قبل ايام، أعلن الناطق الرسمي باسم وزارة الزراعة العراقية المصادقة على الخطة الزراعية للموسم الصيفي الحالي لعام 2026، مبينًا أن الخطة التي جرت المصادقة عليها تجاوزت نسبة (80 في المائة). وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري: هل تتوفر الإمكانيات والقدرات الكفيلة بإنجاح الموسم الزراعي؟
من المعلوم أن الخطة الزراعية وُضعت على أساس توفر المياه، وهذا عامل بالغ الأهمية في نجاح العملية الزراعية، لكن هل يُعد هذا العامل وحده كافيًا؟ هنا تبرز مجموعة من التساؤلات المشروعة، أهمها: كيف سيتمكن الفلاح من إيصال المياه إلى أرضه لضمان نجاح عملية السقي والاستفادة من المياه المتوفرة؟
في ظل الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الذي لا يتجاوز فيه التشغيل ساعتين مقابل ست ساعات من الانقطاع، هل تكفي هاتان الساعتان لتشغيل المضخات الكهربائية؟ وكم من الوقت تحتاج المياه حتى تصل إلى مذنبات الأراضي الزراعية؟ إن هذا الواقع يضع الفلاح أمام تحدٍ كبير قد يحول دون الاستفادة الفعلية من المياه، حتى وإن كانت متوفرة.
ولا يقتصر الأمر على المضخات الكهربائية، فحتى المضخات التي تعمل بوقود الديزل تواجه المشكلة نفسها، في ظل عدم توفر مادة الكاز بالكميات اللازمة لتشغيلها. فما جدوى امتلاك هذه المضخات إذا كانت ستبقى مجرد كتل من الحديد ملقاة على الأرض، شأنها شأن المضخات الكهربائية المتوقفة بسبب انقطاع الكهرباء؟
وليس هذا فحسب، بل تبرز مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي توفر الأسمدة. فقد ارتفعت أسعارها في الأسواق إلى نحو (900) ألف دينار لطن اليوريا، و(1,800,000) دينار لطن سماد الداب المركب، وذلك بعد إحالة معمل الأسمدة الحكومي في البصرة إلى الاستثمار. وحتى لو أراد الفلاح شراء هذه الأسمدة بالأسعار الحالية، فهل يستطيع ذلك وهو لم يتسلم حتى الآن مستحقات محاصيله للموسم السابق، بل وللموسم الذي سبقه أيضًا؟ وهل يُعقل أن يضطر مرة أخرى إلى اللجوء للتجار والمرابين من أجل الاستدانة لتأمين مستلزمات الإنتاج؟
وما ينطبق على الأسمدة ينطبق أيضًا على المبيدات الزراعية بمختلف أنواعها، إذ تُباع في الأسواق المحلية بأسعار مرتفعة، وكثير منها من مناشئ رديئة أو غير فعالة، باستثناء بعض مبيدات الأدغال التي توزعها أقسام الوقاية في مديريات الزراعة.
إن هذا الواقع يتطلب وقفة جادة من الوزارات والجهات المعنية، كما يستدعي متابعة دقيقة ومتواصلة للموسم الزراعي، لضمان نجاح الخطة وتحقيق أهدافها. ومن هذا المنطلق، نقترح ما يأتي:
1- تشكيل لجنة عليا ترتبط بمكتب رئيس مجلس الوزراء، تضم وزارات الزراعة والموارد المائية والتجارة والكهرباء والنفط، تتولى متابعة الموسم الزراعي ومعالجة المعوقات بشكل مباشر، ولا سيما أن الموسم الزراعي الشتوي المقبل لم يتبقَّ على انطلاقه سوى ثلاثة أشهر.
2- الإسراع في صرف مستحقات الفلاحين، وتجاوز الروتين والبيروقراطية، بما يمكنهم من الاستعداد للمواسم الزراعية المقبلة.
3- توفير منظومات الطاقة الشمسية للفلاحين والمزارعين عن طريق شركة التجهيزات الزراعية، وبأسعار مدعومة وبنظام التقسيط أو الدفع الآجل، لحين تسلمهم مستحقاتهم المالية.
4- توفير مادة الكاز للفلاحين والمزارعين من قبل المؤسسات النفطية، وبالسرعة الممكنة ومن دون تعقيدات أو عوائق، لضمان استمرار عمل المضخات الميكانيكية العاملة على الديزل.
5- تشديد الرقابة على الأسواق الزراعية، ولا سيما أسواق الأسمدة والمبيدات الزراعية بمختلف أنواعها (الحشرية، والفطرية، ومبيدات الأدغال وغيرها)، ومتابعة أسعارها وجودتها، ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار أو النوعيات، حمايةً للفلاح والإنتاج الزراعي الوطني.
إن نجاح الخطة الزراعية لا يتحقق بمجرد إعلان نسب الإنجاز أو توسيع المساحات المشمولة، بل يتطلب توفير جميع مستلزمات الإنتاج الزراعي، بدءًا من المياه والطاقة، مرورًا بالوقود والأسمدة والمبيدات، وانتهاءً بضمان حقوق الفلاح المالية. فالفلاح هو الركيزة الأساسية للأمن الغذائي، وأي خطة لا تترجم إلى دعم حقيقي له على أرض الواقع ستبقى مجرد أرقام معلنة، لا تنعكس على الإنتاج ولا على الواقع الزراعي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري