حذّرت وكالة التصنيف الائتماني العالمية من بيئة اقتصادية صعبة قد يواجهها العراق في عام 2026، مع توقعات بتفاقم العجز المالي وتآكل الاحتياطيات النقدية في حال عدم تنفيذ إصلاحات هيكلية عاجلة.
وذكرت الوكالة في تقرير لها، أن تراجع أسعار النفط بأكثر من 16% قد يؤدي إلى خسارة نحو (16) مليار دولار من إيرادات الدولة، ما يشكل ضغوطاً على الموازنة واحتياطيات البنك المركزي ويهدد استقرار سعر الصرف.
ورغم تثبيت التصنيف الائتماني للعراق عند (B-/B)، أكدت الوكالة أن استمرار الاعتماد على النفط وارتفاع الإنفاق الجاري يبقي الاقتصاد عرضة للمخاطر، ويحدّ من قدرة العراق على الاقتراض بشروط ميسرة مستقبلاً.
فرصة لإعادة ضبط المسار المالي
وفي هذا السياق، قال المستشار المالي لرئيس حكومة تصريف الأعمال، د. مظهر محمد صالح، أن أولويات العراق المالية في عام 2026 تتمحور حول مسارين متوازيين ومتكاملين، المسار الأول: الالتزام بالإطار القانوني المباشر لتطبيقات قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم 6 لسنة 2019 المعدّل، من خلال اعتماد الصرف بنسبة (1/12) من المصروفات الجارية الفعلية المتحققة في عام 2025، ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان استمرارية تسيير الحياة المالية والاقتصادية للدولة، إلى حين اكتمال المسار الدستوري والتشريعي لتشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية وإقرار الموازنة العامة".
وذكر أن "المسار الثاني يشمل المباشرة بإعداد مسودة قانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2026، والتي يُتوقّع أن تتجه نحو بناء أكثر صلابة لمبادئ الاستدامة المالية، عبر اعتماد آليات ما يعرف(بالتعزيز المالي)".
وأضاف، أن "هناك آليات واضحة ذات اتجاهين رئيسيين: الأول خفض العجز السنوي من خلال تعظيم الإيرادات غير النفطية، وإعادة فحص بنود الإنفاق وإعادة هيكلتها وفق معايير انضباط مالي عالية، مع توسيع نطاق البرامج الحكومية، وربطها بآليات متابعة دقيقة تقيس التنفيذ وتحقيق الأهداف".
وتابع أن "الاتجاه الثاني، هو خفض رصيد الدين العام، ولا سيما الداخلي، عبر تبنّي أساليب مبتكرة لتحويل الدين أو مبادلته بأصول منتجة ضمن حيازة النظام المصرفي الحكومي حصراً، بما يسهم في تنويع هيكل الاقتصاد الوطني، ورفع معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي وبما ينسجم مع مبادئ وأهداف خطة التنمية الوطنية 2024–2028".
ويعتقد صالح أن "عام 2026 يشكّل فرصة حاسمة لإعادة ضبط المسار المالي للعراق، عبر الجمع بين الانضباط القانوني المؤقت، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأجل، وعلى نحو يحوّل الاستقرار المالي من إجراء اضطراري إلى مسار تنموي مستدام".
فجوة خطيرة
في هذا الصدد، يقول الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه أن الخسارة المتوقعة البالغة نحو (16) مليار دولار من إيرادات النفط تُعد رقماً كبيراً وفق معايير المالية العامة العراقية، كونها تمثل فجوة مؤثرة في الموازنة الاتحادية، لا سيما أن أكثر من 90 في المائة من إيرادات الدولة تعتمد على النفط.
