اخر الاخبار

لم تعد أزمة سعر صرف الدولار تقتصر على غلاء السلع الاستهلاكية اليومية وحسب، إنما باتت تلاحق المواطن في تفاصيل حياتية كانت تُعد أساسية وتحولت اليوم إلى ثانوية بفعل ضغط المعيشة. إذ بات الكثيرون يضطرون إلى حرمان أنفسهم وعائلاتهم من بعض الكماليات والأغذية الإضافية، أو تأجيل صيانة سياراتهم، أو أجهزتهم الكهربائية العاطلة، أو حتى تصليح أثاثهم المنزلي المتضرر، وذلك نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار قطع الغيار والمواد الأولية.

وبينما اتجه البعض إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، اضطر البعض الآخر إلى اقتصار الانفاق على الحاجات الماسة فقط، لتأمين كفاف يومهم. فالأعطال المنزلية والمركبات المتضررة، تُشكل اليوم مصدراً إضافياً للإنفاق، خصوصاً أن جزءا من مستلزمات الصيانة يعتمد على الاستيراد، ما يجعل أسعارها عرضة للتأثر بتحركات سعر صرف الدولار وكلف الشحن والتوزيع.

ووسط هذا الركود والتراجع الحاد في الطلب، يواجه أصحاب الورش والمهن الحرة معادلة صعبة تهدد استقرار مصادر عيشهم، جراء الارتفاع المستمر في كلف المواد الأولية والإيجارات مقابل انحسار العمل، ما جعلهم في مواجهة مباشرة مع خطر الكساد بعد أن تحولت خدماتهم وصناعاتهم إلى خيارات مؤجلة في حسابات المواطن المثقل بالأعباء.

وتعود جذور هذه الأزمة إلى شهور عدة. فهي ليست وليدة اليوم فقط نتيجة التغيير الأخير في سعر صرف الدولار. إذ بدأت موجة الغلاء بالصعود التدريجي تزامنا مع تصاعد التوترات الإقليمية، وارتفاع كلف التعرفة الكمركية والضرائب والشحن – وفقا لمراقبين، يؤكدون أن الغلاء لم يقتصر على السلع والخدمات، إنما شمل أيضا إيجارات المحال والدور السكنية وكل شيء تقريبا، في سلسلة اقتصادية مترابطة يؤثر صعود بعضها في بعض تلقائيا.

تأجيل صيانة السيارات العاطلة

في حديث صحفي، يقول المواطن علي فائز أن صيانة السيارات والأجهزة الكهربائية العاطلة، أصبحت اليوم مكلفة، بسبب ارتفاع أسعار قطع الغيار، فضلا عن أجور أصحاب ورش التصليح، مبيناً أنه والكثيرون غيره باتوا يضطرون إلى تأجيل الإنفاق على تصليح مثل هذه الأعطال.

ويضيف قوله إن "أجور الصيانة (شغل يد الفني) سجلت هي الأخرى ارتفاعا. حيث يضطر أصحاب الورش إلى زيادة أجورهم لمواجهة موجة الغلاء العام وارتفاع تكاليف المعيشة"، مستدركا "لكن الزيادة الأكبر والأكثر عبئاً تتمثل في أسعار قطع التبديل التي سجلت قفزات كبيرة، ما جعل كلفة التصليح الإجمالية تشكل عبئاً مالياً مضاعفاً على المواطنين، لا سيما عندما يتطلب العطل استبدال أكثر من قطعة".

فيما يقول المواطن محمد ناصر، أنه "بسبب رداءة الطرق وضعف جودة الوقود، تتعرض السيارات باستمرار إلى أعطال، الأمر الذي يشكل عبئا على السائقين، لا سيما ذوو الدخل المحدود والعاملون بالأجرة"، مبيّنا في حديث صحفي، أنه موظف حكومي، ودخله الشهري الثابت بات عاجزاً تماماً عن مجاراة كلف صيانة هذه الأعطال المتكررة، خصوصاً في ظل القفزات المتتالية لأسعار قطع الغيار وأجور اليد العاملة، الأمر الذي يضطره إلى التعايش مع بعض الأعطال وتأجيل تصليحها ما دامت المركبة قادرة على السير.   

ويلفت ناصر إلى انه صار يلجأ إلى استخدام قطع غيار مستعملة أو تجارية منخفضة السعر لتقليل نفقات الصيانة، مشيرا إلى أن تصليح أبسط الأضرار الناتجة عن تعرض السيارة لضربة بسيطة أو خدش، قد يكلفه ما لا يقل عن 100 ألف دينار.

