فجّرت قرارات رفع التعرفة الجمركية وتطبيق نظام "الاسيكودا" موجة جدل اقتصادي في العراق، بعد أن انعكست سريعاً على حركة التجارة وأسعار السلع وتدفّق البضائع عبر المنافذ الحدودية. وبينما ترى السلطات أن الإجراءات تمثّل خطوة إصلاحية لتنظيم الاستيراد وتقليل الاعتماد على الخارج، يحذّر خبراء وتجار من تداعيات قد تطال السوق المحلية وتضغط على معيشة المواطنين، وسط مؤشرات على تراجع التعاملات التجارية وتكدّس الحاويات وتصاعد الدعوات إلى إضراب عام.
وكانت الحكومة العراقية، قد أعلنت عن زيادة في التعرفة الجمركية والرسوم الإضافية لعام 2026 على سلع كمالية بهدف حماية المنتج الوطني، ومنها السيارات، حيث بلغت الرسوم الإضافية عليها نسبة 15%، إضافة الى منتجات التنظيف التي وصلت تعرفتها الجمركية إلى 65%، أما الحاويات والأكواب البلاستيكية فبلغت 60%، فضلاً عن إعادة ضرائب على الاتصالات والأجهزة الإلكترونية بنسبة 20%، وتراوحت رسوم أخرى على المواد بين 10 إلى 30%.
تداعيات نظام الاسيكودا
وبين الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، أمس السبت، أن نظام "الاسيكودا" الذي تطبقه الحكومة تسبب بانخفاض التعاملات التجارية وتراجع الإيرادات المتحققة من الجمرك في البلاد، داعيا الى عقد جلسات حوارية مع الغرف التجارية للتوصل الى حلول مناسبة بعد تردي الواقع الاقتصادي جراء تطبيق التعرفة الجمركية.
وقال المرسومي في منشور له، إن النشاط التجاري في العراق حاليا هو الأكثر أهمية، إذ هناك اكثر من 350 ألف منشأة تجارية، وأكثر من مليون تاجر يتعاملون بسلع مستوردة ومحلية بعشرات المليارات من الدولارات، ويشغلون ملايين الأيدي العاملة".
وأضاف أن هذا النشاط يعاني حاليا من تداعيات نظام الاسيكودا، ومن تطبيق التعرفة الجمركية التي أدت حسب المعلومات الرسمية إلى انخفاض المعاملات التجارية للعراق مع العالم الخارجي إلى النصف، والى خسائر كبيرة للتجار وللحكومة التي انخفضت أيضا إيراداتها الجمركية في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي بمقدار 71 مليار دينار بالمقارنة مع الأشهر التي سبقته".
وأكد الخبير الاقتصادي أن "هناك حاجة ماسة لعقد جلسة حوار مع الغرف التجارية للوصول إلى حلول ملائمة للحكومة والتجار ولعموم المواطنين".
خلفية الأزمة
ورفعت الحكومة الرسوم الجمركية بنسب تتراوح بين 5% و30%، موزعة على شرائح تبدأ من 5% و10% و15%، وصولاً إلى الحد الأعلى البالغ 30%.
وتغطي هذه النسب كامل سجل التعريفة الجمركية المؤلف من 99 فصلاً يضم نحو 16.4 ألف بند جمركي، وهي البنود المعتمدة عالمياً في حركة التجارة.
وقبل ايام قلائل أصدرت الهيئة العامة للجمارك في وزارة المالية، توجيهاً باعتماد نسبة تخفيض مقدارها 25% على متوسط القيم الاستيرادية المثبتة في نظام "الاسيكودا".
"الإسكوا": أزمة العراق سترفع الفقر في المنطقة
من جهتها، حذّرت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا" من التداعيات الاقتصادية السلبية للازمة العراقية على دول الجوار وهي الأردن وسوريا ولبنان بسبب الترابط القوي بينهم في الحركة التجارية، والحركة المالية، والقدرة على استضافة اللاجئين، والثقة في قطاع الأعمال، وميزان المدفوعات.
وتعتبر نسبة الفقراء إلى عدد السكان مؤشراً مهماً لقياس الحالة الاجتماعية في بلد ما. فكلما زادت هذه النسبة تعقدت الأزمة وصعبت معالجتها. انتقلت هذه النسبة في العراق من 22% في عام 2000 إلى 23.4% في 2023. ومن المعلوم أن عدد السكان ارتفع خلال هذه الفترة من 24 مليون نسمة إلى 43 مليون نسمة. وبعملية حسابية بسيطة نستنتج أن عدد الفقراء ازداد من خمسة ملايين شخص إلى عشرة ملايين شخص. يدل هذا الوضع على الانتقال من حالة سيئة إلى حالة أسوأ، في حين كان من المفروض أن تتراجع النسبة ويهبط عدد الفقراء نظراً إلى تغير المعطيات الاقتصادية.
اليوم.. إضراب عام في الأسواق والمتاجر
وروج تجار وموردون في مواقع التواصل الاجتماعي، دعوات للبدء في إضراب عام بالأسواق والمتاجر في العراق كافة، اعتبارا من اليوم الأحد، احتجاجا على تطبيق التعرفة الجمركية الجديدة، وتكدس حاويات البضائع والسلع المستوردة في موانئ البصرة اقصى جنوبي البلاد.
