اخر الاخبار

الصراعات الداخلية والسياسة الخارجية للعراق

نشر موقع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي دراسةً للباحث مايك فلييت، أشار فيها إلى أن الانقسامات الداخلية وقضايا الحوكمة في العراق تُعدّ المحرّك الرئيسي لسياسته الخارجية، سواء في التدابير الاستباقية أو في ردود الفعل، وذلك ضمن بيئة سياسية داخلية معقّدة تتسم بتضارب الرؤى والمصالح.

نهج التوازن

وذكر الباحث أن العراق، ولمواجهة الضغوط الخارجية، اتّبع نهج تنويع علاقاته الاقتصادية والأمنية في المنطقة، والسعي إلى خفض التصعيد، وموازنة مصالح القوى المتنافسة، ومنع التدخل الأجنبي. غير أن المصالح السياسية المتباينة للنخب، ولا سيما فيما يتعلق بتوازن العلاقات مع الولايات المتحدة وإيران، ما زالت تُشكّل تحديًا لهذه الأهداف.

وأوضح الباحث أن معاناة الحكومة العراقية من صراعات داخلية مع حكومة إقليم كردستان ومع القوى الحليفة لإيران، وفشلها في احتكار أدوات العنف، أثرت سلباً في علاقات البلاد الدولية وراحت تعرقل عملية بناء الثقة اللازمة للتعاون الأمني والاستثمار، وتجنّب العقوبات، وتبنّي موقف سياسي خارجي موحّد تجاه قضايا المنطقة. وضرب مثالًا على استنتاجاته برفض أطراف مهمة استمرار التنسيق الأمني مع واشنطن، رغم سعي رئيس الحكومة وبعض حلفائه إلى مواصلة هذا التعاون البراغماتي خشية استعادة داعش لنفوذها، ولا سيما بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، وما تسبّب به ذلك من قلق بالغ في بغداد من عودة محتملة للتنظيم الإرهابي.

ورغم التوقف النسبي لنشاط الفصائل، واصلت واشنطن ضغوطها بهدف دفع الحكومة إلى احتكار السلاح من جهة، وتخويف الجميع من تبعات أي تعرّض عسكري للكيان الإسرائيلي أو للمصالح الأمريكية في المنطقة من جهة أخرى، إلى جانب إيهام بغداد بأنها الضامن لمنع الكيان من مهاجمة أراضيها، وهو ما يثير التساؤل، إن صحّ ذلك، عن مصدر الضربات الرادارية. واستنتج الباحث وجود حاجة حكومية حقيقية للتوصل إلى اتفاق مع الفصائل المسلحة بشأن استخدام القوة، وتقليل الانقسامات الداخلية والقيود التي تفرضها هذه الانقسامات على جهود العراق لتحقيق التوازن في سياسته الخارجية.

سياسة "حسن الجوار"

وأشار الباحث إلى وجود ثلاثة أسس بنت عليها بغداد سياستها الخارجية خلال عامي 2024 و2025، وهي: التعاون مع تركيا لمواجهة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، والتعاون مع إيران لمواجهة مقاتلي حزب الحياة الحرة الكردستاني، وتكثيف الجهود المحلية والإقليمية لمكافحة المخدرات. وفيما فشلت الحكومة في مواجهة التحدي الذي تشكّله الفصائل المسلحة، نجحت – كما يبدو– في الضغط على الجماعات المعارضة العاملة انطلاقًا من الأراضي العراقية، وتوسيع نطاق جهودها في مكافحة المخدرات، رغم تأثّر ديناميكيات هذه السياسة إلى حد كبير بالأولويات الاستراتيجية لجهات خارجية، ولا سيما تركيا وإيران.

ويبدو، بحسب الباحث، أن الحكومة العراقية قد انخرطت في جهود محددة لمكافحة المخدرات، مع زيادة ملحوظة في العمليات ضد تجّار المخدرات خلال عامي 2024 و2025. ففي الربع الأول من عام 2025، اعتُقل 3006 تاجر، وصودرت أكثر من 2166 طنًا من المواد غير المشروعة، ونحو 1.1 طن من حبوب الكبتاغون، ما أسهم في احتلال مديرية مكافحة المخدرات العراقية المرتبة الثالثة في قمة الشرطة العالمية لعام 2024 في دبي.

الاقتصاد والاستثمار

ولتعزيز الثقة التي تولّدت من خلال استراتيجية “حسن الجوار”، أولت الحكومة أولوية لجذب الاستثمارات لمعالجة العجز المزمن في البنية التحتية والاقتصاد في العراق. ولهذا الغرض، جرى توقيع عدد كبير من مذكرات التفاهم بهدف تنويع الشراكات الإقليمية وإعادة دمج البلاد اقتصاديًا بعد سنوات من عدم الاستقرار. وشمل ذلك، بحسب الباحث، المضي قدمًا في مشروع طريق التنمية، وتوقيع اتفاقية تبادل النفط بالمياه مع تركيا لدعم مشاريع البنية التحتية للمياه. كما شهدت العلاقات العراقية – الصينية مزيدًا من التعمّق، إذ يُستمد ما بين 50 و67 في المئة من إنتاج العراق النفطي من حقول تشارك فيها شركات صينية، فيما تُسهم محطات توليد الطاقة التي بنتها الصين بنحو نصف إمدادات العراق من الكهرباء.

حذر وقلق مشروعان

وأكد الباحث أن مذكرات التفاهم والاتفاقيات التي شارك بها العراق ترتبط، مجتمعة، ارتباطًا وثيقًا بجهود بغداد الرامية إلى بناء علاقات إقليمية قادرة على معالجة التحديات الداخلية التي يواجهها العراق، ولا سيما تطوير البنية التحتية وخلق فرص العمل. ومع ذلك، فبينما تمثّل هذه المبادرات تقدمًا ملموسًا، فإن نجاحها سيتوقف على ما إذا كانت الحكومات المستقبلية ستختار البناء على هذه المكاسب، والأهم من ذلك، ما إذا كان الفساد المستشري، وبيئة الأعمال غير الشفافة، والميليشيات التي تُولّد المخاطر، ستُقوّض هذه الفرص في نهاية المطاف.