اخر الاخبار

بعد أن كانت النخلة العراقية رمزاً للازدهار الزراعي ومصدراً رئيسياً للدخل الوطني، تواجه اليوم تراجعاً مقلقاً في أعدادها وإنتاجها، وسط سياسات زراعية عاجزة عن حماية هذا الإرث البيئي والاقتصادي. وبين الجفاف وتغيّر استعمالات الأراضي وضعف الدعم الحكومي، يجد مزارعو التمور أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع واقع يهدد مستقبل أحد أهم القطاعات الزراعية في البلاد.

 

انخفاض الانتاج

يقول المزارع محسن عبد الأمير الفالح من محافظة كربلاء: ان "العراق الذي كان ينتج أكثر من 500 ألف طن من التمور سنوياً في السبعينيات والثمانينيات، شهد انخفاضاً حاداً في الإنتاج بسبب الحروب المتتالية والإهمال، حيث انخفض الإنتاج إلى نحو النصف، ما أثر على مكانة العراق كأحد المنتجين الرئيسيين للتمور على مستوى العالم".

ويضيف الفالح في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن التمور العراقية، بأنواعها المتعددة مثل الخستاوي والخضراوي والجمالي والحلاوي والساير والمكتوم، تشتهر بجودتها العالية وطعمها اللذيذ، ما يجعلها مطلوبة بشدة في الأسواق المحلية والدولية، "لكن للأسف، غياب الاهتمام الحكومي بالتمور العراقية جعلنا نرى في الأسواق تموراً مستوردة تغزو البسطات والمتاجر، بينما الإنتاج المحلي يكافح للبقاء".

ويرجع الفلاحون سبب الانحسار إلى عدة عوامل، أبرزها الحروب التي دمرت البنى التحتية الزراعية وسدود الري، بالإضافة إلى الإهمال الطويل من الحكومة في دعم الزراعة وصيانة الأراضي. كما يشيرون إلى أن الكثير من الأراضي الزراعية تحولت إلى مشاريع استثمارية أو مبانٍ سكنية، ما قلل المساحات المزروعة وزاد من معاناة المزارعين.

ويتابع الفالح ان "الجفاف وندرة المياه زادا صعوبة الزراعة، حيث أصبح ري النخيل تحدياً كبيراً، ما أثر على جودة وإنتاجية التمور. نزرع في ظل معاناة مستمرة، لكن الاستثمار العقاري والجفاف وغياب الدعم الحكومي يشكلون تهديداً مزدوجاً لمستقبل الزراعة في كربلاء".

ويخلص إلى القول إن العراق بحاجة ماسة إلى وضع استراتيجيات حقيقية لدعم مزارعي التمور، وضمان عودة الإنتاج المحلي إلى الأسواق، والحفاظ على إرث زراعي يمتد لعقود طويلة، بدل الاعتماد على التمور المستوردة التي تزيح المنتج المحلي من مكانته.

اهمال حكومي

فيما يؤكد مزارع اخر، يدعى فلاح عبد الكاظم عباس، من محافظة البصرة، أن واقع الزراعة في المحافظة يعكس مستوى واضحاً من الإهمال الحكومي الذي طال المزارعين وقطاع التمور على وجه الخصوص، حيث كانت البصرة تتصدر دول العالم في إنتاج التمور فقدت هذا الموقع خلال العقود السنوات الماضية.

يقول عباس لـ"طريق الشعب"، أن "النخيل يعد من أكثر الأشجار تحملاً للعطش مقارنة بغيره، إلا أن الجفاف وارتفاع الملوحة وانخفاض مناسيب المياه باتت تؤثر حتى على الأشجار التي تعتمد على المياه الجوفية".

ويتابع عباس بالإشارة إلى الانخفاض الحاد في أعداد النخيل، إذ كانت البصرة تضم في السابق قرابة 10 ملايين نخلة، بينما لا يتجاوز العدد حالياً نحو مليون نخلة فقط، في مؤشر خطير على حجم الخسائر التي لحقت بأحد أهم القطاعات الزراعية في المحافظة.

