اخر الاخبار

كشف العمل الإرهابي الذي تعرض له حقل كورمور الغازي في إقليم كردستان، عن هشاشة حماية منشآت الطاقة الحيوية، وسط انتقادات سياسية حادة وتحذيرات من تداعيات خطيرة على الاستقرار الداخلي، وعلى مسار تشكيل الحكومة الجديدة، وعلى تجهيز الطاقة.

حيث يزيد هذا الهجوم من الضغوط الاقتصادية والأمنية على كلٍّ من بغداد وأربيل، إثر فقدان ما يقرب من 3 آلاف ميغاواط من القدرة الإنتاجية.

وفد أمني رفيع للتحقيق

ووصل وفد أمني رفيع من بغداد إلى إقليم كردستان صباح الجمعة، في خطوة تعكس خطورة الهجوم، الذي طال واحداً من أهم منشآت الطاقة في العراق، وأدى إلى تداعيات مباشرة على إنتاج الكهرباء وخسائر مالية يومية كبيرة.

وضم الوفد وزير الداخلية عبد الأمير الشمري، ورئيس جهاز المخابرات الوطني حميد الشطري، ووزير داخلية إقليم كردستان ريبر أحمد. وعقد الوفد اجتماعاً موسعاً في السليمانية لمناقشة إجراءات المتابعة والتنسيق الأمني، ووضع خطط عمل مشتركة لمنع تكرار الهجمات.

وكان رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني شكل لجنة تحقيقية عليا، برئاسة الشمري، ومشاركة جهاز المخابرات ووزارة داخلية الإقليم، وبإسناد من التحالف الدولي ولجان فنية من قيادة العمليات المشتركة.

وبدأت اللجنة عملها فوراً في موقع الحادث، على أن تقدم تقريرها اليوم الاحد، ويفترض أن يشمل تحديد الجهة المنفذة، ومكان إطلاق الطائرات المسيرة او غيرها، والجهة التي أصدرت الأوامر، إضافة إلى تقييم الأضرار ووضع توصيات لمنع تكرار الهجمات.

في بيانها الأخير، أعادت وزارة داخلية إقليم كردستان التذكير بأن لجنة سابقة مشتركة رفعت تقريراً نهائياً إلى رئيس الوزراء، حدد بوضوح الجهات المسؤولة عن سلسلة هجمات طالت منشآت الطاقة بين حزيران وتموز 2025. لكن "لم تُتخذ أي إجراءات ضد الجهات المسؤولة".

وقالت الوزارة إن عدم محاسبة المتورطين شجع "التنظيمات" على تكرار هجماتها، محذرة من أن استمرار التقاعس يمثل انتهاكاً للمسؤوليات الدستورية والأمنية للحكومة الاتحادية.

وتسبب توقف الحقل منذ لحظة الاستهداف، بحسب وزارتي الكهرباء والموارد الطبيعية في الإقليم، بتراجع كبير في إنتاج الطاقة، وسط مخاوف من استمرار الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة.

وأعلن مرصد "إيكو عراق" الاقتصادي أن الخسائر اليومية نتيجة توقف إنتاج الأنواع الثلاثة من الغاز في الحقل تتجاوز 7.41 ملايين دولار يومياً.

وينتج الحقل 530 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز الطبيعي، و1580 طناً من غاز LPG، إضافة إلى 22 ألف برميل يومياً من المكثفات، ما يجعل توقفه ضربة كبيرة للاقتصادين العراقي والكردستاني معاً، في ظل ارتفاع كلفة استيراد الغاز أو تعويضه بإنتاج محلي محدود.

لحظة سياسية حساسة

وقال سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الرفيق رائد فهمي، إن "حزبنا إذ يدين بقوة العمل الإرهابي الذي استهداف حقل كورمور الغازي في إقليم كردستان، ويعتبره اعتداءً على منشأة وطنية، ويمثل تهديدا لأمن العراق واقتصاده الوطني، فانه يتوقف في الوقت نفسه عند التساؤلات الجدية والمشروعة عن أسباب تهاون الحكومة في اتخاذ إجراءات فعالة لحماية هذا الحقل، الذي سبق أن تعرض الى تسعة استهدافات بالطائرات المسيرة خلال هذا العام، خصوصا أن الحكومة سبق أنْ صرحت بأنها تعرفت على هوية منفذي هذه الهجمات".

وشدد الرفيق فهمي في حديثه لـ"طريق الشعب"، على "أهمية الكشف سريعا عن القائمين بهذا العمل الإرهابي والجهات المتورطة فيه، وتقديمها إلى القضاء لتنال قصاصها العادل، في ظل الظرف السياسي الدقيق الذي يمر به العراق والتداعيات الأمنية والسياسية المحتملة في حال استمرار التردد والتهاون في اتخاذ الإجراءات".

