يعد ملف المهاجرين واللاجئين العراقيين في الخارج إلى، واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً، في ظل غياب سياسة حكومية واضحة وتبادلٍ للمسؤوليات بين المؤسسات الرسمية؛ فبين تأكيد وزارة الهجرة والمهجرين أن دورها يقتصر على الجوانب الإنسانية، وصمت وزارة الخارجية عن تقديم توضيحات بشأن آليات التعاطي مع العودة القسرية أو الإبعاد، يبقى آلاف العراقيين عالقين في دول أوروبا، ولا سيما ضمن دول الاتحاد الأوروبي، بين رفض طلبات اللجوء ومخاوف الإعادة دون ضمانات.
خبراء وحقوقيون يحذّرون من أن استمرار هذا الإهمال، وغياب التنسيق المؤسسي والرؤية الاستراتيجية، يفاقم معاناة المهاجرين، وينذر بتداعيات إنسانية واجتماعية وأمنية أوسع، في وقت تتصاعد فيه الأزمات الدولية وتضيق فيه خيارات الحماية.
"لسنا الجهة المعنية"
في هذا الصدد، قال وكيل وزارة الهجرة والمهجرين، كريم النوري، إن وزارة الهجرة ليست الجهة المعنية بشكل مباشر بملف العودة القسرية أو الإبعاد، موضحاً أن هذا الملف يقع ضمن اختصاص وزارة الخارجية حصراً.
وبيّن النوري في حديث لـ "طريق الشعب"، أن دور وزارته "يقتصر على الجوانب الإنسانية والإغاثية، من خلال تسجيل أسماء العائدين وتقديم الدعم والمساعدة لهم بمختلف الأشكال".
واكد أن "الاتفاقيات والمذكرات التفاهمية مع الجهات الأجنبية أو الاتحاد الأوروبي، تُبرم حصراً من قبل وزارة الخارجية".
وأضاف أن "وزارة الهجرة تواصل أداء واجبها في إغاثة العائدين ودعمهم إنسانياً، فيما تبقى القرارات المتعلقة بالعودة أو أي ملفات سيادية أخرى خارج نطاق صلاحيات الوزارة".
الخارجية.. لا تعليق
في إطار سعيها للحصول على معلومات دقيقة بشأن آلية وخطة معالجة هذا الملف، تواصلت صحيفة “طريق الشعب” مع وزارة الخارجية للاستفسار، إلا أن الوزارة امتنعت عن الإدلاء بأي تعليق أو تقديم إيضاحات بهذا الشأن.
ملف مهمل
من جهته، قال عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان سابقًا، د. علي البياتي، إن ملف الهجرة ووجود العراقيين كلاجئين في دول أوروبا “ليس جديداً”، مشيراً إلى أن عدد العراقيين المرفوضة طلباتهم هناك قبل نحو ثلاث سنوات بحسب احد المسؤولين في الاتحاد الاوروبي كان (100) ألف شخص.
وأضاف البياتي في حديث مع "طريق الشعب"، أن هؤلاء الأشخاص "لا تنطبق عليهم معايير اللجوء الدولية أو الأوروبية، إما لعدم امتلاكهم الأدلة الكافية، أو لعدم استيفائهم الشروط القانونية المطلوبة"، مؤكداً أن "قوانين اللجوء تفرض معايير محددة وملزمة يجب على طالب اللجوء إثباتها".
وبيّن أن المسؤول الاوروبي اكد ان دولًا أوروبية أبدت في وقت سابق استعدادها للتعامل مع هذا الملف، بل وحتى إدماج أعداد كبيرة من العراقيين في سوق العمل، شريطة وجود تعاون رسمي من الحكومة العراقية، لا سيما في حالات انتهاء الإقامة أو وجود مخالفات قانونية، إلا أن الجانب العراقي – بحسب قوله – لم يُبدِ تعاوناً حقيقياً بهذا الشأن.
وأضاف أن وزارة الهجرة "يقتصر دورها أساساً على ملف النازحين داخل البلاد، ولا تمتلك الأدوات الكافية للتعامل مع ملف اللاجئين خارج العراق، رغم محاولاتها المحدودة للتدخل في هذا الملف"، مشيراً إلى أن وزارة الخارجية هي الجهة الأقرب للتعامل مع هذا الملف، مع وجود بعض المبادرات الأوروبية، بالتنسيق أحياناً مع وزارة العمل، تتعلق بإعادة اللاجئين أو منحهم فرصاً محددة.
وعزا البياتي ضعف الاداء في هذا الملف إلى "ضعف المؤسسات وارتباط قراراتها بأجندات سياسية ومصالح حزبية، وليس بمعالجات استراتيجية طويلة الأمد".
