اخر الاخبار

في ظل أزمة اقتصادية تتسم بتداخل السياسات وغياب الرؤية الواضحة، برزت الخصخصة في العراق بوصفها خياراً مطروحاً لإصلاح الخدمات العامة، لكنها طُبِّقت على نحوٍ جزئي ومشوَّه حمّل المواطن كلفاً إضافية دون أن يلمس تحسناً حقيقياً في نوعية الخدمات. خبراء اقتصاديون يحذّرون من أن الخصخصة غير المنضبطة لا تعني إصلاحاً اقتصادياً بقدر ما تمثل انسحاباً تدريجياً للدولة من مسؤولياتها الأساسية، وتحويلاً للخدمات الحيوية إلى سلع تجارية تخضع لمنطق الربح، في بيئة تفتقر للمنافسة والرقابة، ما يفاقم الفوارق الاجتماعية ويجعل الفئات ذات الدخل المحدود الخاسر الأكبر.

اقتصاد بملامح غير واضحة!

يقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي، أن تطبيق الخصخصة لا يمكن أن يكون خطوة معزولة أو مرتجلة، بل يفترض أن يأتي بعد ترسيخ معايير واضحة لنظام اقتصاد السوق، وهو النظام الذي كان من المفترض أن تتبناه الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003. إلا أن الواقع، بحسب الشيخلي، يشير إلى أن ملامح الاقتصاد العراقي ما تزال غير محددة بشكل دقيق.

وأوضح الشيخلي لـ"طريق الشعب"، أن هذا الغموض في التوجهات الاقتصادية يفرض على الحكومات ضرورة دراسة النتائج المحتملة لأي نظام يتم اعتماده، ولا سيما الآثار السلبية التي قد تنعكس على المواطن في حال سوء التطبيق أو غياب الأطر التنظيمية والرقابية. واستشهد في هذا السياق بتجربة خصخصة جبايات الكهرباء، التي وصف نتائجها بغير المرضية، سواء من حيث مستوى الخدمة أو الأعباء المالية التي ترتبت على المواطنين.

وأشار إلى أهمية وجود رقابة فعالة من قبل الجهات القطاعية المختصة والمشرفة على هذه الأنشطة، لضمان التزام الشركات بالمعايير المحددة، وحماية حقوق المستهلك، ومنع تحولها إلى شكل من أشكال الاحتكار الذي يضر بالمصلحة العامة.

المواطن يتحمل الكلفة

اما استاذ الاقتصاد الدولي، د. نوار السعدي، فيجد أن ما جرى في العراق خلال السنوات الماضية هو انتقال جزئي وغير منظم لعبء التمويل من الدولة إلى المواطن؛ فبدلاً من أن تكون الخصخصة أداة لإصلاح هيكلي وتحسين كفاءة الخدمات، تحولت في كثير من القطاعات إلى وسيلة لتخفيف الإنفاق الحكومي على حساب الدخل الفردي.

ويقول السعدي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن هذا التوجه برز بشكل خاص في قطاعات حيوية مثل الكهرباء، والاتصالات، وبعض الخدمات البلدية والصحية. ففي هذه المجالات، تراجع العبء المباشر على الخزينة العامة شكلياً، إلا أن هذا التراجع لم يكن نتيجة إدارة أكثر كفاءة أو بنى تنظيمية أفضل، بل جاء ببساطة لأن الدولة انسحبت جزئياً من دورها التمويلي، ومررت الكلفة إلى المستهلك النهائي. وبهذا المعنى، فإن الدولة خففت إنفاقها، لكن المجتمع دفع الفرق، وأحياناً بأضعاف ما كان يدفعه سابقاً.

اقتصادياً، يشير السعدي إلى أن الخصخصة لا تُعد مبررة إلا إذا أدت إلى تحسين ملموس في جودة الخدمة مقابل السعر، أو على الأقل إلى استقرارها واستدامتها. غير أن الواقع العراقي، بحسب وصفه، يُظهر صورة مختلفة؛ إذ إن بعض الخدمات شهدت تحسناً شكلياً من حيث التوفر أو السرعة، إلا أن هذا التحسن لا يتناسب غالباً مع الارتفاع الكبير في الأسعار، ولا مع مستوى دخل المواطن.

ويضيف أن تفعيل القطاع الخاص جرى في بيئة تفتقر إلى المنافسة الحقيقية والرقابة الفعالة، ما أتاح تحقيق أرباح مرتفعة دون التزام صارم بمعايير الجودة أو حماية المستهلك. ونتيجة لذلك، يجد المواطن نفسه أمام معادلة غير متوازنة: يدفع أكثر، لكنه لا يحصل بالضرورة على خدمة أفضل بالقدر الذي يبرر هذه الكلفة.

أما على مستوى المخاطر، فيحذر السعدي من أن أخطر ما في الخصخصة هو تحويل الخدمات الأساسية من حق عام إلى سلعة تجارية. فعندما تُدار الخدمات الحيوية بعقلية الربح فقط، ومن دون إطار تنظيمي قوي يضمن العدالة والكفاءة، تصبح الفئات ذات الدخل المحدود أول المتضررين. وهذا الواقع يسهم في اتساع الفجوة الاجتماعية، حيث يتمتع القادرون مالياً بخدمات أفضل، فيما يُجبر ذوو الدخل المحدود على القبول بخدمات أدنى أو استنزاف جزء كبير من دخولهم لتأمين احتياجات أساسية.

ويخلص السعدي إلى أن المشكلة في العراق هي غياب الرؤية الشاملة التي توازن بين دور الدولة، وكفاءة القطاع الخاص، وحماية المواطن بوصفه الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

زيادة "التكاليف"!

في السياق، ذكر الباحث الاقتصادي عبدالله نجم إن خصخصة بعض الخدمات في العراق أدت إلى زيادة كلفة الحياة على المواطنين بشكل ملموس. الفئات الغنية قادرة على الحصول على الخدمات بسهولة، بينما تتحمل الفئات المتوسطة والفقيرة أعباء أكبر، وتواجه صعوبات في الوصول إلى الكهرباء والماء والخدمات الصحية.

ويضيف نجم في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن الخصخصة تقلل من قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية بشكل عادل وفعال، لأن القطاع الخاص يركز على تحقيق الربح أكثر من تلبية الاحتياجات المجتمعية، ما يزيد التفاوت بين المناطق الغنية والمهمشة، ويجعل المواطن البسيط الأكثر تضررًا.

وينوه نجم بأن ضعف الرقابة على الشركات المتعاقدة يزيد المشكلة، إذ ترتفع الكلفة دون أي تحسن ملموس في الجودة، ويعلق بأن الفئات الهشة تواجه خطر الاستبعاد من الخدمات الأساسية، مما يؤدي إلى تفاقم الفقر وزيادة التفاوت الاجتماعي.

ويشير إلى أن هذه التحديات الاقتصادية مرتبطة بشكل وثيق بالوضع السياسي في العراق، حيث غياب التخطيط المركزي ورغبة بعض الجهات في تخفيف الإنفاق الحكومي على حساب المواطنين، ما أدى إلى تنفيذ سياسات جزئية وغير متكاملة، وبالتالي إضعاف القدرة على إصلاح القطاع العام وجعل أي محاولة لتحسين الخدمات مرتبطة بالمناورات السياسية أكثر من الاحتياجات الفعلية للمواطن.