اخر الاخبار

تواجه الساحة العراقية في المرحلة الحالية تحديات مركبة تجمع بين الضغوط الاقتصادية الناجمة عن التوترات الإقليمية، وتصاعد الأحداث الأمنية في عدد من المناطق؛ ففي الوقت الذي تحذر فيه الحكومة من تداعيات محتملة على الإيرادات النفطية في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، تتزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة والانفجارات في بغداد وإقليم كردستان، ما يضع البلاد أمام اختبار صعب للحفاظ على الاستقرار المالي والأمني معاً.

الاقتراض الداخلي خيار مطروح

وقال المستشار المالي لرئيس الوزراء، الدكتور مظهر محمد صالح، إن الحكومة قد تلجأ إلى الاقتراض الداخلي في حال استمر إغلاق مضيق هرمز وتأثرت صادرات النفط العراقية، مبيناً أن هذا الخيار يأتي ضمن مجموعة من الأدوات المالية المتاحة لضمان استمرار دفع الرواتب والوفاء بالالتزامات المالية للدولة.

وأوضح صالح أن الأزمة الحالية قد تنعكس على الوضع المالي والاقتصادي في البلاد إذا ما تعطلت صادرات النفط عبر المضيق، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن تأثيرها لن يظهر بشكل فوري، لأن عمليات التصدير وتسعير النفط تتم بفاصل زمني.

وأضاف أن التأثيرات المحتملة قد تبدأ بالظهور بعد نحو شهرين، أي مع حلول الشهرين الخامس والسادس من العام، في حال استمرار توقف التصدير.

وبيّن المستشار المالي أن الحكومة تمتلك خيارات متعددة لمعالجة هذه الأزمة، من بينها اللجوء إلى الاقتراض الداخلي لتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين وتسديد الالتزامات الخارجية، لافتاً إلى أن العراق قد يمر بمرحلة من التقشف خلال الفترة المقبلة إذا استمرت الأزمة، وقد يطال ذلك مستويات الإنفاق المرتبطة بالأجور والرواتب التقاعدية والرعاية الاجتماعية.

وأشار صالح إلى وجود تعاون بين السلطتين النقدية والمالية في إدارة الأزمة، مؤكداً أن الاحتياطيات النقدية للعراق تعد جيدة وتمكنه من اللجوء إلى الاقتراض الداخلي دون أن يتعرض النظام المالي لاهتزازات كبيرة. وأضاف أن هذه الاحتياطيات توفر غطاءً مالياً يسمح للحكومة بالحصول على التمويل اللازم في حال استمرار الأزمة لعدة أشهر.

ورغم هذه التطمينات، فإن المخاوف لا تزال قائمة بشأن التأثيرات المحتملة لأي اضطراب طويل الأمد في صادرات النفط، خاصة وأن الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية في تمويل الموازنة العامة.

سلسلة حوادث أمنية

وفي موازاة هذه التحديات الاقتصادية، شهدت البلاد خلال اليومين الماضيين سلسلة من الحوادث الأمنية التي أثارت قلقاً واسعاً، بعد وقوع انفجارات وهجمات بطائرات مسيّرة في بغداد وعدد من المناطق الأخرى.

وكشفت مصادر أمنية عن تفاصيل انفجارين وقعا فجر أمس، أحدهما في منطقة العرصات والآخر في النهروان. وأفاد مصدر أمني بأن الانفجار الأول وقع في منطقة المسبح في الكرادة، وسط أنباء تحدثت عن استهداف قيادي في منظمة بدر في منطقة العرصات.

كما أشار مصدر آخر إلى سقوط جسم غريب على منزل في منطقة العرصات، ما أدى إلى إصابة شخصين كانا داخل المنزل ونقلهما إلى مستشفى البدور، فضلاً عن العثور على جثة متفحمة داخل المنزل. وأضاف أن جهاز أمن الحشد الشعبي تولى التحقيق في ملابسات الحادث.

وفي حادث منفصل، ذكر مصدر أمني أن انفجاراً آخر وقع في منطقة النهروان، حيث سُمع دوي انفجار في عجلة من نوع “برادو” بالقرب من الجسر الفرنسي. وأوضح أن الأجهزة الأمنية توجهت إلى موقع الحادث للتحقق من طبيعته وما إذا كان عرضياً أم نتيجة استهداف جوي، مؤكداً أن الحادث لم يسفر عن وقوع إصابات.

وفي إقليم كردستان، تصاعدت في الأيام الأخيرة الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تستهدف غالباً منشآت أمنية وعسكرية.

وأفاد مصدر أمني بسماع دوي انفجار لطائرة مسيّرة في سماء أربيل، بالتزامن مع تقارير عن سماع انفجارات أخرى في مناطق قضاء حرير.

وأشار المصدر إلى أن منظومات الدفاع الجوي تصدت للهجمات بالطائرات المسيّرة، مؤكداً أن الجهات الأمنية تتابع التطورات بشكل متواصل لتقييم حجم الأضرار المحتملة.

