اخر الاخبار

تزامنا مع ارتفاع درجات الحرارة، بدأت أعداد هائلة من البعوض والذباب والقوارض، وحتى الزواحف، تغزو البيوت في بغداد والمحافظات، الأمر الذي يُثير استياء المواطنين.  

ويُشكل البعوض مصدر إزعاج يقض المضاجع، فضلا عمّا يُشكله من تهديد للصحة العامة بنشر أمراض انتقالية وفيروسات، على اعتبار انه يقتات على الدم البشري – وفقا لاختصاصيين.  

ولا تبدو أزمة انتشار البعوض والحشرات في المدن منفصلة عن التدهور الخدمي والبيئي الذي تعيشه مناطق واسعة من البلاد. إذ تحولت النفايات المتراكمة ومياه الصرف الصحي الطافحة والمستنقعات الراكدة داخل الكثير من الأحياء السكنية، إلى بيئة مثالية لتكاثر البعوض والذباب والقوارض.

ولا تقتصر المشكلة على مشاهد الأوساخ وتشويه البيئة الحضرية، بل تمتد إلى تهديد صحي مباشر، مع ازدياد المخاوف من انتقال أمراض وحميات موسمية عبر الحشرات الناقلة، وسط ضعف شبكات تصريف المجاري وتراجع حملات التنظيف ورفع النفايات. في حين تساهم التجاوزات العشوائية وغياب المعالجات البيئية في دفع أنواع مختلفة من القوارض والزواحف إلى الاقتراب من المناطق المأهولة، بعد أن وجدت في أكوام النفايات ملاذا مناسبا للتكاثر والاختباء.

وفي مقابل اتساع هذه الظاهرة، يشكو مواطنون في أحاديث صحفية، من غياب واضح لحملات المكافحة الدورية، سواء عبر الرش الضبابي أم معالجة البؤر الملوثة، مؤكدين أن إجراءات مكافحة الحشرات باتت غائبة وما يُنفذ منها في المناطق الزراعية لا يتناسب مع حجم المشكلة المتفاقمة.

ويشير اختصاصيون إلى أن مواجهة انتشار البعوض والذباب لا تتحقق بالمبيدات وحدها، إنما تحتاج إلى حلول خدمية متكاملة تبدأ من تحسين شبكات المجاري وتجفيف المياه الراكدة ورفع النفايات بشكل منتظم، وصولا إلى فرض رقابة بيئية حقيقية على المناطق المهملة والعشوائيات، التي تحولت في كثير من الأحيان إلى مصادر مفتوحة للتلوث وانتشار الآفات.

ورغم خطورة الحشرات على صحة الإنسان، لا تزال الإجراءات الوقائية من قبل الجهات الحكومية المعنية، شبه منعدمة.

شراء المبيدات عبء مالي إضافي!

في حديث صحفي، يقول المواطن أحمد نعيم، من بغداد، أن أسراب البعوض والذباب تنتشر بشكل كبير في منزله وبقية منازل منطقته، وانها تتسبب في مشكلات صحية.

ويشير إلى انه "لا توجد فرق صحية لمكافحة الحشرات كما كان معمولا به سابقا. في حين لا يزال البعوض، ومعه الذباب وحشرات أخرى غريبة، آخذة بالانتشار في البيوت"، مضيفا القول انه اشترى من السوق مبيدات لمكافحة الحشرات في منزله، لكنها أدت إلى نتائج صحية سلبية على الأسرة.

ويُبدي نعيم استغرابه من غياب الجهات الرقابية عن بيع مبيدات تضر بصحة الإنسان بشكل مباشر. بينما يلفت إلى أن شراء تلك المبيدات بات يُضيف عبئا ماليا جديدا على الأسر، خاصة أن النوعيات الفعّالة تُباع بأسعار مرتفعة. 

من جانبها، تقول المواطنة نور علي، أن مشكلة انتشار البعوض في المنازل تتكرر في كل صيف، دون أي إجراءات وقائية من الجهات المعنية.

وتضيف في حديث صحفي قولها، أن فرق مكافحة الحشرات لم تزر منطقتها منذ سنوات، ما يضطرها إلى شراء المبيدات المنزلية رغم خطورة بعض أنواعها على صحة الإنسان. 

كلٌ يرمي المسؤولية على الآخر!

