اخر الاخبار

في مشهد يعكس تعقّد المرحلة التي يمر بها العراق، تزامن إعلان رسمي عن تنسيق أمني رفيع مع الولايات المتحدة هدفه احتواء التصعيد، مع سلسلة حوادث ميدانية وضربات جوية وتحركات عسكرية، الى جانب أزمة سياسية متفاقمة تتجسد في استمرار تعثر عملية تشكيل الحكومة الجديدة، ما يكشف عن أزمة متعددة المستويات تضرب بنية الدولة ومؤسساتها.

تصعيد ميداني رغم مساعي التهدئة

وبرغم إعلان قيادة العمليات المشتركة تشكيل لجنة تنسيق عليا مع الجانب الأميركي، مهمتها منع الهجمات المسلحة على البعثات الدبلوماسية وإبقاء العراق خارج الصراع في المنطقة، إلا أن الساعات التي أعقبت هذا الإعلان شهدت سلسلة تطورات أمنية لافتة.

فقد دان رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، أمس السبت، استهداف منزل رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك، موجهاً بتشكيل فريق أمني وفني مشترك للتحقيق في الحادث وتشخيص الجناة.

وأعلنت وزارة الدفاع، أمس السبت، سقوط طائرة مسيّرة داخل حقل مجنون النفطي في قضاء الدير بمحافظة البصرة، ضمن قاطع مسؤولية الفوج الثالث في اللواء التاسع التابع لمديرية شرطة الطاقة.

وفي بغداد، أفاد مصدر أمني بسقوط طائرة مسيّرة أخرى، مساء الجمعة، في محيط مطار بغداد الدولي، وتحديداً قرب مقر الدعم اللوجستي، دون تسجيل إصابات، ما يعكس استمرار استهداف أماكن حساسة مرتبطة بالحضور الدولي.

وفي محافظة واسط، تصاعدت وتيرة الأحداث مع تعرض معسكر في منطقة الخماس لضربتين جويتين فجر السبت، في وقت لم تُعرف طبيعة الجهة المنفذة، بينما أشارت المعلومات إلى أن قوة من الحشد الشعبي فتحت النار على طيران منخفض في محيط الموقع المستهدف، في مؤشر على حالة استنفار ميداني وتداخل في مسرح العمليات.

لجنة التنسيق: محاولة لضبط الإيقاع الأمني

في المقابل، أكدت قيادة العمليات المشتركة أن تشكيل لجنة التنسيق العليا مع الولايات المتحدة يأتي في إطار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

ووفق البيان، اتفق الجانبان على تكثيف التعاون لمنع الهجمات الإرهابية، وضمان عدم استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق لأي اعتداء، سواء ضد الداخل العراقي أو ضد البعثات الدبلوماسية وقوات التحالف الدولي. كما شددا على التزامهما بإبقاء العراق خارج نطاق النزاع العسكري في المنطقة، مع احترام سيادته ودعمه في منع استخدام مجاله الجوي ومياهه الإقليمية لتهديده أو تهديد دول الجوار. إلا أن توقيت الهجمات، الذي تزامن مباشرة مع إعلان هذا التنسيق، يطرح تساؤلات حول قدرة هذه اللجنة على إحداث تأثير فعلي على الأرض، في ظل وجود أطراف مسلحة لا تخضع بالضرورة للقرار الحكومي.

تحذير قضائي: أزمة تتجاوز الأمن إلى بنية الدولة

في هذا السياق، جاء تحذير رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، ليضع الأحداث ضمن إطار أوسع، يتجاوز الجانب الأمني إلى جوهر النظام السياسي والدستوري.

زيدان حذر من “تداعيات خطيرة” لانفراد بعض الفصائل المسلحة باتخاذ قرارات الحرب والسلم، مؤكداً أن هذا السلوك يمثل خرقاً صريحاً للدستور، الذي حصر إعلان الحرب بآلية قانونية معقدة تتطلب توافقاً بين رئاستي الجمهورية والوزراء وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.

وأشار إلى أن هذا الانفراد يؤدي إلى تعدد مراكز القرار العسكري، ويخلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، وقد يجر البلاد إلى نزاعات داخلية أو إقليمية دون توافق وطني، فضلاً عن زيادة احتمالية الصدامات المسلحة نتيجة انتشار السلاح خارج إطار الدولة.

كما لفت إلى أن هذه الممارسات تقوض النظام الديمقراطي من خلال تجاوز المؤسسات المنتخبة، وتؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين بالدولة، فضلاً عن مخاطر تعرض العراق لعقوبات أو عزلة دولية بسبب قرارات لا تخضع للإطار القانوني.

