رحبت دول كثيرة بإعلان الهدنة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرة إياها خطوة إيجابية نحو خفض التصعيد في منطقة تشهد توتراً متصاعداً. وأعربت حكومات عن أملها أن تفتح هذه الهدنة الباب أمام استعادة الاستقرار، خصوصاً في ظل المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي.
وفي أعقاب إعلان وقف إطلاق النار، يترقب العراق بحذر مآلات هذا التطور، كونه أحد أكثر البلدان تأثراً بتداعيات الصراع. فعلى الرغم من أن الهدنة قد تمنح متنفساً نسبياً، إلا أن انعكاسات الحرب الأخيرة ما تزال حاضرة أمنياً واقتصادياً، ما يبرز الحاجة إلى تحصين الداخل، وتعزيز الاستقرار، وتقليل الاعتماد على الخارج لمواجهة أي تصعيد محتمل مستقبلاً.
ضرورة الالتزام بالقوانين الدولية
وشددت المواقف الدولية، بينها للاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا والسعودية وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا واليابان، على ضرورة البناء على الهدنة من خلال الدفع نحو مفاوضات جدية، مع التأكيد على أهمية الالتزام بالقانون الدولي وضمان حماية المدنيين. كما رأت أطراف أن هذه الخطوة لا تزال أولية وتتطلب جهوداً إضافية لضمان تحولها إلى وقف إطلاق نار دائم وشامل.
في المقابل، عكست بعض التصريحات حذراً واضحاً حيال نطاق الهدنة وحدودها، لا سيما في ما يتعلق بشمولها مناطق أخرى في الإقليم مثل لبنان، ما يشير إلى استمرار التباينات حول تفاصيل الاتفاق، وإمكانية استدامته في المدى القريب.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون إن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران "جيد جدا" ويجب أن يشمل لبنان "بالكامل".
وقال في مستهل اجتماع لمجلس الدفاع "ننتظر، في الأيام والأسابيع المقبلة، احتراما تاما لوقف إطلاق النار في كل أنحاء المنطقة، وأن يفضي عقد مفاوضات الى تسوية دائمة للقضايا النووية والبالستية والإقليمية المرتبطة بإيران، وهو ما دأبت فرنسا على الدعوة إليه منذ 2018".
المفاوضات تبدأ غداً
وتبدأ غدا الجمعة الجولة الأولى من المحادثات بين إيران والولايات المتحدة في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، على أن تستمر لأسبوعين، في مسعى للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بين الطرفين، وذلك بموجب الهدنة التي توصلا إليها بوساطة باكستانية وأوقفت مؤقتاً الحرب الأمريكية الإسرائيلية على ايران والمستمرة منذ 28 شباط.
ونقلت وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية عن المجلس الأعلى للأمن القومي القول إنّ المفاوضات مع الولايات المتحدة ستبدأ يوم الجمعة 10 نيسان في إسلام أباد، بعد أن قدّمت طهران مقترحاً من 10 نقاط إلى واشنطن عبر باكستان، مضيفاً أن المحادثات لا تعني نهاية الحرب.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فجر الأربعاء، التوصل إلى اتفاق مع إيران قبيل انتهاء المهلة التي حددها لطهران، وذكر أنه وافق على وقف الهجوم على إيران لمدة أسبوعين، بناء على المحادثات التي أجراها مع الجانب الباكستاني، وبشرط موافقة إيران على فتح مضيق هرمز بشكل كلي وفوري وآمن.
مخاوف من عودة التصعيد
من جهته، يرى الخبير الأمني سيف رعد أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن وقف اطلاق النار لا يعدو كونه هدنة مؤقتة تمتد لأسبوعين، في حين أن الحرب ما تزال مستمرة فعلياً على الأرض.
ويقول رعد أن هذه الهدنة، في تقديره، تمثل “تكتيكاً لكسب الوقت” استعداداً لجولة جديدة من القتال، في ظل المعطيات الميدانية التي شهدت تصعيداً ملحوظاً خلال الأيام الأخيرة.
ويضيف رعد أن الأسبوع الأخير من العمليات شهد خسائر كبيرة داخل اسرائيل، لا سيما مع تسجيل نقص واضح في منظومة الصواريخ الاعتراضية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على فعالية الدفاعات الجوية، حيث سقطت صواريخ على أهداف حيوية بشكل مباشر نتيجة هذا النقص.
ويشير إلى أن هذا الأمر يؤكد أهمية استدامة سلاسل الإمداد العسكري، سواء في ما يتعلق بالصواريخ الاعتراضية أو الذخائر، بوصفها عنصرًا حاسمًا في ديمومة أي حرب.
