اخر الاخبار

تتحدث الدوائر الحكومية عن إنجاز عدد من المشاريع الخدمية في المحافظات، تشمل إنشاء مستشفيات ومدارس، إلى جانب مشاريع تبليط الشوارع وتنفيذ المجاري وتحسين الخدمات الأخرى. إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى صورة مختلفة، حيث يشكو المواطنون من تأخر هذه الخدمات أو توقفها تماماً، بسبب سوء إدارة وفساد مالي يطال هذه المشاريع ويحد من فعاليتها.

ويعكس هذا التباين بين ما يعلن رسميا وما يعايشه المواطن اليومي فجوة كبيرة في تنفيذ المشاريع الخدمية، ما يثير التساؤلات حول مدى كفاءة الإدارة الحكومية وقدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين. ويظهر تأثير ذلك جلياً في البنى التحتية المتدهورة، وتعطل الخدمات الأساسية مثل الطرق والمياه والمجاري، ما يزيد من شعور السكان بالإحباط وفقدان الثقة بالجهات المسؤولة.

نقص السيولة يحجب المشاريع التنموية

يقول نبيل الصفار، المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان، إن "العديد من المشاريع الحكومية شهدت تباطؤاً في السنوات السابقة نتيجة الظروف التي مر بها البلد، إضافة إلى عدم إقرار الموازنات وتخصيص الأموال الكافية، علاوة على إحالة بعض هذه المشاريع إلى شركات غير رصينة، كل ذلك أدى إلى تأخر إنجاز عدد كبير من المشاريع".

ويضيف الصفار في حديث خص به "طريق الشعب"، أن "الوزارة حرصت على إدراج معظم هذه المشاريع ضمن المنهاج الوزاري، وخاصة المشاريع المتعلقة بخدمات البنى التحتية، وقد وصلت بعضها إلى نسب إنجاز متقدمة، حيث تمت إعادة جدولتها واستئناف العمل بها. وبلغت نسبة الإنجاز في المشاريع المدرجة ضمن البرنامج الحكومي ما يقارب 87 في المائة، بينما يستمر العمل في المشاريع المتبقية التي تتعلق بخدمات الماء والطرق والمجاري والسكن والبلديات والتخطيط العمراني".

ويشير الصفار إلى أن "الوزارة تتابع أيضاً نحو 200 مشروع آخر في مختلف القطاعات، سبق وأن أُدرجت كمكونات ضمن المشاريع الحكومية، ويجري العمل عليها حالياً لضمان استمراريتها وتحقيق أهدافها التنموية".

ولفت إلى أن "أبرز التحديات التي تواجه الوزارة تتمثل في التخصيصات المالية المحدودة التي يواجهها البلد، الأمر الذي يعيق إطلاق مشاريع تنموية جديدة، ويستلزم وضع حلول فعالة لضمان استدامة المشاريع القائمة وتفادي توقفها مستقبلاً".

وأكد الصفار أن "الاستراتيجية المتبعة في حال تباطؤ أي مشروع تشمل استدعاء الشركات أو المقاولين لمعرفة أسباب التأخير ومحاولة إزالة العقبات التي تعيق سير العمل، وفي حال استمرار التلكؤ يتم توجيه إنذار أول، ثم إنذار ثانٍ، وإذا لم يطرأ أي تقدم يتم سحب المشروع وإحالته إلى جهة أخرى قادرة على إنجازه".

الحكومة الحالية تكبل الدولة بديون ثقيلة

يقول عضو لجنة الخدمات النيابية سابقا، باقر كاظم الساعدي، إن ملف المشاريع الحكومية يعاني من إخفاقات كبيرة، مشيراً إلى أن نحو 70 في المادة من المشاريع متوقفة في مختلف المحافظات، وبينها مشاريع حيوية تتعلق بالبنية التحتية كالماء والمجاري والطرق.

ويضيف الساعدي في تصريح اطلعت عليه "طريق الشعب"، أن "الحكومة الحالية تراكمت عليها ديون كبيرة دون وجود آلية واضحة للسداد، ما يعكس حالة من التخبط وعدم القدرة على إدارة الموارد بالشكل الأمثل"، مبيناً إلى أن "هذه الديون تثقل كاهل الدولة وتعيق التزاماتها تجاه القطاعات الخدمية".

ويوضح ان "عدداً من المشاريع الاستثمارية أُحيل إلى شركات غير رصينة تفتقر للخبرة والكفاءة، وهو ما أدى إلى توقف الكثير منها في مراحل مبكرة، فضلاً عن عقود أبرمت بطرق غير مدروسة أضاعت فرصاً مهمة للنهوض بالواقع الخدمي". 

