تواجه المبادرات الحكومية المخصصة لدعم الشباب وتمويل المشاريع الصغيرة، وفي مقدمتها مبادرة الريادة، جدلاً واسعاً بشأن مدى فاعليتها وقدرتها على إحداث أثر ملموس في معالجة أزمة البطالة المتفاقمة في العراق.
فعلى الرغم من الترويج لها بوصفها أحد الحلول التنموية الواعدة، إلا أن الواقع يشير إلى محدودية نتائجها وضعف انعكاساتها على أرض الواقع، سواء من حيث عدد فرص العمل المستحدثة أو حجم المشاريع المستدامة التي تم تمويلها.
وتبرز انتقادات متزايدة لهذه المبادرات تتعلق بضعف التخطيط، والبيروقراطية الإجرائية، وغياب التخصيص القطاعي في التمويل، فضلاً عن فجوة واضحة بين حجم الإقبال الكبير من الشباب وبين محدودية المستفيدين الفعليين.
كما يشير مختصون إلى أن غياب البيانات الدقيقة لتقييم الأداء يحول دون قياس حقيقي ودقيق لنجاعة هذه البرامج، ويجعل أثرها التنموي محل شك وتساؤل، في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة واعتماد شريحة واسعة من الشباب على فرص عمل غير مستقرة أو غير منتجة
ارقام ومعطيات
وتشير البيانات الرسمية إلى أن حجم التمويل الموجّه ضمن مبادرة “الريادة والتميز” بلغ مستويات متصاعدة خلال الفترة الأخيرة، إذ أعلن مصرف الرافدين أن إجمالي القروض الممنوحة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وصل إلى نحو 77 مليار دينار عراقي حتى نيسان الجاري، فيما تجاوز عدد المشاريع الممولة أكثر من 6164 مشروعا منذ انطلاق المبادرة، مع دفعات جديدة تُطلق بشكل دوري بتمويل يقارب مليار دينار لكل دفعة لعدد محدود من المستفيدين في كل مرة.
تخفيف محدود للضغط الاجتماعي
وفي المقابل، تُظهر التقديرات الحكومية والدولية أن معدل البطالة في العراق لا يزال يدور حول 15% إلى 17% على المستوى الوطني، مع ارتفاعه في بعض المحافظات إلى مستويات قد تتجاوز 30%، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين حجم التمويل المخصص للمبادرات وسعة المشكلة الفعلية في سوق العمل.
وعند المقارنة بين الرقمين، يتضح أن إجمالي ما تم ضخه ضمن مبادرة الريادة، رغم أهميته، لا يزال محدود الأثر، إذا ما قورن بحجم القوة العاملة الداخلة سنوياً إلى سوق العمل، والتي تحتاج إلى مئات آلاف الفرص الوظيفية سنوياً لتقليص معدلات البطالة بشكل ملموس.
إذ تشير المعطيات إلى أن آلاف المشاريع الممولة، حتى لو نجحت جميعها، تبقى غير قادرة على إحداث تغيير هيكلي في سوق العمل أو امتصاص نسب البطالة المرتفعة.
كما يلاحظ مختصون أن طبيعة التمويل الموجه غالباً ما تذهب إلى مشاريع صغيرة ومتفرقة، لا ترتبط دائماً بقطاعات إنتاجية استراتيجية قادرة على خلق قيمة أو تشغيل واسع النطاق، ما يجعل الأثر الكلي للمبادرة أقرب إلى “تخفيف محدود للضغط الاجتماعي” منه إلى كونه حلاً اقتصادياً جذرياً.
وبينما تُقدَّم هذه المبادرات بوصفها أحد مسارات دعم الشباب وتمكينهم اقتصادياً، إلا أن الفجوة بين حجم التمويل المعلن، ومحدودية المستفيدين الفعليين، واستمرار ارتفاع معدلات البطالة، تطرح تساؤلات جدية حول مدى نجاعة هذه السياسات في معالجة جذور الأزمة، وليس فقط التعامل مع مظاهرها.
مبادرات عقيمة
في هذا الشأن، أكد الخبير الاقتصادي نبيل التميمي أن المبادرات الحكومية الخاصة بتمويل المشاريع في العراق، وعلى اختلاف الجهات التي تطلقها، تواجه إشكاليات متكررة تجعل نتائجها محدودة وغير فاعلة بالشكل المطلوب، مشيراً إلى أن غياب التخطيط الدقيق وضعف أدوات القياس يحدّان من قدرتها على تحقيق أهدافها التنموية.
وقال التميمي إن هذه المبادرات، التي تستهدف في الغالب فئة الشباب، تعاني من ثغرات أساسية أبرزها ضعف الخبرة لدى المستفيدين وغياب الضمانات الكفيلة بإنجاح المشاريع، إلى جانب التخفيف المفرط من شروط الكفالة المالية، الأمر الذي يؤدي – بحسب تعبيره – الى دخول غير مدروس في مشاريع غير مستقرة.
واكد التميمي في حديث مع "طريق الشعب"، أن الإشكالية لا تقتصر على مبادرة بعينها، سواء تلك التي يطلقها البنك المركزي أو وزارة العمل أو غيرها، بل هي نمط متكرر يشهد اختلالات مشابهة، لافتاً إلى وجود مؤشرات على حالات فساد أو استغلال داخل بعض البرامج، ما ينعكس سلباً على جدوى هذه المشاريع.
