لا تروي أرقام الاستيراد في العراق حكاية تجارة نشطة بقدر ما تكشف مسار اقتصادٍ يبدّد موارده خارج حدوده. فبينما تتدفق مليارات الدولارات سنويًا لشراء سلع أساسية وكمالية من الخارج، يبقى الإنتاج المحلي عاجزًا عن المنافسة في سوق مفتوحة بلا حماية حقيقية. هذا المشهد، الذي يتقاطع فيه النفط كمصدر شبه وحيد للدخل مع استيراد واسع يشمل الغذاء والسلع اليومية، يضع البلاد أمام معادلة خطرة تمسّ الاحتياطي الأجنبي، والأمن الغذائي، ومستقبل الصناعة الوطنية
المنتجات السلعية في العراق خلال عام 2022 نحو 24,199,930,2، وفق بيانات صادرة عن ﺍﻟﺟﻬﺎﺯ ﺍﻟﻣﺭﻛﺯﻱ ﻟﻺﺣﺻﺎء، اطلعت عليها "طريق الشعب"، في حين وصل حجم استيراد المنتجات النفطية إلى 7,790,853,0. وأظهرت البيانات أن إيران والصين تصدرتا قائمة الدول التي يستورد العراق منها منتجاته غير النفطية خلال ذلك العام.
وفي الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، كشفت البيانات الرسمية عن استمرار معدلات النمو في الاستيرادات، مع بروز نمط واضح يتمثل في تركّز الاستيراد من عدد محدود من الدول، إذ تصدرت كل من الإمارات والصين وتركيا قائمة الدول الأكثر تصديرًا إلى العراق.
كما أظهرت الأرقام تركزا كبيرا في الفئات السلعية المستوردة، حيث استحوذت 9 فئات سلعية فقط من أصل 99 فئة معتمدة عالميا على أكثر من 67 في المائة من إجمالي قيمة الاستيرادات العراقية. وجاءت الأجهزة والمعدات الإلكترونية والكهربائية في المرتبة الأولى، تلتها المعادن الثمينة، وفي مقدمتها الذهب، ثم السيارات ومعدّاتها، وصولًا إلى الأجهزة الميكانيكية، ولا سيما أجهزة التبريد، ما يعكس طبيعة الاستهلاك المرتكزة على السلع الجاهزة مقابل ضعف الإنتاج المحلي.
السياسة الاقتصادية للدولة
يؤكد مظهر محمد صالح، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، أن هذا الملف يحتل موقعا متقدما في تفكير صانع القرار الاقتصادي، ويشكل محورا استراتيجيا في إدارة السياسات العامة، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقة الحساسة بين انفتاح الاستيرادات والضغوط المتزايدة على الاحتياطي الأجنبي للبلاد.
ويشير صالح في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أنّ "الاحتياطي الأجنبي يُمول بنسبة تقارب 99 في المائة من عوائد النفط، ما يجعله موردا سياديا وحيدا عالي الحساسية، ومرتبطًا بشكل مباشر بمخاطر الجغرافيا السياسية والاقتصادية العالمية، فضلاً عن تقلبات أسواق الطاقة واختلال توازناتها. ومن هذا المنطلق، فإن أي توسّع غير منضبط في الاستيرادات ينعكس مباشرة على هذا الاحتياطي، ويضع الاقتصاد أمام اختبارات دقيقة".
ورغم ذلك، يوضح صالح أنّ "السياسة الاقتصادية للدولة لا تقوم على نهج منع الاستيرادات، سواء كانت سلعا أساسية أو استهلاكية، إذ تلتزم الحكومة بمبدأ حرية التجارة ضمن الأطر القانونية النافذة، مع استثناء السلع المحظورة بموجب التشريعات"، غير أن هذا الانفتاح، بحسب صالح، لا يُترك دون إدارة أو ضوابط، بل يُدار عبر حزمة من السياسات الجمركية والتجارية، وبالتنسيق الوثيق مع السياسة النقدية، بدل تحميل الأخيرة عبء معالجة اختلالات ناجمة عن سياسات أخرى.
وفي هذا السياق، برزت إجراءات التتبع الكمركي الرقمي كأداة تقنية متقدمة تهدف إلى تعزيز كفاءة إدارة التجارة الخارجية. ويرتبط هذا النظام بتعرفة كمركية مفعلة إلكترونيا، ومدعومة باستعدادات تشغيلية طويلة الأمد في المنافذ الحدودية. ويتيح النظام، على سبيل المثال، مطابقة بيانات الاستيراد مع التحويلات المالية بشكل فوري، ما يسهم في تقليص التشوهات، والحد من حالات عدم الامتثال، وتعزيز الشفافية.
ويقر صالح بأن المراحل الأولى لتطبيق هذه الإجراءات رافقتها بعض المظاهر البيروقراطية، إضافة إلى نقص في الخبرة الفنية، وهي تحديات يراها طبيعية في ظل قصر فترة التنفيذ وحداثة التجربة. إلا أنه يؤكد في الوقت نفسه أن المؤشرات المستقبلية توحي بتكيّف تدريجي وشامل لمختلف الأجهزة المعنية بالسياسات الاقتصادية، وكذلك للقطاع الخاص، مع آليات العمل الجديدة، بما يعزز التعاون والتكامل المؤسسي.
