اخر الاخبار

مع استمرار الانسداد السياسي وتعثر تشكيل الحكومة، عاد الجدل حول تفسير المادة 76 من الدستور إلى الواجهة، بعد الإشارات التي طرحها رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بشأن مراجعة تفسيرها. وبينما يرى قانونيون أن أي تفسير ملزم يبقى حصراً بيد المحكمة الاتحادية العليا، يؤكد آخرون أن الأزمة تتجاوز التفسير القضائي لتطال نص المادة ذاته.

ووصف رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، في مقال تحليلي نشر مؤخرا، التفسير السائد للمحكمة الاتحادية بشأن "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" بـ "المثلبة"، معتبراً أن هذا الاجتهاد يمثل "خطيئة" وانحرافاً قضائياً أدى إلى أزمات سياسية متعاقبة في البلاد.

وقال القاضي زيدان، إن التفسير القضائي للنصوص الدستورية ليس مجرد عملية فنية، بل هو فعل تأسيسي يؤثر في كيان الدولة، مبينا أن "خطيئة التفسير الخاطئ" تكمن في الابتعاد عن مقاصد الدستور وتحميل النص معاني لا يحتملها، مشيراً إلى أن تغليب الاعتبارات الظرفية أو السياسية على المبادئ الثابتة يؤدي إلى فقدان الثقة في استقلال القضاء ونزاهته.

وسلط زيدان الضوء على المادة (76) من الدستور العراقي، منتقداً قرار المحكمة الاتحادية رقم (25) الصادر في عام 2010، والذي سمح باعتبار الكتلة المتشكلة عبر التحالفات داخل البرلمان هي "الكتلة الأكبر"، بدلاً من القائمة الفائزة في الانتخابات.

وبعد ساعات على نشر مقال رئيس مجلس القضاء الأعلى، عقدت قوى الاطار التنسيقي، اجتماعا في القصر الحكومي، مساء الثلاثاء. وقال قيادي في الاطار انه تم التوصل، خلال الاجتماع، إلى اتفاق مبدئي على سحب ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة واختيار بديل يحدد لاحقاً.

ما العمل؟

في هذا الصدد، قال القاضي المتقاعد هادي عزيز، أن مراجعة تفسير المادة 76 من الدستور، والتي أشار إليها رئيس مجلس القضاء الأعلى، جاءت في ظل انسداد سياسي حاد أدى إلى توقف البرلمان عن ممارسة دوره التشريعي والرقابي، مع بقاء حكومة تصريف الأعمال قائمة وسط وضع ملتهب في المنطقة، ما جعل الوضع السياسي في البلاد متوقفاً ويهدد استقرار المؤسسات.

وأضاف عزيز في حديث مع "طريق الشعب"، أن "أي تعديل أو تفسير جديد للمادة الدستورية لا يمكن أن يطبق إلا بعد صدور قرار رسمي من المحكمة الاتحادية، والتي هي الجهة الوحيدة المخولة قانونياً بإصدار التفسيرات الملزمة".

وأوضح أن "المحكمة الاتحادية لا تبادر من تلقاء نفسها بحل النزاعات الدستورية، بل تتصرف فقط وفق ما يُرفع إليها من دعاوى أو طلبات تفسير من الأطراف المتضررة، سواء كانت أحزاباً سياسية أو جهات رسمية".

ونوّه بأن أي طرف يرى أن تفسير المادة 76 يؤثر على حقوقه، يمكنه التقدم بطلب رسمي لإعادة التفسير. واكد ان "المحكمة الاتحادية مطالبة بمعالجة الطلبات ضمن النظام الداخلي وقانون المرافعات، وهي صاحبة السلطة التقديرية في تحديد ما إذا كانت تعدل تفسيرها السابق أم تلتزم به".

وعن التعديلات الممكنة على المادة الدستورية، شدد عزيز على أن المشكلة تكمن في نص المادة ذاته وليس في التفسير الحالي، مبينا أن المادة 76 تحتاج الى تعديل لتوضيح آلية تكليف رئيس الجمهورية لرئيس الوزراء المكلف، بحيث تكون الكتلة الفائزة في الانتخابات هي المعيار الأساسي لتشكيل الحكومة، مع مراعاة استيفاء كل الشروط القانونية مثل تكوين الكتلة النيابية، انتهاء المدد القانونية لأداء اليمين، وانتهاء جميع الطعون الدستورية والخ.