وأوضح أن قياس نجاح هذه المبادرات يجب أن يعتمد على البيانات والإحصاءات الدقيقة، وليس على التقديرات العامة أو الانطباعات، مؤكداً أن غياب الأرقام الواضحة يحول دون تقييم حقيقي لمدى تحقيق الأهداف المعلنة، سواء على مستوى التشغيل أو الإنتاج.
وفي سياق المقارنة، ذكر أن حجم بعض المبادرات المالية، ومنها ما يُقدّر بمبالغ مليارية، يبقى محدود الأثر إذا لم يُوجَّه بشكل دقيق، إذ قد لا يسهم إلا في تشغيل أعداد محدودة من الأفراد دون تأثير واسع على معدلات البطالة.
وبيّن أن بعض هذه المشاريع ينتهي بها المطاف إلى أنشطة استهلاكية أو خدماتية بسيطة مثل النقل، بدل أن تكون مشاريع إنتاجية تسهم في تحقيق قيمة مضافة أو تقليل الاستيراد، وهو ما يضعف أثرها الاقتصادي الحقيقي.
وخلص الى القول إن إعادة تصميم هذه المبادرات يجب أن تقوم على مبدأ توجيه التمويل نحو مشاريع محددة ذات أهداف وطنية واضحة، مع دور مباشر للدولة في اختيار القطاعات ذات الأولوية، وضمان تنفيذها عبر القطاع الخاص بما يحقق أثراً تنموياً فعلياً ومستداماً.
تمويل لا يوازي حجم الأزمة
من جانبه، أكد المختص في الشأن الاقتصادي مصطفى الفرج أن المبادرات الحكومية الخاصة بدعم الشباب وتمويل المشاريع في العراق ما تزال محدودة الأثر ولا ترتقي الى مستوى حجم أزمة البطالة المتفاقمة في البلاد، مشيراً إلى وجود تحديات بنيوية وإجرائية تعيق تحقيق أهدافها التنموية.
وقال الفرح في حديث لـ"طريق الشعب"، إن معدلات البطالة في العراق لا تزال مرتفعة، إذ تصل في بعض المحافظات إلى نحو 30%، ما يجعل المبادرات الحالية تبدو وكأنها غير ناجعة لمعالجة المشكلة، سواء من حيث التمويل أو عدد المستفيدين أو نوعية المشاريع المدعومة.
وأضاف أن هذه المبادرات، رغم كونها تُدار عبر منصات إلكترونية، إلا أنها لا تزال تعاني من بيروقراطية واضحة في مراحل التقديم والاختيار، حيث يشهد فتح باب التقديم إقبالاً واسعاً من المواطنين، في مقابل قبول أعداد محدودة جداً فقط، وهو ما يخلق فجوة بين حجم الطلب والنتائج الفعلية.
وأشار إلى أن جزءاً من الإشكال يعود إلى ما وصفه بـ“ضعف ثقافة المشاريع” لدى بعض المتقدمين، نتيجة عدم الاعتياد على برامج التمويل الحكومي، فضلاً عن وجود شروط يعتبرها “تعجيزية” في بعض الحالات، سواء فيما يتعلق بمتطلبات دراسة الجدوى أو آليات تقديم الطلبات.
وبيّن الفرج أن هناك أيضاً جوانب فنية وتنظيمية بحاجة إلى تطوير، أبرزها تبسيط إجراءات التقديم، وإتاحة مساحات أوسع للمتقدمين لعرض مشاريعهم بشكل واضح وسلس، بما يضمن تقييمها بصورة أكثر دقة وشفافية.
وفي ما يتعلق بالأثر الفعلي، أوضح أن حجم التمويل المرصود للمبادرات محدود مقارنة بحجم التحدي الاقتصادي، الأمر الذي ينعكس على محدودية النتائج وعدم ظهور أثر ملموس في خفض معدلات البطالة أو خلق فرص عمل مستدامة.
المشكلة في البيروقراطية
وخلص الفرج الى أن المشكلة الأساسية تكمن في البيروقراطية، التي وصفها بأنها عامل معطّل لأي مبادرة تنموية، داعياً إلى إعادة تصميم هذه البرامج بشكل أكثر فاعلية ومرونة، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وتحقيق أثر اقتصادي حقيقي على أرض الواقع.
وفي سياق المقارنة مع تجارب اخرى، أشار إلى أن العديد من الدول، لا سيما في الخليج، تعتمد نماذج أكثر تخصصاً في دعم المشاريع، حيث تُقسم المبادرات بحسب القطاعات مثل التكنولوجيا، والصناعة، والذكاء الاصطناعي، والزراعة بدلاً من فتحها بشكل عام وشامل.
ودعا الفرج الى ضرورة تبني نهج أكثر تخصصاً في العراق، من خلال توجيه المبادرات نحو قطاعات إنتاجية واضحة، وزيادة حجم التمويل المخصص لها، بما ينسجم مع حجم البطالة المرتفعة والفقر وامتلاك البلاد لطاقات شبابية وعقول قادرة على الابتكار، لكنها بحاجة الى دعم مؤسسي فعّال.