ويرى أن هذا المسار من شأنه أن يفرض مناخا اقتصاديا أكثر واقعية، يوازن بين متطلبات الانفتاح التجاري وحماية المصلحة الوطنية، ويعزز استقرار السوق وتوازنها، ويدعم مسار التنمية الاقتصادية.
كما يؤكد أن هذه السياسات لا تستهدف تقييد نشاط الوسط التجاري الأهلي، بل تسعى إلى تحقيق منفعة مشتركة له وللاقتصاد الوطني، ضمن إطار واضح للمصلحة الوطنية العليا.
المنافسة السعرية تضعف المنتج الوطني
يؤكد حسنين صالح مدير علام والعلاقات العامة للنسيجية، أن المعامل والمصانع التابعة للشركة وشركات أخرى جاهزة تمامًا لتلبية الطلبات، ولا تعاني من أي مشكلات في جانب الإنتاج. ومع ذلك، يشير إلى أن التحدي الأكبر يكمن في فارق الأسعار بين المنتجات المحلية والمستوردة، حيث تميل المنتجات المستوردة إلى الرداءة وضعف الجودة، فضلًا عن افتقادها للمعايير والتقييس المطلوبين، ما يجعلها أقل جودة بشكل واضح مقارنة بالمنتجات الوطنية.
ويؤكد حسنين في حديث لـ"طريق الشعب"، أن الصناعة الوطنية تتميز بجودة عالية ومستوى إنتاج يرقى إلى المعايير المطلوبة، مشدداً على الجهود المستمرة للنهوض بالمعامل وتطوير آليات التسويق.
ويضيف أن الإقبال على المنتجات المحلية جيد، سواء من قبل المواطنين أو الدوائر الحكومية، ما يعكس ثقة متزايدة في قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة وتلبية احتياجات السوق. ويشير الى أن المشكلة ليست في الإنتاج أو الجودة، بل في المنافسة السعرية مع المستوردين، داعياً إلى دعم المنتجات الوطنية وتعزيز مكانتها لضمان استدامة الصناعة المحلية وتطويرها.
توطين الصناعات
ويرى د. نوار السعدي، خبير اقتصادي، أن اعتماد العراق الكبير على الاستيراد بدلاً من الإنتاج المحلي يؤدي إلى تسرب جزء كبير من الدخل الوطني إلى الخارج، بدلاً من إعادة تدويره داخل الاقتصاد المحلي. هذا النمط الاقتصادي، وفقاً للسعدي، يضعف القطاعين الصناعي والزراعي الوطنيين، ويقلل من فرص العمل، ويجعل الاقتصاد العراقي هشا أمام تقلبات أسعار النفط، كما يزيد الضغط على العملة الأجنبية والميزان التجاري.
ويؤكد السعدي أن الحل لا يكمن في تنفيذ مشاريع عملاقة فحسب، بل يبدأ بتوطين الصناعات البسيطة والمتوسطة المرتبطة بالاستهلاك اليومي. ويشدد على أهمية حماية المنتج المحلي بشكل ذكي، وتسهيل التمويل، وضمان توفير الطاقة والبنية التحتية اللازمة، بالإضافة إلى ربط المشتريات الحكومية بالإنتاج المحلي.
ويختم السعدي بأن إنتاج ما نستهلكه تدريجي، حتى في أبسط السلع، هو الأساس الحقيقي لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الخارج، وهو الطريق نحو اقتصاد أكثر استقرار واستدامة.
الأمن الغذائي في خطر
فيما حذر أحمد محمد، مختص في الشأن الاقتصادي، من أن الاقتصاد العراقي يعيش حالة اختلال مزمنة، نتيجة اعتماده شبه المطلق على النفط الخام كمصدر وحيد للتصدير، مقابل استيراد واسع يشمل أبسط متطلبات الحياة اليومية، ما يجعل السوق المحلية مكشوفة وهشّة أمام أي أزمة خارجية.
وقال محمد لـ"طريق الشعب"، إن العراق تحول إلى بلد مستهلك أكثر منه منتج، إذ تمول معظم الواردات من عائدات النفط دون أن يقابلها أي استثمار حقيقي في قطاعات الزراعة أو الصناعة، مبينا أن هذا النمط أدى إلى خروج مليارات الدولارات سنوي من البلاد من دون أن ينعكس على فرص العمل أو تنشيط الاقتصاد الداخلي. وأشار إلى أن ملف الأمن الغذائي بات من أكثر الملفات خطورة، في ظل الاعتماد على دول محددة لتوفير الغذاء، ما يضع القرار الاقتصادي والسيادي تحت ضغط خارجي مباشر، ويجعل أي اضطراب سياسي أو تجاري في تلك الدول تهديد مباشرا للاستقرار داخل العراق. وأضاف أن جزءا كبيرا من السلع المستوردة يمكن إنتاجه محليا بتكاليف أقل على المدى المتوسط، لولا غياب التخطيط والدعم الحكومي الحقيقي للمنتج الوطني، مؤكدًا أن تقليص الاستيراد لا يعني إغلاق السوق، بل إعادة التوازن عبر تمكين الإنتاج المحلي وتشغيل الأيدي العاملة.
وختم أحمد محمد بالقول إن معالجة هذا الخلل تتطلب انتقالا جادا من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي، تكون فيه عوائد النفط أداة للبناء والتنمية، لا مجرد مصدر لتمويل الاستهلاك والاستيراد.