الفصائل: تمديد المهلة

بالتوازي، أعلنت “كتائب حزب الله” تمديد مهلة عدم استهداف السفارة الأميركية في بغداد لمدة خمسة أيام إضافية، في خطوة تعكس استمرار نهج الضغط السياسي–الأمني عبر ما يمكن وصفه بـ”التهديد المؤجل”.

وقال المسؤول الأمني في الكتائب، أبو مجاهد العساف، إن “الدفاع عن الأرض والمقدسات لا يحتاج إلى موافقة”، مؤكداً أن المهلة تم تمديدها، مع تحذيرات من الرد على ما وصفه بالخروقات.

كما اتهم العساف كلاً من الأردن والسعودية والكويت بأنها تمثل منطلقاً للضربات الأميركية والإسرائيلية، معتبراً أن الطائرات المسيّرة التي تنتهك السيادة العراقية تنطلق من هذه الدول، في خطاب يربط الساحة العراقية مباشرة بالصراع الإقليمي.

وأضاف أن الكتائب ستتعامل مع أي خروقات وفق آلية سيتم إبلاغ الوسيط بها، مشيراً إلى أن دور “المقاومة” سيبقى حاضراً في رسم المشهد، بما في ذلك التأثير على شكل الحكومة المقبلة.

انسداد سياسي يوازي التصعيد الأمني

على الصعيد السياسي، لا يبدو المشهد أقل تعقيداً، إذ قدم 220 نائباً في مجلس النواب طلباً رسمياً لعقد جلسة يوم الاثنين المقبل لانتخاب رئيس الجمهورية، في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي المستمرة.

وأكد النواب أن استمرار فراغ المنصب يعطل الاستحقاقات الدستورية ويؤثر على انتظام عمل مؤسسات الدولة، مطالبين بإدراج فقرة انتخاب الرئيس ضمن جدول الأعمال.

من جهته، شدد رئيس مجلس النواب، هيبت الحلبوسي، على أن تأخير انتخاب رئيس الجمهورية لم يعد مقبولاً، مؤكداً أن المجلس سيتحمل مسؤوليته الدستورية ويمضي نحو حسم هذا الاستحقاق.

كما أعلن النائب الأول لرئيس مجلس النواب، عدنان الدليمي، عن مساعٍ لعقد اجتماع مهم مع قادة الكتل السياسية للتوصل إلى توافق بشأن موعد الجلسة، مشدداً على أن التحديات الراهنة تتطلب وجود حكومة كاملة الصلاحيات قادرة على التعامل مع الأزمات.

غير أن المعطيات السياسية تشير إلى انقسام واضح، حيث كشف مصدر سياسي عن ان عدد الحاضرين المحتملين للجلسة قد لا يتجاوز 137 نائباً، مقابل مقاطعة كتل يبلغ مجموعها 131 نائباً، ما يجعل انعقاد الجلسة غير ممكن دستورياً، إذ يتطلب النصاب حضور 220 نائباً وفق المادة 70 من الدستور.

تعطيل خطر

في هذا الصدد، اعتبر عضو مجلس النواب السابق وائل عبد اللطيف أن فشل انتخاب رئيس الجمهورية في المرحلة الحالية يمثل تعطيلاً خطيراً للاستحقاقات الدستورية.

وأوضح لـ"طريق الشعب"، أن "انتخاب رئيس الجمهورية يُعد القاعدة الأساسية لتكليف رئيس مجلس الوزراء، وأن أي تأخير في هذا الاستحقاق ينعكس بشكل مباشر على تشكيل الحكومة وانتظام عمل مؤسسات الدولة".

وانتقد عبد اللطيف أداء مجلس النواب، مؤكداً أنه "ينظر إلى مواقف الأحزاب أكثر من التزامه بالدستور، رغم وجود نصوص دستورية واضحة تحدد المدد القانونية لانتخاب رئيس الجمهورية، ولا ترتبط بإرادة الكتل السياسية أو توافقاتها".

وأضاف أن "الواجب كان يقتضي من رئاسة البرلمان، بعد انتهاء المدد الدستورية، فتح باب الترشح أمام جميع الراغبين وتلقي سيرهم الذاتية، ثم المضي بإجراءات الانتخاب دون انتظار توافقات الأحزاب، سواء الحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني أو غيرهما من القوى السياسية".