ويبيّن أن فترة الأسبوعين تمثل فرصة لإعادة ترتيب القدرات، سواء على المستوى الدفاعي أو الهجومي، لافتاً إلى أن التصريحات الأمريكية، لا سيما ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن بقاء القوات الأمريكية في مواقعها للمراقبة، تعكس توجهاً بعدم الانسحاب في المرحلة الحالية، بل الاستمرار في إدارة الصراع عن قرب.
وفي ما يتعلق بالاتفاقات المعلنة، يوضح رعد أن هناك تباينًا في الخطاب الإيراني، إذ صدرت روايتان مختلفتان؛ الأولى خارجية تحدثت عن وقف لإطلاق النار دون الخوض في تفاصيل المفاوضات أو آليات التنفيذ، فيما جاء البيان الداخلي الصادر عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ليتحدث عن “انتصار” وإمكانية تحقيق سيطرة على مضيق هرمز، بما في ذلك فرض نوع من الجباية، معتبرًا ذلك مكسباً في حال تحقق خلال.
كما يؤكد البيان شمول وقف إطلاق النار للحلفاء والوكلاء في المنطقة، دون التطرق إلى مصير البرنامج الصاروخي أو النووي.
وفي ما يخص المكاسب الاستراتيجية، اعتبر رعد أن “الصمود” بحد ذاته يمثل أبرز ما حققته إيران حتى الآن، مشيرًا إلى أن الحكم النهائي على المكاسب مرهون بنتائج المفاوضات الجارية.
تحولات محتملة في التحالفات الإقليمية
وأضاف أنه في حال تمكنت طهران من فرض سيطرة أو نفوذ فعلي على مضيق هرمز، فإن ذلك سيشكل مكسباً استراتيجياً كبيراً.
كما أشار إلى تحولات محتملة في خارطة التحالفات الإقليمية، موضحاً أن الحرب أوجدت فجوة في الثقة بين بعض دول الخليج والولايات المتحدة، ما قد يدفع نحو إعادة رسم وتشكيل التحالفات.
وختم رعد بالقول إن استمرار الهدنة يبقى أمرًا غير مرجح في ظل تعارض المصالح، مشيرًا إلى أن المطالب الأمريكية، خصوصًا ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وتسليم مخزون اليورانيوم، تمثل خطوطاً حمراء بالنسبة لطهران، التي استثمرت لعقود طويلة في تطوير هذه القدرات، وقدمت في سبيلها كلفًا بشرية ومادية كبيرة، ما يجعل التنازل عنها أمرًا بالغ الصعوبة في المرحلة الراهنة.
وكشفت حصيلة جديدة لضحايا الحرب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية، عن أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في عدد من الدول، وذلك عقب إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وفقاً لبيانات نقلتها وكالة "رويترز".
وعندنا في العراق، أفادت السلطات الصحية بأن ما لا يقل عن 117 شخصاً لقوا حتفهم منذ اندلاع الحرب، بينهم مدنيون وعناصر من قوات الحشد الشعبي والجيش والشرطة، إضافة إلى مقاتلين من قوات البيشمركة. كما أشار مسؤولون إلى مقتل أحد أفراد طاقم أجنبي في هجوم استهدف ناقلات قرب أحد الموانئ العراقية.
وعلى صعيد بقية دول المنطقة، سجلت إيران الحصيلة الأكبر، إذ أفادت تقارير حقوقية بمقتل 3636 شخصاً، بينهم 1701 مدني و254 طفلاً على الأقل، فيما أشار الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر إلى مقتل نحو 1900 مدني وإصابة 20 ألفاً جراء الغارات.
وفي لبنان، أعلنت السلطات مقتل 1530 شخصاً منذ مطلع آذار، بينهم 129 طفلاً، إضافة إلى مقتل أكثر من 400 من مسلحي حزب الله، و10 جنود من الجيش اللبناني، فضلاً عن ثلاثة من قوات حفظ السلام الدولية.
أما في إسرائيل، فقد قُتل 23 شخصاً جراء هجمات صاروخية، إضافة إلى 11 جندياً سقطوا في المعارك جنوب لبنان.
وفي الولايات المتحدة، أعلنت القيادة المركزية مقتل 13 عسكرياً وإصابة أكثر من 300 آخرين خلال العمليات العسكرية، بينهم ستة قضوا في حادث سقوط طائرة بالعراق.
كما سُجلت خسائر بشرية في عدد من الدول الأخرى، بينها الإمارات (12 قتيلاً)، وقطر (7 قتلى)، والكويت (7 قتلى)، والضفة الغربية (4 قتلى)، وسوريا (4 قتلى)، والبحرين (قتيلان)، وسلطنة عمان (قتيلان)، والسعودية (قتيلان)، إضافة إلى مقتل جندي فرنسي وإصابة ستة آخرين في هجوم طال إقليم كردستان.