اخر الاخبار

وسط تصاعد التوترات في المنطقة، يعيش العراق مرحلة من القلق الاقتصادي غير المسبوق. الأسواق تتقلب، أسعار الدولار والذهب ترتفع، وأزمات الوقود والمواد الأساسية تعيد المخاوف إلى الواجهة، بينما المواطن يحاول التكيف مع واقع معيشة هش وغير مستقر.

وتحاول الحكومة طمأنة المواطنين بأن المخزون الغذائي مستقر، لكن اقتصاديين يحذرون من أن اعتماد العراق شبه الكامل على الاستيراد يجعل الاقتصاد الوطني عرضة لأي صدمة خارجية، ويجعل الحفاظ على الاستقرار الداخلي والقدرة الشرائية للأسر تحدياً يومياً.

المواطن لا يثق بتدابير الحكومة

ذكر الباحث الاقتصادي عبدالله نجم ان "الاحداث الحالية انعكست بشكل كبير على الاقتصاد العراقي، خصوصاً على أسواق الطاقة، أسعار الدولار، والذهب، ما أثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين وسلوكهم اليومي في الأسواق".

وأضاف نجم لـ"طريق الشعب"، أن "ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتحرك الدولار دفع المواطنين إلى الخوف من أي نقص محتمل، فشهدنا طوابير أمام محطات الوقود وتزايد الطلب على المواد الغذائية والاسواق، في مؤشر على القلق الشعبي وتأثر المزاج الاستهلاكي بالأحداث الخارجية، حتى وإن كانت المخزونات الحكومية مستقرة".

وأشار نجم إلى أن "الأزمة تكشف هشاشة الاقتصاد المحلي واعتماده شبه الكامل على الاستيراد، ما يجعل أي اضطراب إقليمي ينعكس فوراً على الأسواق"، لذا طالب، الحكومة بـ "تعزيز الخطط الاحترازية الاقتصادية، وضبط الأسواق، وتوفير آليات حماية للمواطنين من تقلب الأسعار والتقلبات المفاجئة في العملة المحلية".

وختم بالقول: "في ظل هذه الظروف، يحتاج العراق إلى حلول قصيرة المدى لحماية المستهلكين، إلى جانب استراتيجيات طويلة المدى لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتنويع مصادر الطاقة، حتى تتحسن القدرة على مواجهة أي صدمات مستقبلية دون أن يتحول القلق الشعبي إلى أزمة فعلية في الأسواق".

جهل سياسي بخطورة ما يحصل

من جانبه، تطرق الخبير الاقتصادي عبد السلام حسن الى تأثير الحرب على الاقتصاد، موضحا أن "الاقتصاد القوي هو الذي يملي السياسة". وعلق على ارتفاع الدولار وأسعار النفط قائلاً إن "هناك جهلا سياسيا يرافق هذه الأحداث، وأي تعطيل في مضيق هرمز البحري يؤدي لخسائر كارثية في الصناعة والممتلكات الحيوية".

ونبه حسن إلى خطورة اعتماد العراق بشكل كبير على إيران، خاصة في قطاع الغاز، واصفا هذا الاعتماد بـ"الخطأ الاستراتيجي". وأوضح أن "التنويع في العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية ضرورة لتجنب المخاطر، فالحكومة تتبع سياسة أحادية الجانب، وهذا يعكس نقص الخبرة الاقتصادية ويضع المواطن في موقف هش أمام تقلبات الأسعار والأزمات".

وأشار إلى أن البدائل موجودة لكنها غير كافية، حيث يمكن تغطية نحو 30 إلى 40 في المائة فقط من الاحتياجات إذا تعطلت خطوط الإمداد الحالية، مؤكدا أن "الوضع إذا استمر بهذه الطريقة، فسيتحول نحو الأسوأ".

وختم حديثه بالتأكيد على أولوية المواطن، مشيرا إلى أن "المترفين بعيدون عن الواقع، والمواطن هو الخاسر الأول، سواء ارتفع النفط أو انخفض، والحلول السياسية والاقتصادية موجودة، لكن يجب أن تكون هناك إرادة حقيقية لتطبيقها".

وأكد حسن رفضه لأي حرب غير عادلة، داعيا إلى احترام القوانين الإنسانية والدولية.

الحكومة تطمّن: الوضع تحت السيطرة

ومع تصاعد التوترات الإقليمية بعد الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران، حاولت الحكومة طمأنة المواطنين بشأن استقرار الأسواق، مؤكدة أن الوضع الغذائي في البلاد "مستقر وتحت السيطرة".

وقال المتحدث باسم وزارة التجارة، محمد حنون، في بيان، إن "الحكومة أولت ملف الأمن الغذائي اهتماماً كبيراً تحسباً للظروف الطارئة، وعملت على تعزيز الخزين الاستراتيجي من المواد الأساسية، لا سيما الحنطة، إلى جانب مفردات البطاقة التموينية مثل الرز والسكر والزيت".

وتأتي هذه التصريحات في وقت سجل فيه سعر صرف الدولار ارتفاعاً ملحوظاً ليقترب من 160 ألف دينار لكل 100 دولار، ما يعكس تأثير التوترات الإقليمية على الاقتصاد المحلي، ويجعل متابعة الاستقرار الغذائي ومراقبة الأسواق أكثر أهمية للمواطنين.

الخيارات الاقتصادية محدودة

ويرى المحلل السياسي د. عباس الجبوري، أن العراق يواجه واقعا صعبا في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقال الجبوري لـ"طريق الشعب"، إن العراق لا يمكن أن ينفصل عن محيطه الإقليمي، لأنه يتوسط الشرق الأوسط، وكل ما يحيط به اليوم هو نار ملتهبة.

وأشار إلى محدودية الخيارات الاقتصادية والسياسية للعراق، موضحا أن ضعف الاقتصاد وعدم تشكيل الحكومة رسميا يضع البلاد في موقف حرج أمام أي أزمة إقليمية.

ووفقا لرأيه فأن توسيع رقعة الحرب واستهداف المصالح الاقتصادية لن يؤثر على هذه العلاقات، خاصة مع الحدود المشتركة الطويلة التي تصل إلى 1,545 كيلومترا.

وفيما يتعلق بالقدرة الأمنية، أشار إلى أن العراق يحافظ على استقرار أمني نسبي رغم استهداف بعض مواقع من قبل الطائرات الأمريكية والإسرائيلية، مؤكدا أن البلاد لا تواجه خطر الانجرار إلى فتنة داخلية، حتى في ظل حكومة تصريف الأعمال.

واختتم الجبوري بالقول إن العراق، رغم محدودية خياراته، يتعامل مع الأزمة بحكمة، محافظا على استقراره الداخلي وسط نار التوتر الإقليمي.