وأشار عبد اللطيف إلى أن "هيمنة رؤساء الكتل على قرارات النواب تمثل مصادرة واضحة لإرادة النائب والشريحة التي يمثلها"، مؤكداً أن البرلمان يجب أن "يعمل كسلطة مستقلة تستند إلى الدستور وقانون مجلس النواب ونظامه الداخلي، بعيدًا عن ضغوط القيادات الحزبية".

وعبّر عن استغرابه من "استمرار الخلافات السياسية في وقت يواجه فيه العراق تحديات أمنية خطيرة"، لافتاً الى أن "البلاد تتعرض للقصف وتسقط فيها ضحايا، في ظل غياب رئيس للجمهورية وعدم وجود حكومة كاملة الصلاحيات".

وبيّن أن "الحكومة الحالية تعمل بصفة تصريف أعمال، لكنها تتخذ إجراءات قد تتجاوز صلاحياتها، ما قد يعرّض قراراتها للطعن القانوني مستقبلًا، ويدخل البلاد في دوامة جديدة من التعقيدات".

وشدد عبد اللطيف على أن الحل "يكمن في التزام البرلمان الصارم بالدستور والقوانين النافذة، وعدم الارتهان لإرادة الأحزاب"، مؤكداً أن "العراق دولة دستور لا دولة أحزاب وأن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار".

إنهاء المحاصصة وتمكين السيادة الوطنية

من جانبه، قال الكاتب والباحث في الشأن السياسي عمر الناصر، أن ملف تشكيل الحكومات في العراق يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا منذ عام 2003 وحتى اليوم، مرجعاً ذلك إلى اختلالات بنيوية في النظام السياسي وعدم ترسيخ أسس دولة المؤسسات منذ البداية. وبين في حديثه مع "طريق الشعب"، أن "العملية السياسية لم تُبنَ على معايير رصينة تضمن استقلال القرار، ما أدى الى هذا الحال اليوم، وانعكس ذلك على هشاشة القرار السياسي وتذبذبه، فضلاً عن تأثره بالامتدادات الخارجية الدولية والإقليمية".

وأشار إلى أن العراق "خلال السنوات التي تلت 2003، لا سيما بين 2003 و2010، كان ساحةً لتقاطعات دولية، حيث سعت بعض الأطراف إلى إبقائه في حالة عدم استقرار، الأمر الذي أسهم في تنامي خطر الإرهاب وزعزعة الوضع الداخلي".

وبيّن أن "الكتل السياسية المتنفذة لا تدرك خطورة استمرار هذا النهج، خاصة في ظل المتغيرات الاقليمية الراهنة والأزمات التي يشهدها الشرق الأوسط، والتي تفرض ضرورة إعادة النظر بآليات تشكيل الحكومات والخروج من الأطر التقليدية التي أثبتت فشلها".

وشدد الناصر على أن المرحلة المقبلة "تتطلب مغادرة مبدأ المحاصصة الطائفية"، داعياً القوى السياسية إلى "تبني مواقف مسؤولة ترتكز على مصلحة الدولة، سيما وان جوهر الأزمة يكمن في ضعف القرار السيادي الداخلي".

وأضاف أن تمكين السيادة الوطنية يجب أن "يكون في صدارة أولويات المرحلة المقبلة، باعتباره المدخل الأساسي لمعالجة الأزمات"، لافتاً إلى أن "غياب السيادة الحقيقية يعني غياب الحلول الواقعية، مستدلًا باستمرار انتهاك الأجواء العراقية كمؤشر على ضعف هذا الملف". ولفت إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالظروف، بل بغياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى الفاعلين السياسيين، ما يعيق اتخاذ قرارات حاسمة تعزز من استقلالية الدولة.

واقع خطير واجواء مستباحة

وفي هذا السياق قال الخبير الأمني عدنان الكناني، أن مسؤولية حماية العراق وسيادته تفرض على الحكومة الموازنة بين علاقاتها الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن التعامل مع إيران كدولة جارة قدّمت دعماً للعراق لا يعني المجاملة على حساب السيادة الوطنية. وأوضح الكناني لـ"طريق الشعب"، أن الحكومة تحاول حالياً إمساك العصا من الوسط، عبر منع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي اعتداء، سواء ضد إيران أو ضد دول أخرى، في ظل ظروف إقليمية معقدة، تتطلب قدراً عالياً من الحكمة السياسية، رغم ما قد يترتب على ذلك من ضغوط  داخلية".