وأشار الى وجود محاولات حالياً لإعادة إنعاش هذا القطاع عبر بعض المبادرات والمشاريع المحدودة، معبّراً عن أمله بأن تسهم هذه الجهود في استعادة جزء من النشاط الزراعي، لاسيما أن دولاً عديدة باتت تنافس العراق في إنتاج التمور رغم أن جزءاً كبيراً من نخيلها يعود بأصوله إلى العراق.

التوسع في الزراعة

من جهته، يقول الناشط البيئي من محافظة البصرة علي قاسم، إن زراعة النخيل في العراق تواجه جملة من التحديات، في مقدمتها انحسار الأراضي الزراعية وندرة المياه، اللذان يشكلان سببين رئيسيين في تراجع هذا القطاع الحيوي.

وأوضح قاسم لـ"طريق الشعب"، أن هذه التحديات لم تمنع استمرار عمليات زراعة النخيل في عدد من المحافظات، ولا سيما في محافظة البصرة، مشيراً إلى مناطق صفوان والزبير التي تشهد توسعاً ملحوظاً في زراعة النخيل باستخدام أنظمة الري بالتنقيط والاعتماد على مياه الآبار، ما أسهم في تحقيق معدلات إنتاج عالية.

وبين أن أحد أهم العوامل التي شجعت على التوسع في زراعة النخيل هو الاعتماد على الفسائل النسيجية، التي تتميز بنسبة نجاح تصل إلى 100 في المائة، مقارنة بالطرق التقليدية السابقة التي كانت تعتمد على الفسائل المأخوذة من النخلة الأم، والتي لم تكن نسبة نجاحها تتجاوز 50 في المائة.

وأضاف أن التحدي الأبرز الذي يواجه قطاع النخيل حالياً يتمثل في ضعف الصناعات التحويلية، موضحاً أن العراق ما زال يعاني من قصور واضح في تطوير هذا الجانب، رغم الأهمية الكبيرة له في دعم القطاع الزراعي وتعزيز القيمة الاقتصادية للتمور.

وأشار إلى أن المنتجات المستوردة باتت تنافس التمور المحلية من حيث الجودة، في وقت لا تزال فيه الكثير من المعامل المحلية تعتمد على أساليب تقليدية في التصنيع، رغم وجود بعض المبادرات التي بدأت باستخدام تقنيات حديثة في كبس التمور وتصنيعها.

وأكد أن العراق يفتقر إلى وجود معامل تحويلية بأعداد كافية، خصوصاً في ظل توفر كميات كبيرة من النخيل في محافظات مثل كربلاء وبابل، حيث من المتوقع أن يزداد الإنتاج خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم مشكلة تلف التمور نتيجة عدم قدرتها على التخزين لفترات طويلة.

وأوضح أن هذا الواقع لا يشجع الفلاحين ولا التجار على الاستمرار في زراعة وتسويق التمور، ما لم يتم تطوير الصناعات التحويلية بشكل جاد، معتبراً أن النخيل يجب أن يكون من أولويات المرحلة الحالية، لا سيما مع وجود مشاريع زراعية كبرى في البصرة وكربلاء والحلة، إضافة إلى مشاريع العتبات المقدسة، ومنها مشاريع العتبة العباسية.

متوسط الصادرات

وتشير إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" إلى أن متوسط صادرات العراق من التمور بلغ في عام 2020 حوالي 600 ألف طن، أغلبها يُصدر إلى دول مثل تركيا، الهند، مصر، سوريا، الأردن، الإمارات، الصين، بنغلاديش، إضافة إلى بعض الأسواق الأوروبية والأمريكية. ويُظهر هذا الرقم حجم الطلب المتزايد على التمور العراقية في الأسواق العالمية، ما يعزز من قيمتها التصديرية ويدعم الاقتصاد المحلي.

وتُظهر بيانات "فاو" أن العراق لا يزال من بين الدول الرائدة في إنتاج التمور، إذ احتل المركز الرابع عالمياً في عام 2023 بإنتاج بلغ نحو 735 ألف طن. وتعكس هذه الأرقام قدرة العراق على الحفاظ على مكانته رغم التحديات البيئية، مثل الجفاف وندرة المياه، والاقتصادية، بما في ذلك ضعف الدعم الحكومي وتحويل بعض الأراضي الزراعية للاستثمار. 