في بغداد، وأمام مشهد انتشار البعوض وغياب مكافحته، ترمي أمانة العاصمة المسؤولية على وزارة الصحة التي تقوم بمنعها من أي محاولة لمكافحة الحشرات لتعارضها مع المحددات والتوصيات الصحية.

ويقول المتحدث باسم الأمانة عدي الجنديل، أن "مكافحة البعوض ليست من صلاحياتنا، إنما هي من مسؤولية وزارة الصحة".

ويوضح في حديث صحفي أن "وزارة الصحة منعت منذ سنوات مبادرات الدوائر البلدية التابعة لأمانة بغداد، لمكافحة الحشرات، كونها مضرة بالصحة"، مضيفا القول أن الوزارة شددت على ضرورة أن "تتم إجراءات مكافحة الحشرات بإشرافها".

بدورها، ترمي وزارة البيئة مسؤولية مكافحة الحشرات إلى ملعب وزارة الصحة أيضاً.

ويقول المتحدث باسم الوزارة لؤي المختار في حديث صحفي، أن "الوزارة تتابع غزو الحشرات بيوت المواطنين مع بداية فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة".

ويشير إلى أن "وزارة الصحة هي الجهة المسؤولة عن مكافحة الحشرات، وان الوزارة تقوم بإبلاغ البيئة عن أي مبيدات حشرية غير صحية لتقوم البيئة باتخاذ الاجراءات اللازمة".

وتؤكد الأبحاث أن أنثى البعوض تحتاج للدم الذي يمدها بالطاقة والغذاء اللازم لتكوين البيوض داخلها. أما ذكر البعوض فلا يتغذى على الدم، لكنه يتغذى على رحيق الأزهار وعصارة النباتات.

حملات مكافحة هنا وهناك!

في السياق، تقول مديرة شعبة الصحة العامة في دائرة صحة بابل، سهى الأسدي، أن دائرتها تُنفذ خمس حملات صيفية وخريفية في المحافظة، للقضاء على القوارض والحشرات، مضيفة القول أن هذه الحملات تُنفذ رغم بعض الصعوبات المتمثلة في قلة الكوادر واتساع أماكن المستنقعات المائية التي تحوي أمراضا وأوبئة تنقلها الحشرات إلى الإنسان، مثل داء الليشمانيات الجلدي، الذي يُعرف شعبيا بـ"حبة بغداد".

وتوضح الأسدي في حديث صحفي، أن "حشرة الحرمس التي تسمى ذبابة الرمل تختلف عن البعوضة، لكنها تنتمي الى نفس الرتبة الحشرية وتتغذى إناثها على الدماء". فيما توصي المواطنين بـ"المحافظة على النظافة التي لا تجدي نفعاً بدونها إجراءات الفرق الصحية في القضاء على الحشرات"، مشددة على "ضرورة استخدام المشبكات في النوافذ وإغلاق الفتحات لمنع دخول البعوض إلى المنازل".

وتلفت إلى أن "وزارة الصحة أعدّت برنامجاً لمكافحة الحشرات باستخدام مبيدات صديقة للبيئة وغير مضرة بالإنسان".

وكانت شعبة السيطرة على الأمراض الانتقالية في دائرة صحة الكرخ، قد نفذت حملات ميدانية مكثفة لتعزيز الإجراءات الوقائية والحد من انتشار نواقل الأمراض. وجاءت هذه الحملات بالتزامن مع هطول كميات من الأمطار خلال الفترة الماضية، ما أدى إلى تشكّل العديد من المسطحات المائية الدائمية والمؤقتة، والتي تُعد بيئة مناسبة لتكاثر البعوض.

تحذيرات من أمراض خطيرة

إلى ذلك، يقول أستاذ علوم الحياة في كلية العلوم بجامعة بغداد، حميد الغزي، أن بعض أنواع البعوض قد ينقل أمراضاً خطيرة إلى الإنسان، بعد أن يتغذى على دم شخص مصاب.

ويبيّن في حديث صحفي "حمى الضنك والملاريا، وفيروس غرب النيل، من أبرز الأمراض المرتبطة بالبعوض. كما أن هذه الحشرة تسبب التهابات في الجلد بسبب اللدغات المتكررة".

ويتابع الغزي قوله أن "خطر انتشار هذه الأمراض يزداد مع ارتفاع درجات الحرارة ووجود المياه الراكدة وضعف حملات المكافحة"، داعيا إلى تكثيف إجراءات المكافحة والاهتمام بالنظافة العامة واستخدام وسائل الحماية الشخصية.