بين شوارع مزدحمة ومدن تتمدد بلا تخطيط واضح، يقف العراق أمام تحولات ديموغرافية متسارعة تثير مخاوف اقتصادية واجتماعية متزايدة، في وقت تتحدث فيه التقديرات عن ارتفاع عدد السكان إلى أكثر من 73 مليون نسمة خلال السنوات المقبلة. وبينما يرى مختصون أن هذه الزيادة قد تمثل فرصة لبناء قوة إنتاجية شابة، يحذر آخرون من أن غياب التخطيط الاقتصادي وتراجع الخدمات واستمرار الاعتماد على الاقتصاد الريعي قد يحولان "الهبة السكانية" إلى عبء ثقيل يفاقم أزمات البطالة والفقر والسكن والتعليم.
زيادة سنوية بواقع مليون نسمة
وفقا للمتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، فإن "التعداد العام لسكان العراق أظهر أن عدد السكان في نهاية عام 2024 هو 46 مليون نسمة"، مبيناً أن "سكان العراق ينقسمون بين النساء بواقع 49.8 في المائة، والذكور بواقع 50.2 في المائة".
وأشار عبد الزهرة الهنداوي في حديث له إلى أن "نسبة الزيادة السنوية هي بين 2.3 الى 2.5 في المائة، ومعنى ذلك أن عدد سكان العراق يتزايد سنوياً وفقاً لهذه النسبة بواقع مليون أو أكثر من مليون تقريباً". ولفت إلى أن "الرقم المتوقع لعدد سكان العراق بموجب هذه الزيادة هو أكثر من 47 مليون نسمة الان، وفقاً لنتائج التعداد ووفقاً لنسبة النمو السكنية".
برنامج خاص لمعالجة النمو السكاني
من جهته، قال الخبير الاقتصادي علاء الفهد، إن العراق يُعد من البلدان التي تشهد نموا سكانيا متزايدا خلال السنوات الماضية، محذراً من وجود مخاطر اقتصادية تتعلق بتوفير فرص العمل وتقليل نسب البطالة، إلى جانب ضرورة دعم القطاع الخاص ليكون قادراً على استيعاب هذه الزيادة السكانية، لا سيما بين فئة الشباب.
وأضاف الفهد في حديث لـ"طريق الشعب"، أن هذا النمو السكاني يشكل ضغطاً متزايداً على الخدمات العامة وتوسع المدن، مبيناً أن عدم تهيئة الظروف والعوامل المناسبة لمواجهة هذه الزيادة سيؤدي إلى انعكاسات سلبية على الاقتصاد العراقي.
وتابع أن نسب الفقر والبطالة ستتأثر بشكل مباشر في ظل غياب قطاع خاص قادر على خلق فرص العمل، واستمرار الاعتماد على القطاع الحكومي في توفير الخدمات والاحتياجات الأساسية، الأمر الذي يزيد من حجم الضغط على مؤسسات الدولة والخدمات المقدمة للمواطنين.
وأشار إلى أن الحكومة مطالبة بوضع استراتيجية وبرنامج خاص لمعالجة ملف النمو السكاني، على غرار ما قامت به دول أخرى تمكنت من تحويل الزيادة السكانية إلى فرصة تنموية بدلاً من كونها تحدياً اقتصادياً واجتماعياً.
وأكد الفهد أن العراق يمتلك ميزة كونه مجتمعاً شاباً، ما يتيح إمكانية الاستفادة من هذه الطاقات عبر التشغيل وتنمية اقتصاد المعرفة والتطوير التكنولوجي واستخدام التقنيات الحديثة، فضلاً عن تطوير القطاعات المعطلة، بما يسهم في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.
تراجع المستوى المعيشي يتفاقم
من جانبه، قال الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن حسين إن العراق يواجه، بحسب وصفه، "طفرة سكانية مدمرة"، محذراً من أن عدد السكان قد يرتفع من نحو 45 مليون نسمة إلى أكثر من 73 مليوناً خلال سنوات قليلة، في وقت يرى فيه أن الدولة عاجزة عن مواكبة هذا التوسع بخطط اقتصادية وتنموية حقيقية.
وأضاف حسين أن الحكومة، حتى في ظل الظروف الحالية، لا تمتلك السيطرة الكافية على إدارة الموارد والخدمات، متسائلاً: "إذا كانت الدولة اليوم غير قادرة على إدارة واقع 45 مليون نسمة، فكيف ستدير 73 أو حتى 100 مليون؟". واعتبر أن غياب الإدارة الفاعلة فتح المجال أمام نفوذ الأحزاب السياسية، التي قال إنها تعتمد على شبكات تمويل ورواتب ضخمة "تدفع على حساب المواطن والمستهلك".
وأشار إلى أن ملفات الفساد والسرقات المالية ما تزال حاضرة بقوة، لافتاً إلى أن مليارات الدولارات تُهدر من دون وجود مشروع دولة حقيقي أو برامج اقتصادية واضحة، مشيرا الى أن مشاريع البنى التحتية، مثل الجسور والأنفاق، تقدم للرأي العام بوصفها إنجازات، لكنها بحسب رأيه "حلول جزئية لا تعالج جوهر الأزمة".
وفي حديثه عن الطبقة السياسية، أشار حسين إلى وجود شخصيات يراها ناجحة إدارياً، لكنه أكد في المقابل أن "القيادات الحالية غير قادرة على إخراج العراق من أزماته"، مضيفاً أن إدارة الدولة أصبحت مرتبطة بملفات الأمن القومي والتدخلات الخارجية، ما جعل القرار السياسي والاقتصادي معقدا ومتشابكا.
كما انتقد السياسات الاقتصادية للحكومة، مشيراً إلى أن نسب التضخم وتراجع المستوى المعيشي تتجه نحو الأسوأ، رغم أن العراق "بلد غني بالموارد وقادر على إحياء الزراعة والصناعة". وأكد أن النفط ما يزال يمثل اقتصاد ريعياً غير مستدام، بينما تتعرض الإيرادات الأخرى، بحسب قوله، إلى الهدر أو الضغوط السياسية الخارجية.
وكشف حسين عن وجود خسائر مالية يومية وصفها بـ"الهائلة"، قائلاً إنها ارتفعت من 7 أو 8 مليارات إلى نحو 10 مليارات يومياً، معتبراً أن أي أموال إضافية تدخل خزينة الدولة "لا تنعكس على حياة المواطنين بسبب سوء الإدارة والفساد".
وفي ملف التعليم وسوق العمل، حذر من استمرار تخريج أعداد كبيرة من الطلبة والأطباء من دون وجود خطط لاستيعابهم، منتقدا التوسع الكبير في التعليم الأهلي على حساب دعم الجامعات الحكومية. كما رأى أن خصخصة قطاعات الصحة والتعليم والاتصالات تتم من دون رقابة حقيقية أو ضمانات اجتماعية.
وختم الباحث الاقتصادي حديثه بالتعبير عن تشاؤمه تجاه مستقبل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، قائلاً إن نحو 40 في المائة من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر، منتقداً تصريحات بعض المسؤولين التي تقلل من معاناة المواطنين. وأضاف أن شريحة واسعة من العراقيين باتت تكافح يومياً لتأمين أبسط متطلبات الحياة، في ظل استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية من دون حلول واضحة.