اخر الاخبار

بينما تقف الحكومة العراقية في مطلع عام 2026 لترسم صورة وردية عن إنجازاتها، معلنةً بكل ثقة عن تنفيذ 88 في المائة من مستهدفات برنامجها الحكومي، تبرز على الضفة الأخرى حقائق مريرة تعصف بجيوب الغالبية العظمى من المواطنين وتكذب لغة الأرقام الصماء.

هذا الرقم المرتفع، الذي يقترب من "الكمال الإداري"، يواجه اليوم جداراً صلداً من المعطيات الميدانية التي تؤكد أن النجاح المعلن ليس سوى "إنجاز ورقي" لم يجد طريقه في حياة الناس التي تكتوي بنيران الغلاء المعيشي والازمات الاقتصادية المتوالية.

تناقض صارخ بين الأرقام والواقع

تبدأ أولى ملامح التشكيك في هذه النسبة من "المنسوب المالي" للدولة، ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن نجاح باهر، تكشف التقارير الاقتصادية الرصينة عن تراجع مقلق في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تجاوزت (7 في المائة) خلال عام 2025، وهو مؤشر ينسف أي ادعاء بالرفاه.

هذا التراجع هو ترجمة فعلية لانكماش القدرة الشرائية للعائلة العراقية التي باتت تواجه عام 2026 وهي مثقلة بارتفاع أسعار المواد الأساسية، نتيجة الفجوة المزمنة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازي الذي لا يزال متمرداً عند مستويات (1450) دينارا للدولار، ما خلق "تضخماً خفياً" يلتهم الرواتب قبل وصولها الى المنازل.

وعلى صعيد الإدارة المالية، يظهر التناقض الصارخ عند النظر الى الازمات في هذا القطاع بحد ذاته، فبينما تدعي الحكومة إنجاز قرابة (90 في المائة) من برنامجها، نجد أن العجز المالي لا يزال يهدد استدامة الرواتب، مع تزايد الاعتماد على الاقتراض الداخلي وارتفاع سقف الديون إلى مستويات حرجة.

كما إن حكومةً تدعي النجاح في تنفيذ خططها يفترض أن تكون قد حققت استقراراً في التدفقات النقدية، لا أن تدخل العام الجديد وهي تواجه شبح "أزمة سيولة" تضطرها لتأخير مستحقات الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من السيولة، مما يشير إلى أن النسبة المعلنة تعتمد على "إجراءات إدارية" مثل توقيع العقود، وليس على "إنجازات مالية" تعكس وفرة في الخزينة أو كفاءة في الإنفاق.

أما في قطاع الخدمات، الذي يمثل حجر الزاوية في أي برنامج حكومي، فإن واقع الكهرباء في شتاء وصيف عام 2025 وبداية 2026 يقدم الدليل الأكثر فجاجة على زيف الأرقام المرتفعة.

فما زال العراقيون يرزحون تحت وطأة القطع المبرمج، وما زالت المحطات الاستراتيجية تعاني من نقص إمدادات الغاز، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: أي مستهدفات تلك التي أُنجزت بنسبة (88 في المائة) بينما لم تُحل عقدة الظلام التي تلاحق العراقيين منذ ما يزيد عن عقدين؟

وعند الانتقال إلى ملف النزاهة والشفافية، نجد أن العراق لا يزال يتذيل المؤشرات العالمية، حيث وضعت تقارير عام 2025 البلاد في مراتب متأخرة جداً نتيجة استمرار سطوة الفساد على العقود الكبرى.

كما ان بقاء العراق في المركز (140) عالمياً من اصل (180) دولة في مؤشر مدركات الفساد يعني بالضرورة أن جزءاً كبيراً من الأموال التي خُصصت لتنفيذ البرنامج الحكومي قد تعرضت للهدر أو التلاعب، ما يجعل نسبة الـ (88 في المائة) مشكوكاً في قيمتها النوعية؛ فإنجاز مشروع بضعف كلفته الحقيقية أو بمواصفات متدنية لا يمكن اعتباره نجاحاً وطنياً، بقدر ما هو استنزاف لموارد الدولة تحت غطاء الإنجاز الرقمي.

المشهد العراقي في عام 2026 يشير إلى أننا أمام فائض في الوعود وعجز في النتائج؛ فبينما تنشغل المكاتب الحكومية بإصدار نسب مئوية مبهرة تهدف لتجميل الصورة قبل الاستحقاقات السياسية القادمة، يظل المواطن العراقي هو المقياس الحقيقي الوحيد. وهو مقياس يشير الى استمرار البطالة عند حاجز الـ (15 في المائة) بحسب تقارير وتفاقم أزمة السكن، وغلاء المعيشة الذي جعل الطبقة المتوسطة تقترب من خط الفقر.

أرقام تمثّل وجهة نظر الحكومة

من جهته، قال الأكاديمي وائل منذر إنّ نسب الإنجاز التي أعلنتها الحكومة تستند إلى معايير ومؤشرات اعتمدتها الجهات التنفيذية نفسها.

واكد منذر في حديث لـ "طريق الشعب"، أنّ تقييم الأداء الحكومي، خصوصاً في الجانب التنفيذي، يفترض أن يتم عبر جهة محايدة ومتخصصة تمتلك معايير قياسية واضحة وإمكانية الوصول الى البيانات الرسمية، بما يتيح إصدار تقديرات دقيقة حول نسب الإنجاز للوزارات والبرنامج الحكومي ككل.