وأوضح أن "تحرك المؤسسات غالباً ما يكون تحت ضغط الرأي العام فقط وردّة الفعل، كما حدث في بعض الأزمات الأخيرة، ليكون التحرك مؤقتاً بهدف تهدئة الشارع، دون إيجاد حلول جذرية، رغم خطورة الملف وتفاقمه، خصوصاً في ظل الأزمات العالمية والتوترات الإقليمية".
وأشار البياتي إلى أن طالب اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي "يحصل، منذ لحظة دخوله، على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية كالسكن والمعيشة، وفي بعض الدول يُسمح له بالعمل بعد عدة أشهر، حتى قبل البت بطلب لجوئه، بهدف إدماجه في المجتمع".
وزاد بالقول أن بعض الدول توفر دعماً حتى للمرفوضين عبر منظمات إنسانية أو كنسية، الا انه اليوم هناك محاولات رسمية للحد من ذلك.
وأكد أن هذا الواقع "يدفع كثيرين، حتى ممن رُفضت طلباتهم، إلى البقاء بشكل غير قانوني، إذ يشعرون بأمان هناك، وقد يستمر وجودهم لسنوات طويلة، بل ويؤسسون عائلات، ويلجأون إلى المحاكم والمنظمات الحقوقية لتجنب إعادتهم".
وختم البياتي بالقول إن "هذا الملف ما زال بلا معالجة حقيقية، رغم تضاعف أعداد العراقيين في الخارج"، محذرًا من تداعيات مستقبلية في ظل الأزمات الدولية المتصاعدة.
ملف معقد ومتشابك
الى ذلك، وصف رئيس مؤسسة حق لحقوق الإنسان، عمر العلواني، ملف الهجرة واللجوء بأنه من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، مؤكدًا أن الحكومة تتعامل معه بارتباك واضح وغياب شبه تام للرؤية والمعالجة الجدية، رغم خطورته الإنسانية والأمنية.
وقال العلواني في حديث لـ "طريق الشعب"، إن "العراق يُعد من أكثر الدول التي تشهد هجرة شبابية واسعة، في وقت تدّعي فيه الحكومات المتعاقبة امتلاك برامج لمعالجة هذا الملف، إلا أن الواقع يكشف فشلاً ذريعاً في إدارة الأزمة، لا سيما مع تزايد أعداد طالبي اللجوء ورفض طلباتهم في دول عدة، وعلى رأسها دول الاتحاد الأوروبي".
وأضاف أن القضية "لم تعد محصورة بدولة واحدة مثل ألمانيا، بل باتت ظاهرة عامة، حيث تُقابل آلاف الطلبات بالرفض، وسط غياب أي برنامج حكومي جاد للتعامل مع تبعات ذلك"، محذراً من أن "المهاجرين فئة هشة، ويُعدّون من أكثر الفئات عرضةً للانتهاكات والاستغلال والجرائم المنظمة، في ظل غياب الحماية الحقيقية لهم".
وأكد أن هذا الملف "لا يمكن أن يُدار بردود فعل مؤقتة أو استجابة لضغط الرأي العام كما هي طبيعة الحال في ادارة الدولة في العراق، بل يحتاج إلى سياسة وطنية واضحة تشترك فيها رئاسة الوزراء ووزارات الخارجية والهجرة والتخطيط، بعيداً عن الارتجال والتكتم".
وأشار إلى أن الحكومة الحالية "أبرمت اتفاقات مع بعض الدول لإعادة مهاجرين عراقيين، وبعض هذه الإعادات جرت قسراً ودون رضا أصحابها، ما يطرح تساؤلا خطيرا حول احترام حقوق الإنسان، ويكشف غياب المعالجات الإنسانية الحقيقية، خصوصًا في ما يتعلق بالعودة الطوعية.
وأوضح العلواني أن الحديث عن “العودة الطوعية” لا يستند إلى واقع فعلي، إذ إن الغالبية الساحقة من طالبي اللجوء لا يمكن أن يعودوا طوعاً في ظل الظروف الحالية"، مشدداً على أن كثيراً منهم "يعيشون أوضاعاً معيشية ونفسية قاسية، ويعانون من انعدام الاستقرار، رغم أنهم ما زالوا يتمتعون ببعض الحقوق الأساسية كالسكن والمعيشة المؤقتة".
وختم بالقول إن ملف الهجرة "قضية إنسانية كبرى تتطلب شفافية، ومسؤولية، وإرادة سياسية حقيقية"، محذراً من أن "استمرار الإهمال سيُفاقم المأساة ويجعل آلاف العراقيين عالقين بين الرفض في الخارج والخذلان في الداخل".