ونوّه بأن "التعاون والتنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وأجهزتهما الأمنية مطلوب أكثر من أي وقت مضى، لايقاف مسلسل الاستهدافات للبنى التحتية في إقليم كردستان، وإحباط المرامي والأجندات المشبوهة والخبيثة للجهات التي تقف وراءه".

ودان رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني الهجوم بشدة، داعياً الحكومة الاتحادية إلى "العثور على منفذي الهجوم وإحالتهم للمحكمة"، كما دعا الشركاء الأميركيين والدوليين إلى توفير منظومة دفاع لحماية البنى التحتية المدنية في الإقليم.

كما دانت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، الهجوم، داعية السلطات العراقية إلى اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات التي تمس أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي.

فيما دعا عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية علي الساعدي رئيس الوزراء إلى "القبض على الجناة وعرضهم للرأي العام"، مؤكداً أن "عصابات الظلام" تهاجم الحقل الذي يوفر الكهرباء لخمسة ملايين مواطن.

يشار الى ان الحقل تعرض خلال العام الماضي لـ 11 هجوما أوقعت خسائر بشرية، إلا أن إنتاج الغاز استمر ولم يؤثر على كمية إنتاج الكهرباء، لكن الهجوم الذي وقع ليلة الأربعاء الماضي أوقف إنتاج الغاز تماما، وأثّر بشكل مباشر على إنتاج الكهرباء وتجهيز المواطنين، حيث انخفض تجهيز الكهرباء إلى 6 – 8 ساعات يوميا، وفُقد نحو 2700 – 3000 ميغاواط، بينما هبط الإنتاج إلى 1300 – 1400 ميغاواط، يتم توزيعها بالتساوي بين مدن إقليم كردستان.

ومع بدء عودة الإنتاج تدريجيا، يتوقع خلال 48 ساعة عودة التجهيز الطبيعي للكهرباء بعد إصلاح محطة كورمور.

يُعد حقل كورمور أكبر حقل في إقليم كردستان والعراق، ويقع ضمن قضاء جمجمال، حيث ترجع بدايات اكتشافه إلى عام 1928 عندما أجرت شركة نفط بريطانية عمليات بحث عن النفط هناك، وبعد عدة محاولات لاحقة للتنقيب، تبين أن المنطقة تحتوي على الغاز أكثر من النفط.

وفي عام 2008، ووفق اتفاق مع حكومة الإقليم وشركة دانا غاز، بدأ إنتاج الغاز لأول مرة من الحقل، والذي يصل إنتاجه اليوم إلى نحو 750 مليون قدم مكعب يوميا.

استئناف إنتاج الغاز

وبرغم الأضرار، أكدت مصادر مطلعة لـ"طريق الشعب"، أن شركة دانا غاز الإماراتية استأنفت عملية إنتاج الغاز داخل الحقل، لكنها ترفض استئناف التصدير إلى محطات الكهرباء قبل الحصول على ضمانات أمنية واضحة، خشية تعرض الأنابيب أو البنى التحتية لهجمات جديدة عند بدء ضخ الغاز.

وبيّنت المصادر، أن عودة التصدير تعني وصول الغاز إلى المحطات خلال ساعة فقط، واستئناف إنتاج الكهرباء خلال 24 ساعة، وهو ما سيعيد التجهيز إلى وضعه السابق، مشيرة إلى أن الحقل استأنف أيضاً تصدير الغاز المسال (LPG) إلى المحافظات، وهو غاز يستخدم في المنازل والسيارات والمصانع.

ولا تقتصر الخسائر على الجانب الاقتصادي والكهربائي، بل تمتد إلى ملف الأمن القومي.

فهجوم كورمور يضرب مشروعاً استراتيجياً يعد أساسياً في سعي العراق لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز، كما قال الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، الذي أكد أن الهجمات المتكررة "عمل مقصود لمنع العراق من الوصول إلى استقلاله في إنتاج الغاز".

كما يمثل الهجوم رسالة داخلية وخارجية، وفق مراقبين، بهدف الضغط على حكومة الإقليم، وإرباك قطاع الطاقة، وتأخير مشاريع زيادة الإنتاج التي تعوّل عليها بغداد وأربيل والشركات الأجنبية، خصوصاً المرتبطة بالإمارات وأميركا مثل: دانا غاز، كريسنت بيتروليوم، وبيرل بتروليوم.