ويضيف عبد ربه لـ"طريق الشعب"، أن "خطورة هذا الرقم تكمن في توقيته واستمراريته وليست في حجمه فقط، إذ يأتي في ظل إنفاق تشغيلي مرتفع يشمل الرواتب والدعم الاجتماعي، ما يضيّق هامش المناورة المالية ويدفع الدولة إلى خيارات صعبة، أبرزها السحب من الاحتياطيات أو زيادة الاقتراض، بما يشكل ضغطًا مباشرا على الاستقرارين المالي والنقدي".
ويشير إلى أن التجربة العراقية تثبت أن "المشاريع الاستثمارية تكون أول المتضررين عند حدوث أي عجز مالي، في مقابل استمرار النفقات التشغيلية"، مرجحاً "تأجيل أو إبطاء تنفيذ مشاريع البنى التحتية الحيوية، مثل الكهرباء والمياه والطرق والإسكان، وهو ما يفاقم المشكلات على المدى المتوسط من خلال إضعاف النمو الاقتصادي وتأجيل معالجة الاختناقات الخدمية التي يعاني منها المواطن".
ويجد أن الإصلاحات المطلوبة التي أشارت إليها التقارير الدولية "ليست عامة أو نظرية، بل محددة وواضحة، وفي مقدمتها إصلاح هيكل الموازنة عبر تقليص الإنفاق التشغيلي غير المنتج وضبط التعيينات والدعم غير الموجّه، إلى جانب تعزيز الإيرادات غير النفطية من خلال إصلاح النظامين الضريبي والجمركي ومكافحة التهرب بشكل فعلي".
ويوضح عبد ربه أنه على المدى القصير "لا يمكن اعتبار النفط مصدرا رئيسا للإيرادات، بينما هناك بدائل جزئية قابلة للتفعيل، تشمل قطاعات الزراعة، والصناعات التحويلية الخفيفة، والبتروكيمياويات، إضافة إلى النقل والخدمات اللوجستية"، مؤكداً أن "المشكلة لا تكمن في غياب الفرص بقدر ما ترتبط بضعف الإدارة والاستثمار، ما يجعل مسار التنويع بطيئاً ويحتاج إلى إرادة سياسية وتنفيذية واضحة".
ويتوقع عبد ربه أن يواجه الاقتصاد العراقي خلال السنوات المقبلة "ضغوطاً متزايدة، تتمثل في تفاقم العجز المالي وارتفاع الدين العام، وتراجع الإنفاق الاستثماري، بما يحد من فرص العمل والنمو، فضلاً عن زيادة الهشاشة الاجتماعية، نتيجة تراجع جودة الخدمات وارتفاع البطالة المقنّعة".
ويحذر من أن "استمرار الاعتماد على النفط دون إصلاحات حقيقية يعني انتقال العراق من إدارة الأزمات إلى العيش الدائم داخلها"، معتبراً أن هذه التحذيرات "تمثل فرصة حقيقية، إذا ما أُحسن التعامل معها، لإعادة توجيه الاقتصاد نحو مسار أكثر استدامة".
الاضطرابات تنعكس في سعر الصرف
فيما رأى رئيس مرصد "إيكو عراق" علي ناجي، أن اعتماد الاقتصاد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية، يقابله ضعف واضح في القطاعات الإنتاجية غير النفطية.
وبيّن ناجي أن "الموازنة العامة لعام 2026 ستبقى رهينة سعر النفط العالمي، ونعتقد أن خام برنت لن يتجاوز 70 دولاراً حتى في حال حدوث اضطرابات جيوسياسية"، مضيفاً: "لكننا نرجح أن يتراوح سعر البرميل بين 58 و65 دولاراً، وهذه مشكلة كبيرة للعراق الذي يحتاج إلى سعر 82 دولاراً لتحقيق التوازن المالي".
وأضاف، أن "اقتصاد العراق سيظل معرضاً للعجز المالي بسبب تضخم الإنفاق الجاري، ولا سيما الرواتب والتقاعد والدعم الاجتماعي، مقابل محدودية الاستثمار الحقيقي المنتج".
