تدخل الأزمة السياسية في العراق منعطفًا بالغ الحساسية، مع تصاعد الضغوط الأمريكية الرافضة لإعادة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، وما رافقها من تهديدات صريحة بوقف الدعم وفرض عزلة اقتصادية محتملة. وبينما تتمسك قوى الإطار التنسيقي بخطاب "السيادة ورفض التدخل"، يرى مراقبون أن القرار السياسي العراقي بات مرتهنًا بالكامل للتدخلات الخارجية، نتيجة تراكمات طويلة من نظام المحاصصة والفساد، ما وضع البلاد أمام معادلة قاسية: إما الرضوخ للإملاءات الأمريكية أو الدخول في نفق العقوبات والأزمات الاقتصادية المفتوحة، في ظل عجز داخلي واضح عن إنتاج مشروع دولة أو قرار وطني مستقل.
وكان الرئيس الامريكي قد قال، مساء الثلاثاء، في تدوينة على منصة "تروث سوشيال"، إن عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة "أمر لا ينبغي السماح به"، معتبراً أن العراق "انزلق إلى الفقر والفوضى" خلال ولايته السابقة.
وأضاف أن الولايات المتحدة ستتوقف عن تقديم العون للعراق إذا انتُخب المالكي مجدداً، محذّراً من أن ذلك سيقوض فرص العراق في "النجاح أو الازدهار أو الحرية".
ويقول مراقبون للشأن السياسي ان الحكومة المقبلة ستواجه تحديات جدية تتمثل في المطالبة الامريكية بحصر سلاح الفصائل بيد الدولة، وحماية الاستثمارات الامريكية او سحب الدعم الأمريكي للعراق، ما يجعله عرضة لازمات اقتصادية.
الاطار يتجه لتغيير المالكي
ونُقل عن مصدر مطلع داخل الإطار التنسيقي، ان "قيادة الإطار تتجه الى سحب تكليف نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، بسبب الضغوطات التي تمارسها الولايات المتحدة، وللنأي بالعراق عن الصراعات الجارية".
واشار المصدر الى ان هناك خيارات عديدة قد يلجأ اليها بعض قادة الإطار، منها تشكيل ثلث معطل، او اجبار المالكي على سحب ترشحيه، وطرح شخصية ثانية من بينها حميد الشطري او باسم البدري او مصطفى الكاظمي، لافتاً الى ان الاطار سوف يعقد اجتماعات مخصصة لمناقشة هذه التداعيات.
وفي الاثناء، أعلن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، رفضه لتصريحات الرئيس الأميركي، مؤكداً استمراره بالترشح استناداً إلى قرار الإطار التنسيقي.
وقال المالكي في بيان، "نرفض رفضا قاطعا التدخل الاميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكا لسيادته ومخالفا للنظام الديمقراطي في العراق بعد العام 2003، وتعديا على قرار الاطار التنسيقي لاختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء".
قوى المحاصصة تتحمل المسؤولية
ويرجع الاكاديمي د. غالب الدعمي جوهر هذه الازمة الى القوى السياسية المتنفذة التي حكمت البلاد بعد 2003 عقب التدخل الأمريكي والتي لا تزال تتحكم بالمشهد حتى اليوم.
ويوضح ان "الأجيال السياسية المختلفة التي حكمت العراق بعد 2003 ظلت خاضعة للتأثير الخارجي المباشر وغير المباشر"، مشيراً الى ان "الولايات المتحدة لا تنوي الانسحاب وترك الساحة الى دولة أخرى عقب إنفاقها اموالاً طائلة، وهي تسعى الى ادامة نفوذها السياسي والأمني".
وبيّن الدعمي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "طبيعة العلاقة بين بعض القوى السياسية الشيعية في العراق مع النظام السياسي الإيراني، أسهمت في تكريس قناعة معينة لدى بعض هذه القوى بأن هذا التدخلات الإيرانية مقبولة وهي ليست تدخلاً خارجياً في الشأن السياسي، بل ينظر اليه على انه جزء من المشهد الموحد ذي الطابع العقائدي المشترك".
وتابع أن هذه الرؤية "لا تقتصر على القوى الشيعية فحسب، فهي تمتد أيضاً إلى جزء من المشهد السياسي السني، فيما تمتلك القوى الكردية هامشاً نسبياً من القرار المستقل"، على حد وصفه.
ولفت الى أن القوى السياسية المتحاصصة غالباً ما تلجأ الى الخارج لمعالجة ازماتها الداخلية وتسوية خلافاتها، وهو ما فتح الباب واسعاً امام التدخلات الدولية والإقليمية في كامل الشأن السياسي تقريباً.
وأضاف أن ايران، "على وجه الخصوص، تلعب دوراً محورياً في احتواء خلافات قوى الاطار التنسيقي، وجمع أطرافه، ومنع تفككه"، معتبراً أن هذا النمط من الحلول الخارجية كان سبباً رئيسياً في تعقيد الأزمات بدل حلّها.
وخلص الى القول إن "تغيير هذا المزاج السياسي يبدو مستبعداً في المدى المنظور، ما لم تحدث —صدمة سياسية كبيرة— تؤدي إلى إبعاد بعض الرؤوس المؤثرة التي ما تزال تصغي للنصائح والإملاءات الأجنبية، وتعيد رسم المشهد السياسي على أسس وطنية مستقلة.
