في بلد يُفترض أن يكون النفط فيه رافعة الاقتصاد الأولى، تواجه واحدة من أعرق مؤسساته الوطنية نزفاً مالياً مزمناً يهدد وجودها، فشركة الحفر العراقية، الذراع الوطنية المتخصصة بحفر الآبار النفطية، تجد نفسها اليوم محاصَرة بسياسات غير داعمة، وشركات ثانوية مرتبطة بقوى متنفذة، حوّلت الإيرادات الى خسائر متراكمة، وسط تساؤلات جدّية عن جدوى استمرار هذا النهج وتأثيره على السيادة الاقتصادية للبلاد والشركات الاخرى الوطنية التي تعاني من ذات النهج.
إيرادات لا تغطي النفقات
كشف مصدر مطلع من داخل شركة حفر الآبار لـ"طريق الشعب" عن البيانات الداخلية للشركة التي تشير الى أن الإيرادات المتحققة حالياً لا تغطي النفقات، موضحا ان الخسارة تقدر بالملايين يوميا: كل مليون دينار إيراد، تقابله خسارة مليون وربع المليون دينار. بمعنى أن الشركة أصبحت خاسرة. وهذا الحال مستمر منذ ثلاث سنوات، الامر الذي يضع مصير 8 آلاف كفاءة وطنية على المحك.
وأرجع المصدر تلك الخسارة الى "الشركات الثانوية المرتبطة بمتنفذين، والسياسات التشغيلية غير الداعمة التي تهدف إلى تهميش دور الشركة وإضعاف قدرتها على المنافسة".
وتُعد شركة الحفر العراقية، بتاريخها الممتد لعقود في مجال حفر الآبار واستصلاحها في مختلف أنحاء البلاد، الصرح الوطني الوحيد المتخصص في هذا المجال، وتمتلك إمكانيات بشرية وفنية هائلة قادرة على منافسة الشركات الأجنبية.
وتضم الشركة أكثر من 8 آلاف منتسب من الكفاءات الهندسية والفنية، بالإضافة إلى أجهزة ومعدات متخصصة، إلا أن هذه الإمكانيات لم تُستثمر بالشكل الصحيح، بحسب المصدر.
من هو المستفيد الاكبر؟
وأوضح المصدر أن جزءاً كبيراً من الخسائر يُعزى إلى إسناد الأعمال المساندة لعمليات الحفر إلى شركات ثانوية، رغم المطالبات المتكررة بتمكين الشركة الوطنية وتجهيزها بالمعدات اللازمة لتنفيذ تلك الأعمال ذاتياً.
وأشار إلى أن بعض هذه الشركات، ورغم كونها وطنية، إلا أنها مرتبطة بجهات سياسية ومتنفذة، وتحقق أرباحاً طائلة من خلال عمليات تأجير معدات السيطرة على الآبار (BOP).
وأفاد بأن كلفة إيجار هذه المعدات تتراوح بين (10 إلى 20) مليون دينار عراقي يومياً، ومع امتداد عمليات الحفر لأكثر من شهر أو شهرين، تتضاعف الأعباء المالية بشكل كبير على حساب الشركة الأم.
ونوه بانه رغم صدور قرار سابق من مجلس الوزراء بتخصيص مبلغ مالي لدعم الشركة وشراء معدات خاصة بالحفر، إلا أن المشكلة لا تقتصر على توفير المعدات، بل تتطلب دعماً حكومياً حقيقياً من خلال منح شركة الحفر العراقية، الأولوية في العقود النفطية، ودعمها لمواجهة المنافسة غير المتكافئة مع الشركات الأجنبية، والتي تشكل تحدياً خطيراً يمس السيادة الاقتصادية الوطنية.
واشار الى ان الإعلان عن تنفيذ الشركة أكثر من (100) عملية حفر واستصلاح، يراد به التغطية على قضية الاستنزاف المالي الناتج عن ارتفاع الكلف التشغيلية والمصاريف الداخلية المستمر، محذرا من أن استمرار هذا الواقع ينذر بعواقب خطيرة، ما يستدعي ـ على حد قوله ـ تدخلاً عاجلاً وجاداً من الجهات المعنية لتبني إجراءات إصلاحية حقيقية، تضمن إنقاذ شركة الحفر العراقية والحفاظ عليها من التدهور والانهيار.
