يُعد مرض التبقع البني على الرز، أو ما يُعرف بالتبقع الهلمينثوسبوري، من أبرز الأمراض الفطرية التي تهدد محصول الرز في العراق وفي معظم دول العالم التي تزرع هذا المحصول الاستراتيجي. ويسببه الفطر Helminthosporium oryzae، ويأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية الاقتصادية بعد مرض لفحة الرز، نظرًا لما يسببه من خسائر كبيرة قد تصل إلى 50 في المئة من الإنتاج عند اشتداد الإصابة وعدم اتخاذ الإجراءات الوقائية والعلاجية المناسبة.
وتبدأ أعراض المرض بظهور نقاط صغيرة جدًا بنية اللون على الأوراق، ثم ما تلبث أن تتوسع تدريجيًا لتأخذ أشكالًا دائرية أو بيضوية أو أسطوانية. ومع توفر الظروف البيئية الملائمة واستمرار الإصابة، تلتحم هذه البقع لتغطي مساحات واسعة من الورقة، فتؤدي إلى جفافها وموتها، الأمر الذي ينعكس سلبًا على عملية البناء الضوئي ونمو النبات.
ولا تقتصر الإصابة على الأوراق، بل تمتد إلى رقبة النبات وأعناق الأوراق، التي يتحول لونها إلى البني، كما ينتقل الفطر إلى البذور، فتفقد قدرتها على الإنبات أو تنقل العدوى إلى الشتلات الصغيرة، التي تذبل وتجف ثم تموت، مما يؤدي إلى انخفاض الكثافة النباتية في الحقل منذ المراحل الأولى للنمو.
وتنتشر العدوى بصورة رئيسة من خلال زراعة بذور مصابة، إذ يستطيع الفطر البقاء حيًا داخل البذور لمدة تصل إلى أربع سنوات. كما تشكل بقايا المحصول المصاب من الموسم السابق مصدرًا مهمًا لاستمرار المرض، حيث ينتقل الفطر منها إلى النباتات الجديدة. كذلك تسهم الرياح ومياه الري في نقل الجراثيم إلى الحقول المجاورة، بينما تحدث الإصابة عندما تبقى أوراق نبات الرز مبللة لمدة تتراوح بين ثماني ساعات وأربع وعشرين ساعة. وتزداد شدة الإصابة في الأراضي الفقيرة منخفضة الخصوبة، وفي الحقول التي تعاني من الجفاف أو سوء إدارة الري، إذ تكون النباتات في هذه الظروف أكثر ضعفًا وأقل قدرة على مقاومة المرض. وتسهم عدة عوامل في زيادة فرص الإصابة، من أبرزها التسميد غير المتوازن، ولا سيما نقص عنصر النيتروجين، إضافة إلى نقص عنصر الزنك، والإفراط في استخدام مبيدات الأدغال بما يؤدي إلى إضعاف النبات، فضلًا عن عدم انتظام الري، واستخدام مياه مالحة من المبازل في السقي، وزراعة بذور مصابة، والإبقاء على بقايا المحصول السابق وعدم مكافحة الأدغال.
أما الأضرار التي يسببها المرض فهي لا تقتصر على جفاف وموت الشتلات الصغيرة في المشتل أو الحقل، بل تمتد إلى ضعف وتقزم النباتات وجفاف أوراقها، وانخفاض إنتاجية الدونم بنسبة قد تصل إلى 50 في المئة في حالات الإصابة الشديدة. كما يؤدي المرض إلى انخفاض وزن الحبة بنسبة تصل إلى 30 في المئة، وتراجع عدد الحبوب في السنبلة بنسبة تصل إلى 22 في المئة، فضلًا عن زيادة نسبة الحبوب المكسورة، وانخفاض نسبة إنبات البذور المصابة إلى نحو 35 في المئة عند استخدامها في الزراعة.
وللحد من انتشار المرض وتقليل خسائره، ينصح المختصون باتباع برنامج متكامل للمكافحة، يبدأ بالتخلص من بقايا المحصول المصاب وعدم تركها في الحقل، واستخدام بذور سليمة ومعاملتها بمبيد فطري بمعدل غرامين لكل كيلوغرام من البذور، أو معالجتها بالماء الساخن بدرجة حرارة تتراوح بين 53 و54 درجة مئوية لمدة عشر دقائق. كما يُفضل زراعة الأصناف المقاومة عند توفرها، والاهتمام بالتسميد المتوازن لتجنب نقص عنصري النيتروجين والزنك، إلى جانب مكافحة الأدغال بصورة منتظمة.
وفي حال ظهور الإصابة، يمكن معالجة النباتات وفق شدة المرض، إذ تُعالج حالات نقص الزنك بإضافة كبريتات الزنك، بينما يُوصى في الإصابات الفطرية الشديدة باستخدام أحد المبيدات الفطرية الموصى بها، مثل أميستار توب أو المبيدات التي تحتوي على المادة الفعالة أزوكسيستروبين، وبالجرعة الموصى بها وهي 50 مل لكل 100 لتر ماء، مع الالتزام بالتوصيات الفنية لضمان أفضل النتائج.
إن الوقاية تبقى الوسيلة الأكثر فاعلية في الحد من انتشار مرض التبقع البني، إذ إن اعتماد ممارسات زراعية سليمة، واستخدام تقاوى معتمدة، وتحقيق التوازن في التسميد والري، والمتابعة المستمرة للحقول، كلها عوامل تسهم في حماية محصول الرز والحفاظ على إنتاجيته وجودته، وتقليل الخسائر الاقتصادية التي يسببها هذا المرض.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري