في ظل تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية في العراق، تشهد منصات التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية انتشاراً متزايداً لخطابات كراهية وتحريض طائفي تصدر عن صفحات معروفة وأحياناً عن شخصيات سياسية أو إعلامية، دون أن يقابلها تحرك رقابي واضح أو إجراءات قانونية رادعة. هذه الخطابات، التي تتجاوز حدود حرية التعبير لتصل إلى الإساءة والتحريض وتقويض السلم المجتمعي، باتت تشكل تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي، في بلد ما تزال ذاكرته مثقلة بتجارب العنف الطائفي وتداعياته الكارثية على الأمن والاستقرار.
أداة لتخدير الشارع
واتهم المحلل السياسي محمد زنكنة الدولة والأحزاب السياسية المتنفذة بالاستثمار في الخطاب الطائفي، معتبراً أن هذا الخطاب يُستخدم كأداة لتخدير الشارع ومنح شرعية زائفة لبعض القوى المتنفذة من أجل البقاء في السلطة.
وقال زنكنة لـ"طريق الشعب"، إن الخطاب الطائفي يقدم للرأي العام على أنه وسيلة لحماية المذهب أو الحزب أو القومية أو المبدأ السياسي، في حين أن الدولة – بحسب تعبيره – تتعامل بصمت وارتياح مع هذا النهج، بل وتشرف عليه أحياناً بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يسهم في ترسيخ روح سلبية تنمو تدريجياً داخل المجتمع.
وأضاف أن هذه الظاهرة باتت واضحة في عدد من المدن والمناطق، من خلال أطراف تسعى إلى تعميم حالة التدهور السياسي والاجتماعي على عموم العراق، بدلاً من العمل على ترسيخ نموذج سياسي دستوري قائم على المواطنة بعيداً عن الطائفية.
وتابع زنكنة أن الأحزاب السياسية المتنفذة، وبدعم خارجي سواء إقليمي أو من بعض الجهات والمنظمات ذات التوجهات العنصرية، إضافة إلى مصالح رجال أعمال مرتبطين بانتشار السلاح والمخدرات، تسهم بشكل مباشر في تغذية هذا الخطاب وتأجيج الانقسام المجتمعي.
وأكد أن الدولة تُعد شريكاً أساسياً في انتشار الخطاب الطائفي وتوسيع الهوة بين المواطنين، ما أدى إلى تعميق حالة انعدام الثقة داخل المجتمع، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يقود إلى تكريس صراع طائفي دائم.
وختم زنكنة حديثه بالتأكيد على أن نجاح هذه الأطراف في ترسيخ الخطاب الطائفي سيقود إلى نتيجة كارثية، تتمثل بانهيار مفهوم الدولة، مشدداً على أن استمرار هذا المسار يهدد بإنهاء كيان الدولة العراقية كلياً.
تغذية الفضاء الإعلامي بخطابات طائفية
وحذّر المحلل السياسي الدكتور عباس الجبوري، من خطورة الخطاب الطائفي وتأثيره العميق على السلم المجتمعي والواقعين الإعلامي والسياسي في العراق، مؤكداً أن هذا النوع من الخطاب أصبح من أخطر الأدوات المستخدمة لإسقاط الخصوم السياسيين، وابتزاز الجهات والشخصيات العامة.
وقال الجبوري لـ"طريق الشعب"، إنّ الخطاب الطائفي لم يعد مجرد رأي أو اجتهاد إعلامي، بل تحول لدى بعض الأطراف إلى وسيلة ضغط ممنهجة تُستخدم عبر القنوات الفضائية والمنصات الإعلامية، بهدف تشويه أطراف سياسية أو شخصيات بعينها، مشيراً إلى أن بعض من يروجون هذا الخطاب يفعلون ذلك مقابل أموال، في مشهد وصفه بـ"المقيت"، لما يحمله من تداعيات خطرة على المجتمع والشارع العراقي.