وأضاف أن هذه السياسة "قد تمثل مدخلاً لترسيخ مفهوم السيادة، إذا ما أُحسن استثمارها، وصولاً إلى قرار عراقي مستقل بعيداً عن الإملاءات الخارجية".

وأشار الكناني إلى "تصاعد مقلق في حركة الطيران داخل الأجواء العراقية رغم اعلان بيان قيادة العمليات المشتركة"، مشيراً إلى أن "هوية هذه الطائرات غير معروفة بشكل دقيق، ما يعكس حالة من الغموض والخطورة في آنٍ واحد".

وبيّن أن "القوة الجوية العراقية لا تمتلك حالياً القدرة الكافية للقيام بطلعات جوية فعالة أو فرض سيطرة كاملة على الأجواء، مقارنة بالإمكانات المتطورة لدى القوى الدولية أو الاقليمية، ما يجعل السماء العراقية مفتوحة أمام تحركات غير محددة".

ولفت إلى أن "الطائرات التي تُرصد ليست عراقية، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تصنيفها كمعادية أو صديقة بسبب غياب المعلومات الدقيقة"، مؤكداً أن هذا الواقع "يعكس ضعف منظومات الرصد والدفاع الجوي".

وأشار إلى أن العراق يفتقر إلى "منظومات رادارية متطورة قادرة على كشف الخروقات الجوية وتحديد مصادرها ومساراتها"، موضحاً أن "بعض الرادارات المتوفرة متهالكة ولا توفر بيانات كافية عن نوع الأهداف أو اتجاهاتها، ما يزيد من خطورة الوضع الأمني". وحذر الكناني من أن تحليق هذه الطائرات قد يؤدي الى "تداعيات خطيرة، من بينها احتمال سقوط صواريخ عن طريق الخطا أو طائرات داخل الأراضي العراقية، ما قد يتسبب بخسائر بشرية ومادية كبيرة، فضلًا عن نشر حالة من القلق والخوف بين المواطنين".

كما أشار إلى أن هذا الواقع "يعكس خللًا في منظومة التعاقدات الدفاعية"، متهماً جهات متورطة "بإبرام صفقات غير رصينة لم تؤمّن احتياجات العراق الفعلية". ودعا كذلك الى "فتح ملفات الفساد ومحاسبة المسؤولين عن التقصير الذي أسهم في إضعاف القدرات الدفاعية للبلاد".

وخلص الى القول أن "تجاهل هذه التحديات سيقود إلى أوضاع أكثر تعقيداً في المستقبل، مشدداً على ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لتعزيز منظومات الدفاع الجوي وحماية السيادة العراقية"

أزمة منظومة لا أزمة أحداث

عند قراءة هذه التطورات بشكل مترابط، يتضح أن العراق لا يواجه مجرد حوادث أمنية متفرقة أو أزمة سياسية عابرة، بل يعيش حالة اختلال بنيوي عميق في منظومة الحكم.

فمن جهة، هناك سلطة رسمية تعلن التزامها بالتهدئة والتنسيق الدولي، وتسعى إلى ضبط الأمن عبر الأطر المؤسسية. ومن جهة أخرى، هناك واقع ميداني تتحرك فيه قوى مسلحة بقرارات مستقلة، قادرة على فرض معادلات موازية، سواء عبر الهجمات أو عبر الخطاب السياسي.

وفي الوقت نفسه، تعاني المنظومة الحاكمة من شلل واضح، يتمثل في عدم القدرة على استكمال الاستحقاقات الدستورية الأساسية، وعلى رأسها انتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما يعكس أزمة ثقة وانقساماً عميقاً بين القوى السياسية.

هذا التداخل بين التصعيد الأمني والانسداد السياسي يكشف عن عجز واضح لدى المنظومة المتنفذة في العراق عن إدارة الأزمات الراهنة بشكل فعّال. فالمشكلة لم تعد في نقص الأدوات أو غياب المبادرات، بل في طبيعة هذه المنظومة نفسها، التي تقوم على التوازنات الهشة والمحاصصة، دون القدرة على إنتاج قرار سيادي موحد.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة لإحداث تغيير حقيقي يتجاوز الحلول الترقيعية، نحو إعادة بناء منظومة الحكم على أسس واضحة تقوم على حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز المؤسسات الدستورية، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والمسلحة. ومن دون ذلك، سيبقى العراق يدور في حلقة مفرغة، حيث تتكرر الأزمات بأشكال مختلفة، فيما تظل جذورها العميقة دون معالجة.