واشار ناجي إلى، أن "الاقتصاد غير النفطي ما زال يعاني من بيئة أعمال معقدة، وبيروقراطية، وغياب تشريعات محفزة للاستثمار".
وبخصوص الاستقرار النقدي، أوضح مدير "إيكو عراق"، أنه "من المرجح أن يحافظ العراق على معدلات تضخم معتدلة نسبياً خلال عام 2026، في حال استمر البنك المركزي بسياساته الحالية وضبط سوق العملة".
وأضاف، أن "أي ضغط على الاحتياطي الأجنبي أو اضطراب في الإيرادات النفطية قد ينعكس سريعاً على سعر الصرف والأسعار المحلية، وهو ما يجعل الاستقرار النقدي مرتبطاً بشكل مباشر بالوضع المالي والنفطي".
وأكد رئيس "مرصد إيكو عراق"، أن "التحدي الأكبر يكمن في غياب إصلاحات اقتصادية جذرية، فالعراق بحاجة إلى إعادة هيكلة الإنفاق العام. كذلك تنشيط النظام المصرفي، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتقليل الاعتماد على الدولة كمشغّل رئيسي".
وأوضح، أنه "من دون هذه الإصلاحات، سيبقى الاقتصاد العراقي يدور في حلقة مفرغة تتضمن وفرة مؤقتة عند ارتفاع أسعار النفط، وأزمة مالية عند انخفاضه".
تحذيرات من مخاطر هيكلية
من جهته، قال أستاذ الاقتصاد الدولي د. نوار السعدي أن التقرير الأخير لوكالة التصنيف الائتماني العالمية، والذي توقع خسارة العراق نحو 16 مليار دولار من إيرادات النفط خلال عام 2026، يمثل تحذيراً جدياً من المخاطر الهيكلية التي تهدد الاقتصاد العراقي، ولا يمكن التعامل معه بوصفه رقماً مالياً مجرداً، بل مؤشّراً قائماً على معطيات واقعية.
واضاف السعدي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "الاعتماد شبه الكلي على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، يجعل الاقتصاد العراقي شديد الهشاشة أمام تقلبات الأسعار العالمية"، مشيراً إلى أن "التراجع المتوقع في أسعار النفط بأكثر من 16 في المائة سيؤدي إلى انخفاض حاد في الموارد المالية للدولة، ويكشف بوضوح غياب التنويع الاقتصادي الحقيقي".
وتابع أن هذا الانخفاض "يتزامن مع تحديات داخلية متراكمة، أبرزها ارتفاع الإنفاق الجاري ولا سيما فاتورة الرواتب، إلى جانب ضعف كفاءة إدارة الموارد المالية، ما ينذر بعجز مالي متزايد قد يدفع الحكومة إلى الاقتراض أو السحب من الاحتياطيات، الأمر الذي يفاقم مخاطر عدم الاستقرار المالي".
وحذر السعدي من أن "تآكل الاحتياطيات النقدية قد ينعكس سلباً على استقرار سعر الصرف"، مؤكداً ضرورة "التنسيق الوثيق بين السياسات المالية والنقدية من قبل الحكومة والبنك المركزي للحفاظ على الثقة بالدينار وضمان الاستقرار الاقتصادي".
وبيّن أن هذه المؤشرات "ليست مفاجئة من منظور اقتصادي، وانما هي نتيجة سنوات من الاعتماد على النفط دون بناء قاعدة إنتاجية وصناعية متينة، أو تنفيذ إصلاحات هيكلية حقيقية تشمل تنويع مصادر الإيرادات، وتعزيز دور القطاع الخاص، وإعادة هيكلة الإنفاق العام".
وخلص الى التأكيد على أن "عدم اتخاذ خطوات إصلاحية فورية، تتضمن تقليص الهدر، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، ودعم القطاعات الإنتاجية، سيؤدي إلى تفاقم العجز المالي والتباطؤ الاقتصادي، وينعكس سلباً على مستوى الخدمات العامة ومعيشة المواطنين".