اخر الاخبار

في خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن المائي ومواجهة التغير المناخي، تسلّمت وزارة الموارد المائية، مشروع الأراضي الرطبة المنشأة في محافظة ذي قار، من المنظمة الدولية للهجرة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.

يمثل هذا المشروع، تحولاً نوعياً في إدارة الموارد المائية، حيث يعتمد على حلول مستوحاة من الطبيعة لتنقية مياه الصرف الصحي وتحويلها الى مياه صالحة للاستخدام البيئي والزراعي، مما يسهم بشكل مباشر في إنقاذ الأهوار من التلوث والجفاف.

تفاصيل المشروع

ويقوم المشروع، على فكرة نظام فلترة حيوي، بدلاً من بناء محطات تصفية ميكانيكية وكيميائية مكلفة، حيث يتم تمرير مياه الصرف الصحي عبر أحواض مرصوفة بطبقات من الحصى والرمل ومزروعة بنباتات معينة (مثل القصب والبردي) التي تعمل جذورها مع البكتيريا الطبيعية على تفكيك الملوثات وامتصاص المعادن الثقيلة.

وبالنسبة للطاقة الاستيعابية فلديه القدرة على معالجة حوالي 4000 متر مكعب من المياه يومياً، ويهدف الى حماية الأهوار، عبر منع وصول مياه الصرف الخام الى أهوار الجبايش والحمار، ما يحافظ على التنوع الإحيائي المحمي دولياً ضمن "اتفاقية رامسار".

كما ان المياه الناتجة لن تكون ضائعة؛ إذ ستُستخدم لري الأراضي الزراعية القريبة وتغذية المسطحات المائية، ما يوفر بدلاً مائياً في ظل سنوات الشحة.

وسيستفيد من المشروع أكثر من 30 ألف نسمة، حيث يقلل من مخاطر النزوح القسري الناجم عن تلوث المياه ونفوق المواشي، ناهيك عن ان هذا النظام يتميز بقلة التكاليف التشغيلية مقارنة بالمحطات التقليدية، حيث لا يحتاج إلى طاقة كهربائية عالية أو مواد كيميائية مستمرة.

يخدم 30 الف مواطن

من جانبه، قال الباحث في الشأن البيئي حيدر رشيد أن مشروع الأراضي الرطبة يمثل منعطفاً مهماً في مسار الإدارة البيئية الحديثة، حيث إن إنشاء واستعادة هذه النظم البيئية في مناطق مثل محافظة ذي قار لوحدها سيخدم أكثر من ثلاثين الف مواطن بشكل مباشر من خلال توفير حلول مستدامة لمواجهة الجفاف الحاد الذي يضرب المنطقة.

وأضاف رشيد في حديث لـ "طريق الشعب"، أن الأرقام المسجلة تؤكد أهمية هذه المساحات والحفاظ عليها، خصوصاً وهي تعمل كخزانات كربونية عملاقة تفوق في قدرتها التخزينية الغابات المطيرة بنسبة تصل إلى خمسة أضعاف للهكتار الواحد، مما يجعلها الأداة الأكثر فاعلية في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة محلياً.

وأشار إلى أن الدراسات الميدانية تثبت أن هذه الأراضي الرطبة لديها قدرة على خفض درجات الحرارة المحيطة بمعدل يتراوح بين ثلاث الى خمس درجات مئوية خلال أشهر الصيف القاسية، فضلاً عن دورها الحيوي في تنقية مياه الصرف بنسبة كفاءة تتجاوز ثمانين بالمئة من الملوثات العضوية قبل وصولها الى بيئة الأهوار الحساسة.

وشدد الباحث على أن هذا المشروع "هو نظام حيوي متكامل يدعم عودة أكثر من مئتي نوع من الطيور المهاجرة والنادرة ويوفر بيئة مثالية لتكاثر الثروة السمكية التي تراجعت إنتاجيتها بنسب مخيفة في السنوات الأخيرة".

ودعا رشيد الى "توسيع نطاق هذه المبادرة لتشمل مساحات أوسع ضمن خطة استراتيجية وطنية تهدف الى استصلاح مئات الهكتارات من الأراضي القاحلة وتحويلها إلى واحات بيئية منتجة تضمن الأمن المائي والغذائي للسكان المحليين الذين يعتمدون كلياً على الجاموس وصيد الأسماك".

وخلص الى التحذير من أن "إهمال حماية هذه المشاريع أو عدم استكمال تمويلها سيؤدي الى مفاقمة الخسائر البيئية التي لا يمكن تعويضها بطبيعة الحال"، مؤكداً أن "الاستثمار في الأراضي الرطبة هو حرفياً استثمار في مستقبل البقاء بمواجهة التغيرات المناخية المتطرفة التي اصبحت واقعاً نعيشه يومياً".