وأوضح أنّ "الأرقام التي أعلنها مجلس الوزراء تمثّل وجهة نظر الحكومة، ما يستدعي وجود جهة إحصائية مستقلة للتحقق من مدى دقتها وإمكانية الاعتماد عليها"، لافتاً إلى أنّ "البيانات الحكومية تشير الى وجود 884 هدفاً ضمن البرنامج الحكومي، أُنجز منها 582 هدفاً، غير أنّ إشكالية الشفافية ما زالت قائمة بسبب عدم توضيح آليات الاحتساب والتفاصيل الفنية المرتبطة بتلك النسبة".

وبيّن أنّ "غياب النصوص القانونية التي تُلزم الجهات التنفيذية بنشر بياناتها بشكل دوري ومفصّل، يخلق صعوبة في قياس الأرقام المعلنة"، مشيراً إلى أنّ "بعض الوزارات قد تعتمد معايير خاصة بها وربما تضخم حجم إنجازاتها، نظراً لكونها مطالبة بتقديم نتائج ملموسة أمام مجلس الوزراء".

وشدّد على ضرورة أن "تُسند مهمة إعلان واحتساب بيانات الإنجاز الحكومي الى جهات متخصصة مثل وزارة التخطيط، أو أن تخضع لرقابة سياسية من مجلس النواب، إلى جانب دور المجتمع المدني، الذي نجد أنّ بعض أرقامه لا تتطابق مع ما أعلنه مجلس الوزراء".

وفي ختام حديثه، أوضح أنّ "مسألة الاتفاق أو الاختلاف مع نسب الإنجاز المعلنة تبقى مرهونة بتوافر معطيات مخالفة أو بيانات رقابية مستقلة"، مؤكداً "انتظار ما ستعلنه الجهات الرقابية الأخرى لإجراء مقارنة موضوعية بين الأرقام الحكومية وغيرها من التقديرات".

نسب إنجاز دعائية وغير واقعية

من جهته، انتقد المختص بالشأن الاقتصادي عبد السلام حسين نسب الإنجاز التي أعلنتها الحكومة، معتبراً أنّ تفنيدها لا يحتاج إلى لجان تمحيص وتحقيق بقدر ما يتطلب مقارنة مباشرة بين الواقع المعيشي للمواطن والوعود الرسمية، وهو ما يكشف – بحسب قوله – فجوة واسعة بين الأرقام المعلنة والواقع الاقتصادي والخدمي.

وأوضح في حديثه مع "طريق الشعب"، أنّ ما وصفه بالانفصال بين المنجز الإحصائي والواقع الفعلي يعود الى اعتماد معايير شكلية في احتساب الإنجاز، إذ يُعدّ إعداد الدراسات أو وضع الحجر الأساس لبعض المشاريع إنجازاً حتى وإن بقيت المشاريع متوقفة أو غير مكتملة على أرض الواقع.

وأضاف أنّ "نسبة الإنجاز التي تُطرح بوصفها نجاحاً حكومياً لا تعكس المؤشرات الاقتصادية الحقيقية"، مشيراً إلى وجود "ركود واضح في الأسواق وتراجع في القدرة الشرائية للأفراد بنحو (20 في المائة)، وهذا بحد ذاته دليلاً على ضعف الأداء الاقتصادي".

واكد أنّ تقييمه المهني لا يمنح الأداء الحكومي أكثر من (55 في المائة) في أفضل الأحوال.

وبيّن حسين، انه استناداً إلى متابعته لملف العقار، وجود خسائر مالية كبيرة لافتاً إلى أنّ بعض الدوائر الفرعية تسجّل خسائر يومية بسبب ضعف النشاط الاقتصادي. كما أشار إلى وجود اقتطاعات وتأخيرات في الرواتب وتحديات مالية كبيرة تطفو يومياً على السطح، ما يثير تساؤلات حول دقة الأرقام المعلنة بشأن نسب الإنجاز.

وأكد أنّ النسب المرتفعة التي تُطرح إعلامياً تمثّل "دعاية إعلامية أكثر منها تقييماً واقعياً"، داعياً إلى اعتماد "مؤشرات اقتصادية حقيقية لقياس الأداء الحكومي، والتركيز على الإصلاحات، إضافة إلى مراجعة السياسات المعتمدة التي تعود تكلفنا كثيراً".

وكان النائب السابق ياسر الحسيني، أكد في تصريح لـ"طريق الشعب"، أن حكومة السوداني أخفقت في ملف مكافحة الفساد، مشيراً إلى أن هذا الملف ما زال يشكل التحدي الأكبر أمام الدولة العراقية.

وقال الحسيني، إن "الحكومة الحالية لم تتمكن من وضع معالجات حقيقية لملف الفساد المستشري في مؤسسات الدولة"، مبيناً أن "الفساد يواصل ابتلاع موارد البلاد، ويقف عائقاً أمام أي عملية إصلاح أو تنمية".

وأضاف أن "استمرار هذا الإخفاق يضعف ثقة الشارع بالحكومة، ويجعل الشعارات المرفوعة مجرد وعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ".

يشار إلى أن قوى سياسية وشعبية طالبت مراراً باتخاذ خطوات أكثر جدية في محاسبة الفاسدين، معتبرة أن التغاضي عن هذا الملف سيضاعف الأزمات الاقتصادية والخدمية في البلاد.