وينوّه ناصر إلى أن "قفزات الأسعار هذه لم تأتِ اليوم فقط بفعل تغيير سعر الصرف، إنما بدأت بالصعود التدريجي منذ شهور عدة، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية، وارتفاع كلف التعرفة الكمركية والضرائب، ناهيك عن صعود إيجارات المحال والورش، والتي أُلقت ظلالها مجتمعة على كلف السلع وخدمات الصيانة".

غلاء قطع غيار الأجهزة المنزلية

لا يقتصر ارتفاع كلفة الصيانة ومستلزماتها على السيارات، إنما يمتد إلى الأجهزة المنزلية، لا سيما الثلاجات والمكيفات.

في هذا السياق، يقول أبو مرتضى، وهو صاحب ورشة لصيانة الثلاجات والمكيفات، إن أعداد الزبائن تراجعت خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع الأزمة المالية التي يمر بها البلد وحالة الركود التي يشهدها السوق، مبيناً في حديث صحفي أن المواطنين أصبحوا يكتفون بالتصليحات الضرورية ويؤجلون تصليح الأعطال التي يمكنهم التعايش معها مؤقتاً.

وينبّه إلى أن "محال الصيانة لم ترفع أجور خدماتها، إلا أن أسعار قطع الغيار ارتفعت بصورة كبيرة. حيث تضاعفت أسعار بعض القطع، فيما سجلت قطع أخرى زيادات تجاوزت الضعف، ما انعكس على الكلفة النهائية التي يدفعها المواطن حتى مع ثبات أجور الفنيين".

ويوضح أبو مرتضى أن "قنينة غاز الفريون 22 الذي يُستخدم في أجهزة التكييف، كانت تباع بسعر يتراوح بين 80 و110 آلاف دينار، أما اليوم فقد ارتفع سعرها إلى نحو 180 ألف دينار، الأمر الذي يزيد كلفة الصيانة ويضع عبئاً إضافياً على المواطن".

ارتفاع أسعار الأثاث وتكاليف صيانته

وفي قطاع الأثاث، امتدت آثار الأزمة لتطال الورش المحلية التي تعتمد كليا على المواد الأولية المستوردة كالأخشاب والأقمشة. إذ تسببت زيادة كلف استيرادها وشحنها برفع أسعار المنتج الوطني، في وقت يواجه فيه هذا القطاع منافسة حادة من الأثاث الجاهز المستورد الأقل جودة والمتأثر هو الآخر بموجة الغلاء.

يقول النجار أحمد سند، إن "عمل ورشته تراجع بشكل كبير حتى أصبح الحصول على طلبات جديدة أمراً نادراً، مبيناً أن "كلف صناعة الأثاث محلياً ارتفعت بشكل حاد، نظراً لأن كل المواد والأخشاب التي نستخدمها مستوردة ومرتبطة بسعر الصرف وكلف الشحن".

ويلفت إلى أن "هذا الغلاء دفع الزبائن نحو الأثاث التجاري المستورد (التركي أو الصيني) الذي سجل بدوره ارتفاعاً في الأسعار، إلا أنه يظل أرخص بكثير من المحلي"، مبيّنا أن "كلفة صناعة غرفة نوم محلياً بمتانة عالية، تصل اليوم إلى نحو 3 ملايين ونصف المليون دينار، في حين يمكن شراء غرفة نوم تجارية مستوردة بنحو 900 ألف دينار، وهو فارق سعري شاسع يدفع المواطن إلى التضحية بالجودة".

ولم تسلم كلف صيانة الأثاث المتضرر من موجة الغلاء هذه. إذ يشكو مواطنون من الارتفاع الحاد في أجور النجارة، ما يدفع الكثيرين إلى غض النظر عن ترميم أثاثهم المتضرر، أو إلى تأجيل صيانته.

بناء المنازل وترميمها يدخلان دائرة التأجيل

لم تتوقف حدود المعاناة عند صيانة المركبات والأثاث، إنما امتدت لتطال قطاع البناء أيضا. حيث بات بناء الدور السكنية أو مجرد ترميمها يشكلان عبئا ثقيلا يفوق طاقة المواطن، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار مواد البناء والإنشاءات المستوردة.

في هذا الشأن، يقول المواطن عبد الحسن جبار، إنه كان ينوي تصليح وعزل سطح منزله قبل بدء موسم الأمطار، بعد أن عانى العام الماضي تسربا مستمرا للمياه إلى داخل الغرف.

ويوضح في حديث صحفي انه "كنت عازما على معالجة السطح هذا العام لحماية منزلي وعائلتي، لكنني فوجئت بالارتفاع الكبير في أسعار مواد العزل وأجور العمال، ما جعل كلفة الترميم تتجاوز قدرتي المالية بكثير، وأجبرني على تأجيل التصليح وقضاء الشتاء بلا حل".