ونبه الى أن النص الحالي لا يتيح ضمان هذا المبدأ بشكل واضح، ما يجعل التفسير القضائي وحده غير كافٍ لضمان احترام حقوق الفائزين بالانتخابات.

وتطرق عزيز إلى الصعوبات العملية في تعديل الدستور في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن العملية تتطلب توافقاً واسعاً داخل مجلس النواب واستفتاءً شعبياً، وهو أمر شبه مستحيل في ظل التركيبة الحالية للبرلمان، الذي يعاني من شلل وظيفي ويُظهر عدم قدرة على اتخاذ قرارات كبرى بسبب مصالحه الخاصة وحرص نوابه على الحفاظ على امتيازاتهم.

وأشار إلى أن "هذا الواقع يجعل أي تعديل جوهري بعيد المدى غير قابل للتطبيق في الدورة الحالية أو القادمة للبرلمان".

وفيما يتعلق بالحلول العملية قصيرة المدى، قال القاضي عزيز إن "التركيز يجب أن يكون على حل الأزمة السياسية عبر تعزيز قدرة الأحزاب الفائزة في الانتخابات على تشكيل الحكومة القادمة"، مشدداً على أهمية "إعطاء الكتلة الفائزة الأولوية في اختيار رئيس الوزراء وتسهيل عملية تشكيل الحكومة، بما يتوافق مع نتائج الانتخابات، لتجنب حرمان الفائزين من حقوقهم مرة أخرى".

واختتم بالقول إن الحل الأكثر واقعية لإنهاء الانسداد السياسي هو إجراء انتخابات مبكرة، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل الوسيلة الامثل، لان الانتخابات المبكرة هي الخيار الذي يعكس إرادة الشعب ويعيد التوازن إلى العملية السياسية بعد الجمود والانسداد".

تفسير غير دقيق

من جهته، أكد عضو لجنة كتابة الدستور، نديم الجابري، أن تفسير المحكمة الاتحادية العليا لمفهوم “الكتلة النيابية الأكثر عدداً” الصادر عام 2010 لم يكن دقيقاً، ما أسهم بشكل مباشر في تكريس حالة الانسداد السياسي التي رافقت تشكيل الحكومات المتعاقبة.

وقال الجابري في تعليق لـ"طريق الشعب"، إنه جرى التأكيد مراراً منذ عام 2010 على عدم دقة التفسير الذي اعتبر الكتلة الأكبر هي التي تتشكل داخل قبة البرلمان، مبيناً أن نص المادة (76) من الدستور واضح وصريح ويقصد به الكتلة الفائزة في الانتخابات، وليس الكتلة التي تتشكل بعد انعقاد مجلس النواب.

وأضاف أن العودة إلى التفسير الصحيح تمثل “فضيلة”، مشيراً إلى أن ما طُرح مؤخراً بشأن مراجعة التفسير ليس جديداً، إذ سبق التطرق إليه أكثر من مرة، مشيرا الى أن التوقيت الحالي لإثارة الموضوع يرتبط بحالة الانسداد السياسي في تشكيل الحكومة، والتي نتجت ـ بحسب رأيه ـ عن سوء فهم أو تفسير غير دقيق للنص الدستوري، ما أدى إلى غياب سياق دستوري حاسم لاختيار رئيس مجلس الوزراء.

وزاد الجابري بالقول: إن دعوة المحكمة الاتحادية إلى مراجعة تفسيرها تهدف إلى تسهيل المضي في العملية السياسية وفق السياق الدستوري الصحيح، إلا أنه استبعد حصول هذه المراجعة خلال الدورة الحالية، مرجحاً أن تتم في الدورة المقبلة لتفادي أي تجيير سياسي أو اتهامات بمجاملة كتل بعينها.

وبيّن أن النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية يتيح لها التراجع عن بعض أحكامها وتفسيراتها، إلا أنه دعا إلى إعادة النظر في هذه الصلاحية.

وختم الجابري بالقول إن استقرار التفسير الدستوري وتوحيده يمثلان ضمانة أساسية لانتظام العمل السياسي والدستوري، بعيداً عن التجاذبات والتوقيتات المثيرة للجدل.

بحاجة لحلول سياسية عاجلة

من جانبه، أكد الأكاديمي والخبير القانوني وائل منذر أن مراجعة تفسير المادة الدستورية التي أشار إليها رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، ليست توجهاً جديداً بقدر ما هي إعادة تأكيد لرأي سابق كان جزءاً من أطروحته الأكاديمية، لكن التوقيت الحالي يجعلها ذات أهمية خاصة في ظل الأزمة السياسية التي يشهدها العراق.