كما دعا تجمع تجار العراق، إلى "اغلاق عام" لجميع الأسواق التجارية في عموم محافظات البلاد، بدءاً من اليوم الأحد، وحتى اشعار آخر.
وشهد العراق، على مدار الشهر الماضي، تظاهرات غاضبة في العديد من المحافظات، احتجاجاً على قرار فرض ضرائب ورسوم جديدة، وتطبيق التعرفة الجمركية على البضائع المستوردة.
ويواجه بعض التجار ارتفاع التعرفة الجمركية على بعض المواد الكمالية، بالرفض والاحتجاج المتواصلين، الأمر الذي أدى إلى تكدس حاويات البضائع في المنافذ الكمركية وتعطيل حركة التجارة.
وعلى الرغم من الاعتراضات التي تواجه ارتفاع التعرفة الجمركية، إلا أن الهيئة العامة للضرائب، تشير إلى تحقيق واردات مالية جيدة خلال الشهر الماضي.
ويؤكد التاجر سعيد بسام، أن "ارتفاع الرسوم والضرائب غير مقبول على الإطلاق، فالمعاملة الجمركية للحاوية كانت تبلغ 3 مليون دينار قبل القرار الأخير، أما الآن فأصبحت تنجز بـ25 مليون دينار وهذا فارق كبير جدا، ستكون له تأثيرات سيئة على حركة التجارة".
وينوه إلى أن "إضراب التجار سيرافقه إضراب آخر لسائقي الشاحنات المتوقفة منذ فترة طويلة في المنافذ الحدودية، وأن الشركات الاستثمارية هي الطرف المستفيد من الوضع الحالي من خلال فرض غرامات تأخيرية على الشحنات المتوقفة، والخاسر الوحيد هو المستهلك العراقي"، واصفا الوضع في الموانئ والمنافذ بالكارثي والذي سيزداد سوءاً خلال الأيام المقبلة إن لم تتم تلبية مطالب التجار".
فوضى في منافذ التخليص الكمركي
وفي هذا الصدد، يؤكد مدير عام هيئة الجمارك ثامر قاسم، أن "تأجيل تطبيق قرار زيادة الضرائب عدة شهور لحين انتهاء التجار من إدخال حاوياتهم، هو قرار حكومي، وأن هيئة الجمارك هي جهة تنفيذية فقط، وليس لديها صلاحيات وقف أو تأجيل هذا القرار".
وفيما يتعلق بموضوع الحاويات المتكدسة في المنافذ، يشير قاسم إلى أن "بعض التجار قاموا بالإضراب وامتنعوا عن تخليص بضائعهم في المنافذ الجمركية، بينما يحاول تجار آخرون تخليص بضائعهم ودفع رسومها الجمركية إلا أن الحاويات المتكدسة تعيق تنظيم العمل وعدم إتمام إجراءات تخليص البضائع"، منبها إلى أن "زيادة التعرفة الجمركية لا تشمل جميع المواد، بل أن ثمة مواد محددة زادت تعرفتها الجمركية، ولم يتم التلاعب بالتعرفة الجمركية للمواد الاساسية".
ويطمئن مدير عام هيئة الجمارك بـ"استمرار الحركة التجارية في المنافذ الجمركية، وأن عائدات الهيئة المالية بلغت خلال الشهر الأول من هذا العام 137 مليار دينار".
ارتفاع غير مسبوق
ويقول الخبير الاقتصادي علي دعدوش، إن "الإيرادات الجمركية ارتفعت وفق هيئة الجمارك بعد تطبيق الاسيكودا، لكن الارتفاع الحالي لا يوازي نسبة الإيرادات التي حققتها الهيئة نفسها في العام الماضي".
ويضيف، أن "الهيئة أعلنت أن إيراداتها لعام 2025 بلغت تريليوني ونصف تريليون دينار، أي أن المتوسط الشهري للإيرادات الجمركية كان أكثر من 208 مليار دينار في العام الماضي"، مبينا، أن "ذلك يعني أن الإيرادات الجمركية للشهر الماضي انخفضت بنحو 71 مليار دينار عن المتوسط الشهري المتحقق في العام الماضي، وبنسبة انخفاض وصلت إلى 52 بالمئة".
ويؤكد دعدوش، أن "حل الأزمة الراهنة في هيئة الجمارك يكمن بالتريث بتطبيق قرار رفع الرسوم لمدة 3 أشهر مع إدخال الحاويات القديمة بسعر مقطوع يتراوح بين 6 إلى 7 مليون دينار على أن يطبق القرار 957 بعد ذلك مباشرة".
وكان النائب محمد الخفاجي أكد على حسابه في فيسبوك، أن "العراق يتكبد خسائر مالية تقدر بالمليارات بسبب تكدس الحاويات وسياسة الحكومة الخاطئة وعدم تراجعها عن القرارات الخاطئة".
وأضاف أن "التاجر يتحمل الخسائر حاليا، لكن حين يضطر ويضيق به الوقت سيحول خسارته مباشرة على المستهلك المحلي الذي سيعاني من ارتفاع الأسعار، بينما تعيش الحكومة في وهم الإصلاح".