تداخل الصلاحيات

من جانبه، يعلق ستار سجاد، مراقب الشأن المحلي، قائلاً إن مشكلة توقف المشاريع في المحافظات، ومنها ذي قار، لا يمكن فصلها عن واقع الفساد الإداري والمالي الذي ينعكس بشكل مباشر على قطاع الخدمات، موضحاً أن "ضعف التخطيط وغياب الرقابة الفاعلة ساهما في تعثر العديد من المشاريع، رغم إدراجها ضمن خطط حكومية يفترض أن تلبي احتياجات المواطنين".

ويقول سجاد لـ "طريق الشعب"، إن "الخلل لا يقتصر على مرحلة التنفيذ، بل يبدأ منذ إحالة المشاريع، حيث تمنح بعض العقود لشركات غير مؤهلة أو تفتقر إلى الخبرة الكافية، ما يؤدي لاحقاً إلى التلكؤ أو التوقف الكامل"، مضيفاً أن "تأخر صرف المستحقات المالية للمقاولين بسبب الروتين أو سوء إدارة الأموال يدفع الكثير منهم إلى تعليق العمل، ما يفاقم من حجم المشاريع المتوقفة".

ويشير إلى أن "تداخل الصلاحيات بين الجهات الحكومية، وكثرة الإجراءات الإدارية، يؤديان إلى إبطاء العمل الميداني، فضلاً عن غياب المتابعة الحقيقية من قبل الجهات المعنية"، مؤكداً أن "بعض المشاريع تبقى لسنوات دون إنجاز، رغم صرف أجزاء من موازناتها، ما يطرح تساؤلات حول كفاءة إدارة هذه الأموال".

ويضيف أن "انعكاسات هذا الواقع لا تتوقف عند حدود المشروع نفسه، بل تمتد إلى حياة المواطنين اليومية، من خلال تردي البنى التحتية، وتعطل الخدمات الأساسية مثل الطرق والمجاري والمياه"، لافتاً إلى أن "تراكم هذه المشكلات يعزز شعور المواطنين بعدم جدية الجهات المسؤولة في معالجة المياه".

ويؤكد سجاد أن "معالجة هذه الأزمة تتطلب إصلاحات حقيقية تبدأ بتعزيز الشفافية في التعاقدات، وتفعيل الرقابة على الشركات المنفذة، وربط صرف الأموال بنسب الإنجاز الفعلية، إضافة إلى محاسبة الجهات المقصرة"، مشددا على أن "استمرار الوضع الحالي سيبقي ملف المشاريع المتوقفة أحد أبرز التحديات الخدمية التي تواجه المحافظات".

تراجع النشاط التجاري والصناعي

من جهته، يقول الباحث في الشأن الاقتصادي، عبدالله نجم، إن "توقف المشاريع الحكومية له اثر يمتد ليشمل الاقتصاد المحلي بشكل كامل، إذ يؤدي إلى تراجع النشاط التجاري والصناعي المرتبط بالبناء والإعمار، ويخلق حالة ركود جزئي في السوق، ما يقلص إيرادات الدولة ويزيد من معدلات البطالة، خصوصاً بين العمالة غير المستقرة والشركات الصغيرة".

ويضيف نجم لـ"طريق الشعب"، أن "الفساد الإداري والمالي يعد أحد أبرز الأسباب وراء تعثر المشاريع، إذ يؤدي إلى سوء تخصيص الموارد، وإحالة العقود إلى شركات غير كفوءة، فضلاً عن هدر الأموال خلال مراحل التنفيذ، ما يعكس نفسه في توقف أو تأخر إنجاز المشاريع دون تحقيق أهدافها التنموية، ويثير تساؤلات مهمة حول كيفية تخصيص الموازنات وما آلية رقابة صرف الأموال؟ ولماذا تفتقد بعض المشاريع التمويل المستدام رغم إعلان الحكومة عن خططها السنوية؟".

ويبين أن "ضعف التخطيط وسوء إدارة الموازنات يسهمان بشكل كبير في استمرار هذه الظاهرة، حيث تدرج مشاريع دون دراسة جدوى دقيقة أو دون تأمين التمويل الكافي، ما يجعلها عرضة للتوقف عند أول أزمة مالية أو إدارية، ويطرح سؤالاً آخر كيف يمكن للمواطنين الوثوق في قدرة الجهات المسؤولة على إنجاز المشاريع الاستراتيجية في ظل هذا الواقع؟".

ويؤكد نجم أن "معالجة هذه الإشكالية تتطلب تبني إصلاحات اقتصادية حقيقية، تبدأ بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتعزيز الشفافية في إدارة الأموال العامة، وربط التمويل بمراحل الإنجاز الفعلية، إلى جانب تفعيل الرقابة على تنفيذ المشاريع، بما يضمن استدامتها وتقليل نسب التلكؤ في المستقبل، ويتيح إمكانية الإجابة على التساؤلات المشروعة للمواطنين حول جدوى المشاريع وأثرها على حياتهم اليومية".