وأوضح منذر في حديث مع "طريق الشعب"، أن هذه الخطوة تأتي في وقت تعاني فيه البلاد من عجز الأحزاب السياسية عن الاتفاق على اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، مشيراً إلى أن التأكيد على سيادة الشعب وحق الفائزين في الانتخابات بتولي تشكيل الحكومة قد يعزز فرص نجاح رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني بتشكيل الحكومة الجديدة.

وعن إمكانية التطبيق العملي لما جاء في مقالة زيدان، أشار منذر إلى أن "الحلول الفورية تعتمد على القبول السياسي الحالي، بينما على المديين المتوسط والبعيد يمكن النظر في إصلاحات قانونية ودستورية تشمل تعديل قانون الانتخابات لضمان أن التحالفات تكون معلنة قبل الانتخابات، ومنح الفائز الأكبر أولوية تشكيل الحكومة".

كما شدد على ان تعديل الدستور يتطلب توافقاً واسعاً داخل البرلمان الذي يفتقر حاليا إلى وجود تمثيل سياسي مناسب يضم القوى الوطنية والتيار الصدري وغيرهم، لضمان ان تكون التعديلات ناضجة ولا تقضم الحقوق.

وفيما يخص دور المحكمة الاتحادية، أوضح منذر أن "مهمتها محدودة بطلب التفسير المتعلق بالمادة 72 من الدستور بشأن ولاية رئيس الجمهورية، وأن أي تعديل أو تفسير إضافي ينبغي أن يتم عبر طلب من الرئاسات الثلاث"، مؤكداً أن "المحكمة تتمتع بالسلطة التقديرية في الحفاظ على تفسيرها السابق أو تعديله، وفقاً للنظام الداخلي وقانون المرافعات".

وخلص الى القول أن "الظروف الحالية، بما فيها انسحاب التيار الصدري، تجعل من الصعب تنفيذ أي تعديل جوهري في الوقت الراهن، وأن المساعي العملية يجب أن تركز على الحلول السياسية الفورية لتعزيز استقرار العملية الانتخابية وتشكيل الحكومة القادمة او الذهاب نحو انتخابات مبكرة".

نصوص دستورية غير قابلة للتطبيق

الى ذلك، اكد عضو اللجنة القانونية في مجلس النواب السابق محمد عنوز، أن مراجعة السيد فائق زيدان، تمثل خطوة أساسية لتصحيح مسار العملية السياسية في البلاد، وضمان احترام إرادة المواطنين والناخبين، بعيداً عن المحاصصة والانسدادات السياسية المستمرة التي أثقلت كاهل الدولة.

وقال عنوز لـ"طريق الشعب"، إن التجربة العراقية "شهدت ست دورات برلمانية عانت فيها العملية السياسية من انسدادات متعددة، أبرزها ما حصل في عام 2010، وبعدها مع التيار الصدري، وما ترتب على ذلك من آثار سلبية على أداء المؤسسات الحكومية، وإضعاف الثقة بين القوى السياسية والمواطنين".

وأشار إلى أن "بعض نصوص الدستور الحالي لم تعد قابلة للتطبيق العملي، وتحتوي على تناقضات عدة، الأمر الذي يستدعي مراجعة جادة بعد أكثر من عشرين عاماً على اعتماده".

وأضاف أن العملية السياسية يجب أن "ترتكز على النهج الانتخابي المباشر، وأن لا تكون خاضعة لتوافقات سياسية تقيد حقوق المواطنين، وتعيد رسم المشهد السياسي بشكل يخالف ارادة الناخب، وتؤثر على مضمون التشريعات"، مؤكداً أن "أي تحالفات غير مبنية على نتائج الانتخابات تضر بمبدأ تمثيل الشعب".

وشدد عنوز على أن الحل الأمثل يكمن "إما في تعديل الدستور بما يضمن الوضوح والشفافية وحق الكتل الفائزة في تشكيل الحكومة، أو في أن تقوم المحكمة الاتحادية بالعدول عن تفسيرها السابق بطريقة تعكس الواقع العملي، وتعيد الحق الدستوري للكتلة الفائزة المنتخبة".

وأوضح أن "أي حلول جزئية أو توافقات ضيّقة لن تعالج الأزمة السياسية الحالية، ولا تمنع تكرار الانسدادات المستقبلية التي تعرقل عمل الدولة، وتحد من الحقوق الدستورية للمواطنين".