ترشيد الاستهلاك ضرورة ملحة

من جهته، قال المختص في الشأن البيئي احمد ميرزة، أن مشروع الأراضي الرطبة يُقصد به الأهوار بوصفها المسطحات المائية الطبيعية الأبرز، مشيراً إلى أن مفهوم الأراضي الرطبة معرّف عالمياً ويشمل المسطحات المائية التي تخضع لاتفاقيات دولية تُلزم الدول بالحفاظ عليها.

وأضاف ميرزة في تعليق لـ "طريق الشعب، أن "تراجع الإطلاقات المائية خلال السنوات الأخيرة، انعكس سلباً على الأهوار، التي باتت تشهد موجات جفاف صيفية متكررة، تعود بعدها جزئياً في الشتاء، إلا أن هذا لا يمثل مستواها الطبيعي المفترض في حال الالتزام الكامل بالاتفاقيات الدولية".

وفي ما يتعلق بجدوى المشاريع المطروحة لمعالجة الأزمة المائية، شدد ميرزة على أن الحل الواقعي في المرحلة الراهنة يتمثل في تقنين المياه وترشيد استخدامها، مبينًا أن أي مشروع منفرد لن يكون كافيًا ما لم يترافق مع إدارة صارمة للموارد المتاحة.

وأشار إلى أن مشروع الاراضي الرطبة "يُعد خطوة مهمة كان ينبغي تنفيذها منذ عقود، أسوة بالدول المتقدمة، سيما وان العراق يواجه وضعاً مائياً صعباً مرشحاً للتفاقم خلال فصل الصيف المقبل، ما يفرض إدراج ملف المياه ضمن أولويات البرنامج الحكومي القادم، والتحرك العاجل لمعالجة الأزمة".

وبيّن أن "مياه الصرف المعالجة يمكن الاستفادة منها في الأغراض الزراعية بدل طرحها في الأنهار"، مؤكداً في ذات الوقت أنها لن تُستخدم للاستهلاك المدني، بل ستوجه لدعم القطاع الزراعي الذي يستهلك نحو 70% من الموارد المائية في البلاد، في ظل ضعف اعتماد تقنيات الري الحديثة.

وتابع أن ترشيد الاستهلاك "يتطلب إجراءات تدريجية، من بينها استخدام العدادات الذكية وإعادة النظر في تسعيرة الوحدات المائية، بما يحقق استدامة الخدمة ويشجع المواطنين على التقنين، لافتاً إلى أن "استمرار الإمداد بكميات مقننة يبقى أفضل من الانقطاع التام".

وختم الناشط البيئي بالتأكيد على أن "أهمية مشروع تدوير المياه تكمن في تعظيم الاستفادة من كل مصدر مائي متاح، بما يسهم في تخفيف حدة الأزمة المتوقعة وضمان تأمين احتياجات الأسر العراقية خلال المرحلة المقبلة".

التنفيذ ضعيف

الى ذلك، اكد الناشط البيئي مصطفى هاشم أن مشروع الأراضي الرطبة يمثل خطوة مهمة من حيث المبدأ، غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في إطلاق المشاريع أو إقرار القوانين، بل في آلية تطبيقها وتوافر الإرادة الحقيقية اللازمة لذلك.

وقال هاشم في حديث مع "طريق الشعب"، أن "العراق ملتزم باتفاقيات دولية تُلزم الدولة بالحفاظ على المناطق الرطبة، إلا أن المشكلة تكمن في ضعف التنفيذ".

وأشار الى أن "بعض المواقع المشمولة بالحماية، مثل هور الحويزة، تعرضت لتجريف وأضرار واسعة، رغم إدراجها ضمن الاتفاقيات البيئية التي توجب صونها والحفاظ على تنوعها الحيوي".

وأضاف أن "المفارقة تتمثل في أن بعض المشاريع الاستثمارية، ولا سيما المرتبطة بجولات التراخيص النفطية، تتداخل مع مناطق رطبة حساسة بيئياً، ما تسبب بأضرار جسيمة".

وبيّن أن "أحد الحقول النفطية المتعاقد عليها ضمن جولة التراخيص يقع ضمن نطاق متداخل مع مناطق الأهوار، بمساحة تُقدّر بنحو 300 كيلومتر مربع، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام الجهات المعنية بحماية هذه المناطق".

وشدد هاشم على أن الدولة، بوصفها الجهة الملزمة قانونياً بحماية الأراضي الرطبة، مطالَبة أولاً بضمان عدم تعارض مشاريعها مع الالتزامات البيئية، مؤكداً أن أي مشروع بيئي لن يحقق أهدافه ما لم يسبقه وضوح في الرؤية، وآليات رقابة صارمة، وإرادة سياسية حقيقية تضع حماية البيئة في مقدمة الأولويات.

وخلص الى القول ان "حماية الأراضي الرطبة تحتاج الى ارادة جادة وحقيقية والموازنة بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية، ويمنع تكرار التجاوزات التي الحقت أضراراً مباشرة بهذه المناطق الحيوية".