خصوصًا مع محدودية الدعم الحكومي. إذ لم تتجاوز موازنة وزارتي الزراعة والموارد المائية نسبة ( 1 في المائة) خلال السنوات العشرين الماضية، في وقت أصبح فيه دعم الفلاحين، سواء من حيث المدخلات أو التسويق، شبه محدود.

كما أن قرار تخفيض أسعار استلام محصول الحنطة للموسم الحالي بنسبة تتجاوز (20 في المائة) سيكون له تأثير مباشر على دخل الفلاحين والمزارعين، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج من بذور وأسمدة ومبيدات. يضاف إلى ذلك فتح الاستيراد بشكل واسع أمام المنتجات الزراعية من دول الجوار، ما أدى إلى منافسة غير متكافئة مع المنتج المحلي.

ويواجه قطاع الثروة الحيوانية تحديات إضافية، منها ضعف الدعم الحكومي، وعدم توفر الأعلاف والأدوية واللقاحات بشكل كافٍ، فضلاً عن مشكلات تتعلق بإدارة المراعي، ما دفع بعض المربين إلى تقليص نشاطهم أو تركه.

أما التحدي الأكبر فيبقى ملف المياه، حيث انخفضت المساحات الزراعية إلى نحو (20 في المائة) من الخطط السابقة بسبب شحّ المياه في نهري دجلة والفرات، نتيجة التغيرات المناخية وتراجع الإطلاقات المائية من دول المنبع، إلى جانب قلة الأمطار. كما أسهم التوسع العمراني غير المنظم في تجريف آلاف الدونمات من البساتين، ما أدى إلى ارتفاع نسب التصحر لتتجاوز (60 في المائة).

ومع ذلك، لا يزال هناك أمل في معالجة هذا الواقع من خلال مجموعة من الإجراءات الضرورية، أبرزها:

1. تعزيز الحوكمة في المؤسسات الزراعية وتفعيل آليات العمل المؤسسي بما يضمن تمثيلًا حقيقيًا للفلاحين بعيدًا عن التأثيرات السياسية.

2. استثمار مياه الأمطار الأخيرة بشكل أمثل، والحفاظ على الخزين المائي عبر خطط مدروسة، مع التوسع في استخدام تقنيات الري الحديثة ومن مصادر رصينة وبأسعار مدعومة وإجراءات مبسطة، بالتوازي مع مواصلة الجهود لضمان حقوق العراق المائية.

3. تحسين آليات تسويق محصول الحنطة، من خلال تهيئة المخازن والسايلوات، وتوفير الكوادر الفنية والإدارية، وتقليل الروتين في إجراءات الاستلام، مع صرف مستحقات الفلاحين دون تأخير.

4. إيقاف عمليات تجريف البساتين من خلال تطبيق القوانين ومتابعة الجهات المختصة.

5. تنظيم استخدام أراضي المراعي بما يحفظ الثروة الحيوانية ويمنع الاستغلال غير المنظم.

6. دعم المتضررين من شحّة المياه، وتوفير الظروف اللازمة لعودة النازحين، خصوصًا في مناطق الأهوار التي شهدت تحسنًا نسبيًا بعد موجة الأمطار الأخيرة.

7. ضبط الاستيراد الزراعي بما يحقق التوازن في السوق، وحماية المنتج المحلي، خاصة في المحاصيل التي تحقق الاكتفاء الذاتي.

8. إعداد خطة زراعية للموسم الصيفي تراعي شحّ المياه، مع التركيز على المحاصيل قليلة الاستهلاك.

9. إعادة النظر في تسعيرة محصول الحنطة بما ينسجم مع كلفة الإنتاج ويضمن جدوى اقتصادية للفلاح.

إن النهوض بالقطاع الزراعي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية تتعلق بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، ما يتطلب رؤية واضحة، وإدارة كفوءة، ودعمًا حقيقيًا للفلاح العراقي.

وهذا ايضاً يستلزم النهوض بدور الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية، وان يضطلع بدوره بالدفاع عن حقوق ومصالح الفلاحين والمنتجين في الريف.