لا قرار مستقلا ولا مشروع دولة
الى ذلك، قال المحلل السياسي باسل الكاظمي إن القوى المتنفذة تعيش وتعتاش على منطق الارتهان للخارج، حتى في مراحل وجودها بالمعارضة خارج البلاد، ما جعلها «مسيَّرة لا مخيَّرة»، وهذا ما أدى الى التدخل الخارجي الواسع في الشأن الداخلي، خصوصًا في ملف اختيار رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومات.
وأوضح الكاظمي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن التدخلات الخارجية "لم تأتِ من فراغ، وكانت نتيجة مباشرة لسلوك القوى السياسية نفسها التي فرشت البساط الأحمر لتلك الدول".
وأشار إلى أن "الولايات المتحدة والدول العربية والإقليمية لا تتحدث عن مباركة بقدر ما تركز في مواقفها على ملف الفصائل المسلحة والميليشيات"، لافتاً إلى أن "المجتمع الدولي ينظر إلى العراق بوصفه متهماً بكونه حاضنة للسلاح المنفلت الخارج عن سيطرة الدولة، الأمر الذي يستبعد معه أي دعم".
وأضاف الكاظمي أن "التباهي بالتبعية لهذه الدولة أو تلك أجهض مشروع بناء الدولة،"، مؤكداً أن "الشراكة الوطنية تتحقق حين يدافع المسؤول وعضو البرلمان عن العراق من زاخو الى الفاو، لا عن محافظة أو مكوّن أو جهة بعينها".
وشدد على أنه "لا يمكن الحديث عن قرار وطني مستقل أو شراكة وطنية حقيقية في ظل استمرار الثقافة السياسية نفسها منذ أكثر من (23) عاماً"، معتبراً أن "مشروع الدولة لن يرى النور ما دامت القوى السياسية المتحاصصة تستمد قوتها ودعمها من الخارج، لا سيما خلال المواسم الانتخابية".
وختم الكاظمي بالقول: إن "بناء الدولة يتطلب ان يكون المعيار الأول والأخير في قيادة البلد هو النزاهة والوطن، وأن تكون مصلحة البلاد فوق جميع المسميات والانتماءات".
أزمة بنيوية داخل الإطار
وعن اخر التطورات في ما يتعلق بملف مرشح منصب رئيس الوزراء، والموقف الدولي منه، تحدث المراقب للشأن السياسي جعفر الكعبي عن وجود "عجز لدى قوى الاطار التنسيقي عن اتخاذ قرار وطني، ما دفع الى فتح الباب واسعاً أمام التدخل الخارجي في هذا الاستحقاق السيادي"، مشيراً إلى أن هذا العجز يعكس أزمة بنيوية عميقة داخل الإطار، ومحاولة مكشوفة للبحث عن دعم دولي وإقليمي يكرّس نفوذه ويمنحه شرعية مفقودة داخليًا.
وأضاف الكعبي في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن الإطار "تحت ضغط الأزمات السياسية المتراكمة، بات يتعامل مع التدخل الخارجي بوصفه أداة لتقاسم السلطة، وتجاوز حالة الانسداد السياسي"، محذراً من أن "هذا المسار يضع القرار العراقي رهينة الإرادات الخارجية"، مشيراً الى أن الإطار التنسيقي سبق أن "أسّس لسابقة خطيرة تمثلت باستخدام “الثلث المعطّل” كسلاح سياسي، لكنه اليوم يدفع ثمن ذلك بعد أن انقلب هذا السلاح عليه من داخل مكوناته نفسها، ولا سيما من قبل قوى مثل الحكمة وصادقون، ما يكشف حجم التفكك الداخلي وفشل إدارة الخلافات".
وتابع أن "القوى السنية والكردية لا تمتلك أي ثقة بمرشح الإطار استناداً إلى التجارب السابقة"، لافتاً إلى أن "المرشح المطروح معروف بسجل حافل بصناعة الأزمات وتعطيل التوافقات، وهو ما يجعل تسويقه سياسيًا أمرًا بالغ الصعوبة".
وفي ما يتعلق بموقف مرجعية النجف والسيد الصدر أوضح "انها رفضت بشكل قاطع زجّ أسمائهما في ملف اختيار رئيس مجلس الوزراء، في إشارة واضحة إلى عدم منحهما غطاءً دينياً أو شعبياً لأي مشروع سياسي مأزوم".
وتحدث جعفر الكعبي عن "الازمة التي الاقتصادية التي تلوح في الأفق نتيجة غياب الرؤية لدى قوى السلطة"، معتبرًا أن "تجاهل هذه الأزمة قد يؤدي إلى نسف العملية السياسية برمتها في حال انفجارها"، موضحاً أن "بعض أطراف الإطار تسعى للحصول على مظلّة دولية أو إقليمية كوسيلة لضمان بقائها في المشهد السياسي وحماية مصالحها، في محاولة للهروب من تحمّل مسؤولية الفشل أمام الرأي العام، وتحميل الخارج تبعات إخفاقات داخلية باتت واضحة للجميع".