اخر الاخبار

عاد ملف عقارات الدولة إلى الواجهة مجددا مع تحرك الحكومة نحو أتمتة السجلات وربطها بنظام GPS، وسط تساؤلات حول قدرة هذه الحلول التقنية على ضبط السوق واسترداد أملاك الدولة الضائعة، نتيجة لسنوات من الفساد وسوء الإدارة.

أتمتة سجلات عقارات الدولة

وذكر بيان لوزارة المالية، نهاية الشهر الماضي، أن وزيرة المالية طيف سامي شددت على "الأهمية القصوى للإسراع في إنجاز مشروع أتمتة سجلات عقارات الدولة وربطها بقاعدة بيانات إلكترونية رصينة، وبما ينسجم مع متطلبات التحول الرقمي"، مع التأكيد على "تهيئة بناية الدائرة بالشكل الذي يسهم في حسن استثمار أملاك الدولة والحفاظ على المال العام".

وأضاف البيان أن سامي أوصت بـ"تشكيل فريق لتدريب الكوادر العاملة في الدائرة واستكمال التدريب خلال مدة أقصاها أسبوعين، على أن يتولى الفريق خلال شهرين حصر بيانات محافظة بغداد بالكامل وربطها بنظام (GPS)، تمهيدا لتهيئة البيانات للربط مع النظام الإلكتروني الذي طبّقته دائرة التسجيل العقاري، وبالتنسيق الكامل معها، حفاظًا على دقة البيانات ومنع أي تضارب أو ازدواجية في المعلومات".

النظام العقاري قائم على اختلالات بنيوية

ويؤكد الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن، أن الحديث عن أتمتة ملف العقارات والقضاء على الفساد يبقى حديثا غير واقعي ما دام النظام العقاري نفسه قائماً على اختلالات بنيوية، مشيراً إلى أن الفساد في هذا الملف ليس حالة طارئة يمكن معالجتها بإجراءات تقنية، بل هو جزء أصيل من آلية العمل المعتمدة.

 ويقول حسن لـ"طريق الشعب"، إن إخفاء المعلومات العقارية وغياب الشفافية يفتحان الباب أمام التسويات غير القانونية، في وقت لا تتجاوز فيه نسب التسجيل العقاري في العراق 10 في المائة مقارنة حتى بالدول المتخلفة، بحسب وصفه.

ويستشهد حسن بلقاءات سابقة مع مسؤولين حكوميين، كاشفاً عن خسائر مالية جسيمة تصل إلى سبعة مليارات دينار عراقي في دائرة فرعية واحدة فقط خلال يوم دوام واحد، متسائلاً عن حجم الخسائر الفعلية إذا ما جرى احتسابها على مستوى عشرين مديرية، وما يمكن أن تعنيه هذه الأرقام شهرياً وسنوياً، في ظل تقليص أيام الدوام بسبب العطل.

ويرى أن هذا الهدر المالي كان من الممكن أن ينعكس على تقليص البطالة والفقر وتحسين المستوى المعيشي، لا سيما أن الدستور ينص بوضوح على ضمان حياة كريمة وتعليم مجاني وحق العيش الرغيد، وهي بنود يصفها بأنها تحولت إلى "كلمات بلا تطبيق".

وينتقد حسن التركيز على المشاريع العملاقة من جسور وبنايات دون الاستثمار الحقيقي في الإنسان، مؤكداً أن التنمية لا تُقاس بالمنشآت وحدها ما لم تُترجم إلى تحسن فعلي في حياة الفرد العراقي، خصوصاً في بلد يمتلك مواردَ كبيرة من نفط وصناعة وزراعة، لكنها غير مستغلة بسبب غياب الإدارة الفنية السليمة.

ويشير إلى أن تصريحات سابقة لوزارة المالية أكدت وجود خلل في إدارة المال العام وبرمجته، إلا أن هذه التحذيرات لم تُناقش بجدية داخل مجلس النواب، "الذي بات أسيراً للامتيازات، مع استثناء قلة من النواب الذين يرفعون أصواتهم دون أن يجدوا طريقا إلى التنفيذ" حسب تعبيره.

ويحذر حسن من أن استمرار الخسائر اليومية، التي قد تتجاوز سنوياً حاجز التريليون دينار، يدفع الحكومة إلى اللجوء لزيادة الرسوم والغرامات، ما يفاقم الاحتقان الاجتماعي ويغذي موجات التظاهر، في وقت يعاني فيه الخريجون من البطالة، ويُزجّ بهم في أعمال هامشية لا تليق بمؤهلاتهم.

