اخر الاخبار

متابعة – طريق الشعب

 يتنافس زعماء البلدان الغربية الآن ً على لقاء المسؤولين في بكين. ولا تجد الصين نفسها مضطرة لتقديم أي تنازلات مقابل ذلك.

وفي هذا السياق يحلّ رئيس الوزراء البريطاني، لأول مرة، منذ 8 سنوات في بكين. ولم يكتفِ كير ستارمر باصطحاب وفد تجاري ضخم، بل أدلى أيضاً بتصريحات إيجابية للغاية تجاه مضيفيه، فبعد لقائه الخميس الفائت مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، قال ستارمر: "لطالما كنتُ واضحاً بشأن حاجة المملكة المتحدة والصين إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد ومتسقة وشاملة".

وستارمر ليس الوحيد، اذ يتسابق رؤساء الحكومات الغربية هذه الأيام للحصول على لقاء مع زعيم الحزب الشيوعي والدولة الصينية في قاعة الشعب الكبرى، على الرغم من أن الخلافات مع الصين ما تزال قائمة.

ويبدو ان تحولاً جيوسياسياً يحدث بسرعة كبيرة: فالحلفاء التقليديون للولايات المتحدة، الذين أكدوا مرارا التزاماتهم بحلف الناتو، يسعون الآن إلى تحقيق مسافة متساوية مع الصين.

غياب التنازلات الصينية

المدهش في هذا التطور هو عدم اضطرار الصين إلى تقديم أي تنازلات، بشأن الخلافات الجوهرية لتحقيق هذا النجاح الدبلوماسي. فما زالت الصين تضاعف نجاحاتها وهيمنتها في سياق الصراع بين مراكز الهيمنة العالمية.

إن حقيقة زيارات الرؤساء الفرنسي، والإيرلندي، والفنلندي إلى بكين خلال أسابيع قليلة،  تفسرها بكين على أنها اعتراف، بعدم إمكانية الاستغناء عن ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

والاختراق الكبير الذي حصدته الصين، تمثل في الوعد الذي أطلقه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع الصين، بعد احتجاز قوى الأمن الصينية قبل بضع سنوات، الكنديين مايكل سبافور ومايكل كوفريج بسبب نزاع سياسي بتهم التجسس المزعومة، بدا مثل هذا الوعد صعبا بل مستحيلا.

 ترامب يدفع الحلفاء إلى أحضان الصين

يدين الرئيس الصيني بهذا التطور حصراً لخصمه الأكبر المفترض ترامب. ويكتب سكوت كينيدي، الخبير في الشؤون الصينية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن: "أهنئ إدارة ترامب على دفعها بريطانيا وكندا وأستراليا وغيرها إلى أحضان بكين". ويضيف أن ما يحدث قضى نهائياً على أي فرصة لعزل الصين على الساحة الدولية.

لا تُقدّم بكين عرضها بشكلٍ أكثر جاذبية ولا أقل عدوانية، لكنها تُقدّم بديلاً يُمكن التنبؤ به، كما يقول رايان هاس من مركز بروكينغز للأبحاث في واشنطن. ويضيف: "لا أتوقع أن يتقرّب حلفاء الولايات المتحدة من بكين، لكنني أتوقع أن يجدوا توازناً جديداً بين الولايات المتحدة والصين في السنوات القادمة". بعبارة أخرى، حتى لو كان لدى قلة قليلة من السياسيين في أوروبا نظرة ساذجة تجاه الصين، فإنهم على الأقل يعرفون موقفهم من بكين. أما ترامب، من جهة أخرى، فيبقى غير قابل للتنبؤ به تماماً حتى بعد مرور عام على ولايته الثانية.

 استثمار أجنبي في الصين

ينعكس هذا التحول الجيوسياسي أيضاً على المؤشرات الاقتصادية. فخلال زيارة ستارمر إلى بكين، أعلنت شركة أسترازينيكا البريطانية العملاقة للأدوية عن استثمارات بقيمة 15 مليار دولار في الصين خلال السنوات القادمة، بهدف توسيع إنتاج الأدوية والبحوث في الصين.

بالإضافة إلى ذلك، زادت استثمارات الشركات الألمانية في جمهورية الصين الشعبية بأكثر من 50 في لمائة في عام 2025 مقارنة بالعام السابق. وينتقد أندرياس فولدا، الخبير في الشؤون الصينية بجامعة نوتنغهام، قائلاً: "بدلاً من تقليل المخاطر، تركز الشركات الألمانية في الصين بشكل أكبر على النمو. وهذا سيؤدي في النهاية إلى كارثة".

المستشار الألماني سيزور الصين

يبقى أن نرى ما إذا كان هذا سيؤدي إلى تقارب سياسي بين المانيا والصين. لم يُعلن بعد عن موعد رسمي لزيارة المستشار الالماني فريدريش ميرتس الأولى إلى الصين، ولكن من المتوقع أن تكون في نهاية شباط.

لطالما أظهر المستشار الألماني، وهو من دعاة العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة، وعياً نقدياً بالتحديات النظامية التي تفرضها الصين. وأخيرا ً، خلال أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، صرّح بأن ثلاثة تطورات قد غيّرت النظام الدولي تغييراً جذرياً: الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وإعادة تنظيم الولايات المتحدة استراتيجياً في عهد دونالد ترامب، وصعود الصين إلى مصاف القوى العالمية.

من الواضح، إذا لم تكن الصين مجرد "منافس نظامي"، كما هو منصوص عليه صراحةً في برنامج التحالف الحاكم في المانيا ، وإذا كان دونالد ترامب يتصرف بعدائية متزايدة تجاه أوروبا، فمن المرجح أن تفرض السياسة الواقعية درجة معينة من التقارب مع الصين.