هوية البلاد وتاريخها الاقتصادي

ويؤكد خبير الزراعة والمياه تحسين الموسوي، أن النخيل ليس مجرد شجرة في العراق، بل هو جزء أصيل من هوية البلاد وتاريخها الاقتصادي والبيئي. فالعراق، كما يقول، كان يتصدر دول العالم بعدد يقارب 33 مليون نخلة، في وقت لم يكن عدد سكانه يتجاوز خمسة ملايين نسمة، وكان ينتج أكثر من 680 صنفًا من التمور المصنّفة عالميًا كأجود الأنواع.

ويشير الموسوي في تعليق لـ"طريق الشعب"، إلى أن الحديث عن النخيل في العراق “له بداية وليس له نهاية”، نظرًا لما يمثله من قيمة اقتصادية كبيرة، إذ كانت موازنات العراق في فترات سابقة تعتمد بشكل أساسي على إنتاج وتصدير التمور.

غير أن هذا القطاع الحيوي تعرّض لتدهور كبير، نتيجة تراكم أسباب متعددة، في مقدمتها الحروب والعمليات العسكرية التي دمّرت مساحات واسعة من البساتين.

وينفي الموسوي أن تكون قلة المياه هي السبب الرئيس في تراجع أعداد النخيل، موضحًا أن حصة البساتين من المياه لا تزال متوفرة نسبيًا، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف القوانين وعدم تطبيقها، وغياب المتابعة الحكومية، خصوصًا فيما يتعلق بتغيير جنس الأراضي الزراعية وتجريف البساتين وتحويلها إلى منشآت صناعية أو سكنية بصورة مخالفة للقانون.

وبحسب الأرقام الحالية، فإن العراق الذي يقترب عدد سكانه اليوم من 47 مليون نسمة، لا يمتلك سوى نحو 12 مليون نخلة، في حين أن العدد الحقيقي للنخيل المنتج فعلياً لا يتجاوز ستة ملايين نخلة فقط. ويرى الموسوي أن هذا التراجع الكبير يعكس فشل السياسات الزراعية المتعاقبة.

ويضيف أن وزارة الزراعة كانت في السابق وزارة إنتاج واستثمار، تمتلك مشاريع حيوية داعمة للفلاحين، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى جهة بحثية وإرشادية محدودة التأثير، الأمر الذي انعكس سلبًا على الفلاح العراقي، الذي بدأ يهمل زراعة النخيل بسبب ضعف الجدوى الاقتصادية، واتجه بدلًا من ذلك إلى زراعة محاصيل استراتيجية أخرى ذات عائد أسرع، وهو ما يصفه الموسوي بأنه “خطأ جوهري في السياسة الزراعية العراقية”.

كما يلفت إلى أن قلة اللقاحات الزراعية وانتشار الأمراض التي تصيب النخيل، مع غياب حملات المكافحة، ساهمت في تفاقم الأزمة. ففي السابق، كانت طائرات وزارة الزراعة تنفذ عمليات رش واسعة للمبيدات، وتُوزَّع المواد على الفلاحين بإشراف لجان زراعية متخصصة، وهو ما غاب اليوم بشكل شبه كامل، إلى جانب غياب دور منظمات المجتمع المدني والجمعيات الفلاحية والنقابات المعنية.

ورغم هذا الواقع، يؤكد الموسوي أن العراق لا يزال يمتلك فرصة حقيقية للنهوض بقطاع النخيل، خاصة في هذه المرحلة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم الحكومي الحقيقي للفلاحين، وإيقاف عمليات تجريف البساتين، وإعادة تنظيم هذا القطاع الحيوي.

ويشير إلى أن النخيل من أكثر الأشجار تحمّلًا للجفاف، إضافة إلى دوره البيئي المهم في تقليل التلوث وامتصاص الغازات الضارة، ما يجعله ذا مردود اقتصادي وبيئي في آن واحد.

ويختتم الموسوي حديثه بالتأكيد على أن إعادة إحياء النخيل في العراق ليست "مشروع بطولة" أو إجراء شكليا، بل يحتاج إلى خطة وطنية شاملة، ودعم حكومي جاد، وتشجيع الفلاحين، وتفعيل الزراعة النسيجية، وحزمة من الإجراءات المتكاملة القادرة على إعادة النخيل إلى مكانته الطبيعية كرمز وهوية وثروة وطنية للعراق.