ويتساءل حسن بمرارة عن بلد يستورد عمالة أجنبية في حين يعجز شبابه عن إيجاد فرص عمل، معتبراً أن المشكلة ليست في شح الموارد بل في غياب البرمجة الاقتصادية والإدارة الرشيدة.

وفي ما يتعلق بملف الأتمتة، يشدد حسن على أن الاعتماد على السجلات الورقية المتراكمة في الدوائر، والتي تضم ملايين الملفات، يخلق بيئة خصبة للفساد والتلاعب، ويؤدي إلى كوارث قانونية تمس حقوق المواطنين، حيث إنه قد يكتشف مواطن ما بعد سنوات أن عقاره مسجل باسم جهة حكومية.

ويشير الى أن الحلول التقنية موجودة، ومنها اعتماد نظام تحقق إلكتروني يربط آخر معاملة تصرفية للعقار ببطاقة ذكية، بدلاً من إخضاع المعاملة لمراجعة مئات الأوراق التي تستغرق وقتاً وجهداً وتفتح باب الرشوة.

الرقمنة.. عامل مساعد

فيما يرى الباحث الاقتصادي عبدالله نجم، أن الأتمتة وربط سجلات عقارات الدولة بنظام GPS خطوة مهمة لكنها غير كافية لمعالجة الأزمة، مؤكداً أن فساد العقارات في العراق متجذر منذ سنوات، ويعتمد على اختلالات إدارية وقانونية متراكمة. ويضيف نجم ان "المواطن يرى ان أملاك الدولة تُستغل أو تُباع بشكل غير قانوني، والإيرادات المفقودة تعني خدمات أقل وفرص عمل أقل. فمجرد تحويل الملفات إلى النظام الرقمي لا يغير من هذا الواقع".

ويشير نجم في تعليق لـ"طريق الشعب" إلى أن الزيادة في الإيرادات الناتجة عن الأتمتة لا تنعكس مباشرة على حياة المواطنين، قائلاً ان "الخريجين ما زالوا بلا وظائف، والفقراء يواجهون ارتفاع الإيجارات والأسعار. الحل الحقيقي يحتاج إلى الرقمنة، مع مراقبة كل عقد وتصرف، واسترداد العقارات المهدورة".

وعن سوق العقارات، يؤكد نجم أن ارتفاع الأسعار يجعل الاستثمار في القطاع صعباً على المواطن محدود الدخل وحتى المتوسط، مضيفاً ان "الرقمنة تساعد على الحد من التزوير وتنظيم السوق، لكنها لا تغني عن قوانين واضحة ومراجعة العقود المخالفة لضمان العدالة".

ويختم نجم بالقول: ان "أي خطوة من دون إرادة حقيقية لمحاسبة المتجاوزين ستظل شكلية، ولن يشعر المواطن بأي تغيير ملموس على أرض الواقع".

وكانت دائرة عقارات الدولة أكدت خلال شهر تشرين الثاني من العام الماضي زيادة إيراداتها بنسبة 80 في المائة في 2023 مقارنة بعام 2022، مشيرة إلى أن التحول الإلكتروني في الدائرة سيسهم في توفير المعلومات الكاملة عن العقارات وربط العمل بين الفروع المختلفة.

وقالت مدير عام الدائرة نادية رشيد: إن استخدام نظام الجباية الإلكترونية (POS) ضمن المشروع يُسرع عملية تحصيل الإيرادات ويحدّ من مظاهر الفساد، معربّة عن أن المشروع وصل لمراحل متقدمة وسيعزز سرعة إنجاز المعاملات والتعامل المباشر مع المواطنين.

خطوة للحد من الفساد الإداري

من جانبه، يقول علاء الفهد، عضو المكتب الإعلامي للبنك المركزي، أن الحكومة العراقية تسعى جاهدة لتطبيق الحكومة الإلكترونية وأنظمة الحوكمة التي تمتلك القدرة على الحد من الفساد الإداري والتلاعب في مختلف القطاعات، لا سيما في مجال التسجيل العقاري.

ويضيف في حديث لـ"طريق الشعب" أن أتمتة التسجيل العقاري وتطبيق أنظمة GPS في هذا المجال يلعبان دورا مهما في ضبط عمليات التلاعب التي تحدث بين الحين والآخر، خصوصا في جانب بيع أراضي العراقيين المقيمين في الخارج.

ويشير إلى أن استخدام السجلات الورقية كان السبب الرئيس في عمليات التزوير والتلاعب التي شهدها السوق العقاري، مضيفا أن تطبيق نظام GPS وأنظمة التسجيل الإلكتروني يسهم بشكل كبير في الحد من هذه الحالات، ويحفظ حقوق مالكي العقارات.