وأضاف أن الإعلام يُعد مرآة عاكسة لواقع الشارع، وبالتالي فإن تغذية الفضاء الإعلامي بخطابات طائفية سينعكس حتماً على سلوك المجتمع ويعمق الانقسامات، مؤكداً أن العراق دفع ثمناً باهظاً للطائفية عندما أُفسح المجال لأصوات وصفها بالنشاز لتأجيج الانقسام المجتمعي.
وانتقد الجبوري ضعف الإجراءات المتخذة بحق من يروجون للخطاب الطائفي، داعياً هيئة الإعلام والاتصالات إلى اتخاذ قرارات أكثر صرامة، وعدم الاكتفاء بعقوبات مؤقتة كمنع الظهور الإعلامي لمدة شهر، معتبراً أن هذه العقوبات غير كافية لردع هذا السلوك الخطير.
وشدد على ضرورة تدخل القضاء لمحاسبة من يتعمدون استخدام الخطاب الطائفي، مؤكداً أن هذا النوع من الخطاب لا يختلف في خطورته عن الإرهاب، بل وصفه بـ"إرهاب مجتمعي" يهدد السلم الأهلي، مشيراً إلى أن مخاطبة الجمهور بلغة طائفية لإسقاط طائفة أو مسؤول أو خصم سياسي يُعد شكلاً من أشكال العنف، وإن قُدّم بواجهة إعلامية مهذبة.
وختم الجبوري حديثه بالتأكيد على أن مواجهة الخطاب الطائفي مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تشريعات صارمة، وإرادة سياسية حقيقية، وإعلاماً مهنياً يضع مصلحة المجتمع فوق أي اعتبارات أخرى.
غياب القانون ينعش ترويجها
من جانبه، قال المختص بالشأن القانوني مصطفى البياتي، إن "الخطابات الطائفية المسيئة لم تعد حوادث فردية أو انفعالات عابرة، بل برزت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، وازدادت حدتها مع تصاعد الخطاب السياسي المشحون بالمظلومية والتعبئة المذهبية، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنابر العامة وبعض المناسبات الدينية أو السياسية مثل ما يحدث مع كل الانتخابات".
وأضاف البياتي لـ"طريق الشعب"، أن "أخطر ما في هذه الخطابات أنها لم تعد تقتصر على الإساءة اللفظية، بل تتضمن أحياناً تحريضاً غير مباشر على الكراهية والثأر، وهو ما يعيد إلى الأذهان أجواء ما قبل الحرب الطائفية التي شهدها العراق بين عامي 2005 و2008، عندما تحولت اللغة التحريضية إلى أعمال عنف واسعة النطاق”.
وبين أن "القانون العراقي واضح في هذا الجانب، إذ تنص المادة (372/خامساً) من قانون العقوبات على معاقبة كل من يسيء علناً إلى رمز أو شخصية موضع تقديس لدى طائفة دينية بالحبس مدة تصل إلى ٣ سنوات وبغرامة مالية، إضافة إلى إمكانية تشديد العقوبة إذا اقترنت الإساءة بالتحريض على الكراهية أو تهديد السلم المجتمعي".
وأشار إلى أن "الاكتفاء بتكييف هذه الأفعال ضمن ما يُعرف بجرائم المحتوى الهابط يُعد تقليلاً من خطورتها القانونية والاجتماعية، لأن الخطاب الطائفي لا يسيء إلى أشخاص أو رموز فحسب، بل يهدد وحدة المجتمع ويقوض الاستقرار العام، وهو ما قد يفتح الباب لتطبيق مواد أشد إذا ثبت أن الخطاب أدى أو يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات أمنية".
وختم البياتي بالقول إن "غياب التطبيق الصارم للقانون شجع على تكرار هذه الخطابات، ولذلك فإن الردع الحقيقي لا يتحقق إلا بتفعيل النصوص القانونية دون انتقائية، ومحاسبة كل من يسيء أو يحرّض مهما كانت الجهة التي ينتمي إليها".