حفر واستصلاح 237 بئراً في 2025
وأعلن مدير عام شركة الحفر حسن محمد حسن، في وقت سابق، عن حفر واستصلاح 237 بئراً نفطية خلال عام 2025.
وقال حسن، إن الكفاءات الفنية والهندسية في شركة الحفر العراقية أنجزت خلال عام 2025 أعمال حفر 62 بئراً نفطية واستصلاح 175 بئراً أخرى، "بالتنسيق مع الشركات النفطية العراقية والعالمية العاملة في قطاع النفط العراقي".
واكد ان شركته تعمل على تعزيز قدراتها التشغيلية وتطوير أدائها الفني، بما يسهم في دعم خطط زيادة الإنتاج واستدامته، ودعم القطاع النفطي الوطني وتحقيق الأهداف الاستراتيجية لوزارة النفط.
ويقول مصطفى ايوب، مهندس نفط، إن كلفة حفر البئر النفطي أو الغازي تعتمد على مجموعة عوامل تقنية وبيئية واقتصادية متداخلة، أبرزها نوع الحفر وعمق البئر وطبيعة التكوينات الجيولوجية وموقع الحقل.
وأضاف أن الحفر الأفقي يُعد الأعلى كلفة مقارنة بالحفر التقليدي، نتيجة استخدام تقنيات ومعدات متقدمة، فضلاً عن زيادة أجور الكوادر الفنية المتخصصة.
وأشار إلى أن صعوبة التضاريس ووجود طبقات صخرية صلبة أو غازية ترفع من متطلبات السلامة والمواد الكيميائية، ما ينعكس على الكلفة النهائية، مبينا أن التكاليف لا تقتصر على مرحلة الحفر فقط، بل تشمل التخطيط والدراسات الجيولوجية، والحصول على الموافقات البيئية، إضافة إلى إعادة تأهيل مواقع الآبار بعد الانتهاء من العمل.
وبحسب التقديرات، خمن أيوب كلفة حفر البئر النفطية أو الغازية الواحدة بين 5 و20 مليون دولار، وقد تتجاوز ذلك في المشاريع التي تعتمد تقنيات متقدمة أو أعماق كبيرة، وهو ما يشكل تحدياً إضافياً لقطاع الطاقة في العراق.
استنزاف خطر
من جهته، قال الباحث الاقتصادي علي التميمي إن "ما يحدث لشركة الحفر العراقية هو نموذج بسيط يلخص المشهد العراقي كاملاً، وهو تجسيد واضح للفساد الإداري والاحتكار السياسي الذي يهدد الاقتصاد الوطني مباشرة".
وأضاف التميمي في حديث مع "طريق الشعب"، أن "من غير المقبول أن تتحمل الشركات الوطنية خسائر تفوق إيراداتها، لانعاش جيوب الاحزاب المتنفذة ومكاتبها الاقتصادية"، مؤكداً ان هذا السلوك "ينهك المؤسسة المذكورة وغيرها من المؤسسات التي تعيش القصة عينها".
وتابع قائلاً ان هذه السياسات تمثل انعكاسا لتدهور مفهوم السيادة الاقتصادية، حيث تتحول الموارد الوطنية الى أدوات أرباح خاصة للمتنفذين، على حساب المؤسسات الوطنية وقدرتها على المنافسة مع الشركات الأجنبية، محذرا من أن استمرار هذا النهج يؤدي إلى تراجع قدرة الدولة على إدارة مشاريع حيوية سواء في قطاع النفط، او غيره، وإضعاف الشراكات الوطنية.
وشدد التميمي على ان الحل ليس توفير بعض المعدات أو دعم مالي جزئي، وانما "ايجاد اصلاح حقيقي وتخليص الشركة من الفاسدين وهيمنة المتنفذين، عبر منحها الأولوية في العقود النفطية، وتمكينها من إدارة أعمالها بشكل مباشر، ومراجعة عقود الإيجار الضخمة التي تثقل كاهل الشركة".
وختم الخبير الاقتصادي قائلاً: “إذا لم يتم اتخاذ إجراءات إصلاحية عاجلة، فإن شركة الحفر العراقية وكوادرها قد تكون معرضة للانهيار، مع ما يعنيه ذلك من خسارة للخبرات الوطنية، واستنزاف للاقتصاد، وزيادة الاعتماد على الشركات الأجنبية، وهو سيناريو مقلق ويضيف اعباء اضافية”.