وفي سياق متصل، أعلن مصدر أمني عن إسقاط طائرة مسيّرة قرب محيط قاعدة فكتري السابقة في مطار بغداد الدولي، موضحاً أنه تمت معالجة وإسقاط مسيّرة ثانية حاولت الاقتراب من مركز الدعم الدبلوماسي داخل القاعدة.

كما تعرضت السفارة الأمريكية في بغداد لهجوم بطائرة مسيّرة استهدفت منظومة اتصالات فضائية داخل مبنى السفارة، وهي منظومة مخصصة لتبادل البيانات عبر الأقمار الصناعية، وفق ما أفاد به مصدر أمني.

وأوضح المصدر أن منظومة الدفاع الجوي المعروفة بـ“سيرام” لم تتمكن من اعتراض الطائرة المسيّرة قبل وصولها إلى هدفها.

وأثارت هذه التطورات ردود فعل رسمية، إذ أدانت قيادة العمليات المشتركة استهداف الأحياء السكنية، ووصفت ذلك بأنه تطور خطير وغير مسبوق يمثل خرقاً واضحاً للمواثيق الدولية.

وقالت القيادة في بيان إن استهداف المواطنين داخل المناطق السكنية المكتظة يشكل انتهاكاً فاضحاً للقيم الإنسانية والقوانين الدولية، مؤكدة أن تحويل منازل المدنيين إلى ساحات للعمليات العسكرية يعد جريمة مكتملة الأركان تهدف إلى ترويع الأبرياء وكسر إرادتهم.

وفي خضم هذه الأحداث، دعت السفارة الأمريكية في بغداد مواطنيها إلى مغادرة العراق في أقرب وقت ممكن إذا كان ذلك آمناً، محذرة من تصاعد التهديدات الأمنية.

وأوضحت السفارة في بيان أن إيران والجماعات المسلحة المتحالفة معها تمثل تهديداً كبيراً للسلامة العامة في العراق، مشيرة إلى أن هجمات سابقة استهدفت مواطنين أمريكيين ومصالح وبنى تحتية مرتبطة بالولايات المتحدة.

كما حذرت من خطر الاختطاف الذي قد يواجه المواطنين الأمريكيين، داعية إياهم إلى توخي الحذر وتجنب الظهور العلني أو التواجد في الأماكن التي قد تجعلهم أهدافاً محتملة.

الحكومة: نواصل ملاحقة المتورطين

وفي إطار التحركات الدبلوماسية، بحث وكيل وزارة الخارجية للعلاقات الثنائية محمد حسين بحر العلوم مع القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية جوشوا هاريس التطورات الأمنية والسياسية في البلاد، إضافة إلى تداعيات الحرب في المنطقة.

وأكد بحر العلوم خلال اللقاء موقف العراق الرافض لتحول أراضيه إلى ساحة صراع، مشدداً على أن الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع في بغداد وكركوك والأنبار وبابل وأدت إلى سقوط قتلى وجرحى تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة البلاد.

كما جدد التأكيد على التزام الحكومة العراقية بحماية البعثات الدبلوماسية وفقاً للاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، مشيراً إلى أن السلطات ستواصل ملاحقة المتورطين في أي اعتداءات على البعثات الأجنبية.

من جانبه، أكد القائم بالأعمال الأمريكي تمسك بلاده بالشراكة الاستراتيجية مع العراق، مشيراً إلى أن السياسة الأمريكية في المنطقة تقوم على الرد الدفاعي والمحدود على أي تهديد يستهدف مصالحها.

وعلى صعيد التحركات الدولية، أجرى رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، بحثا خلاله تطورات الأوضاع في المنطقة وانعكاساتها على الأمن الإقليمي.

وشدد رشيد خلال الاتصال على ضرورة تكثيف الجهود الدولية لاحتواء التوترات ومنع اتساع رقعة الصراع، مؤكداً رفض العراق لانتهاك سيادته أو استخدام أراضيه وأجوائه في أي صراعات إقليمية.

رحلات استثنائية للعراقيين العالقين

وفي سياق آخر، أعلنت الشركة العامة للخطوط الجوية العراقية عن تنظيم رحلات إجلاء استثنائية للمواطنين العراقيين العالقين في الخارج بسبب الأحداث الجارية.

وذكرت الشركة أن هذه الرحلات ستبدأ اعتباراً من اليوم الأحد وتستمر حتى الأربعاء المقبل، وتشمل ست رحلات جوية تنطلق من مطار دالامان في تركيا، بواقع رحلتين من القاهرة وأربع رحلات من دلهي، متجهة إلى المملكة العربية السعودية، تمهيداً لإعادة المسافرين إلى العراق براً عبر منفذ عرعر الحدودي.

وتأتي هذه الخطوة ضمن إجراءات خلية الأزمة الحكومية لتأمين عودة المواطنين إلى البلاد في ظل التوترات الأمنية التي تشهدها المنطقة.

وبين التحديات الاقتصادية المتوقعة والتوترات الأمنية المتصاعدة، يجد العراق نفسه أمام مرحلة حساسة تتطلب إدارة دقيقة للأزمة، سواء على المستوى المالي أو الأمني، للحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنب تداعيات أوسع قد تفرضها التطورات الإقليمية.