أثار قرار أمانة بغداد مطالبة أصحاب المحال التجارية في شارع الرشيد بتغيير أنشطتهم، بما يتلاءم مع الطابع الثقافي والتاريخي للشارع، جدلاً واسعاً بين الجهات الرسمية وأصحاب المحال، الذين عدّوا هذه الخطوة مساساً مباشراً بمهنهم ومصادر أرزاقهم. وبينما تؤكد الأمانة أن الإجراءات تأتي ضمن خطط تطوير مركز بغداد التاريخي وتعزيز مكانته السياحية، يحذر تجار ومهتمون بالشأن العمراني من أن أي تطوير لا يراعي البعد الاجتماعي والاقتصادي للشارع قد يفرغه من روحه الحقيقية، ويحوله من فضاء حي إلى واجهة شكلية بلا حياة.
أنشطة لا تتلاءم مع الطابع التراثي
أكد المتحدث باسم أمانة بغداد، عدي الجنديل، أن الاهتمام بمركز بغداد التاريخي يأتي كونه من أبرز مناطق الجذب السياحي للزائرين من داخل العراق وخارجه. وأوضح أن الأمانة باشرت المرحلة الثانية من أعمال التطوير التي تمتد من تمثال الرصافي وصولاً إلى منطقة أبو نؤاس.
وأشار الجنديل في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن بعض المحال في شارع الرشيد تمارس أنشطة لا تتلاءم مع الطابع التراثي للشارع، مثل بيع معدات البيوت والأدوات اليدوية، مبيناً أن الأمانة وجهت إنذارات لأصحاب هذه المحال لتغيير طبيعة أنشطتهم بما يتماشى مع الأهمية الثقافية والتاريخية للمنطقة.
ولفت إلى وجود تجاوب من قبل أصحاب المحال التجارية، حيث أبدوا استعدادهم لتعديل أنشطتهم بعد الانتهاء من أعمال التطوير والتأهيل، مشيراً إلى وجود خطة متكاملة للحفاظ على المحال والبنايات التراثية بالتعاون مع دائرة التراث في وزارة الثقافة.
وأضاف الجنديل، أن العمل مستمر بالتنسيق مع الجهات التنفيذية، حيث تم الوصول إلى مراحل متقدمة في تجهيز الكميات، وتم تأهيل أربع بنايات نموذجية ضمن المرحلة الثانية من المشروع.
وأكد أن الأمانة لم تتلق أي توجيهات رسمية من دائرة التراث بشأن تحويل بعض المواقع إلى مخازن، كونها أملاكاً خاصة، مشدداً على التزام الأمانة بالقوانين والتعليمات النافذة، مع استعدادها لتنفيذ أي توجيهات رسمية مستقبلية من وزارة الثقافة.
آراء أصحاب المحلات
يقول عبد الرزاق محي، صاحب محل لبيع زيوت السيارات في الرشيد، إنهم ليسوا ضد قرارات الدولة أو مشاريع التطوير، موضحاً أن "هذه المحلات موجودة منذ فترة الثمانينات، وما عدنا مشكلة بالتغيير، لكن من المفترض أن يتم توفير مكان تجاري بديل أو مناسب لنا، خصوصاً أن أغلب المحال تمثل وكالات معروفة ولها تاريخ طويل في السوق".
وأضاف في حديث لـ"طريق الشعب"، أن أي إجراءات تنظيمية يجب أن تراعي استمرارية عمل أصحاب المحال وحقوقهم المكتسبة عبر سنوات طويلة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن أمانة بغداد مطالَبة بالتركيز على الجوانب الخدمية، ولا سيما توفير عمال نظافة، إذ يعاني شارع الرشيد من إهمال واضح في هذا الجانب، ما ينعكس سلباً على صورته التراثية والسياحية وهذا هي ما تعمل عليه.
صاحب محل اخر لبيع منتجات وأجهزة الكوزمتك يقول، إن العديد من المحلات في الشارع يعود تاريخها إلى أكثر من 50 عاماً، مؤكداً أن لديهم زبائن ثابتين يعتمدون على الحضور المباشر إلى السوق.
ويضيف أن "أغلبنا هنا لا يتعامل بالتجارة الإلكترونية، وطبيعة عملنا قائمة على الزبون الواقعي الذي يعرف المكان ويقصده منذ سنوات، وبالتالي فإن الانتقال إلى موقع آخر سيؤثر علينا بشكل كبير".
وأضاف أن أي قرار بنقل المحال أو تغيير أنشطتها دون توفير بدائل مناسبة سيهدد مصادر رزق عشرات العوائل، مشدداً على أن التطوير الحقيقي يجب أن يوازن بين الحفاظ على الطابع التراثي لشارع الرشيد وضمان استمرارية السوق كمكان حي يمارس فيه الناس عملهم اليومي، لا أن يتحول إلى واجهة شكلية خالية من النشاط التجاري التقليدي.
نسيج عمراني واجتماعي
بدورها، تقول هدى أسعد، مهندسة معمارية أن مشاريع تطوير شارع الرشيد يجب أن تُبنى على فهم شامل لقيمة المكان بوصفه نسيجاً عمرانياً واجتماعياً، لا مجرد واجهة تراثية.
وتوضح أسعد أن “الشارع تاريخياً كان فضاءً حيّاً تتداخل فيه العمارة مع النشاط التجاري والحياة اليومية، وأي محاولة لفصله عن مستخدميه الأصليين ستفقده جزءاً كبيراً من هويته”.
وتضيف أسعد لـ"طريق الشعب"، أن الحفاظ على المباني التراثية لا يتعارض مع وجود المحال القديمة، بل يمكن دمجهما عبر تنظيم الأنشطة وتطوير الواجهات والخدمات دون اللجوء إلى الإقصاء أو النقل القسري، مؤكدة أن نجاح أي مشروع تأهيلي مرهون بمشاركة أصحاب المحال والاختصاصيين في اتخاذ القرار، لضمان استدامة الشارع عمرانياً واقتصادياً وثقافياً.