أنهى مجلس النواب في جلسته المنعقدة يوم الاثنين الماضي، القراءة الأولى لمقترح قانون التعديل الأول لقانون المرور رقم (8) لسنة 2019، والذي من المفترض أن يتضمن معالجات لـ"ثغرات جوهرية حولت العقوبات المرورية من أداة تنظيم إلى وسيلة إرهاق مالي للمواطنين" – وفقا لعضو في اللجنة القانونية البرلمانية.
وكان البرلمان قد اتجه إلى إعادة النظر في قانون المرور النافذ، على وقع تصاعد شكاوى المواطنين من غرامات وُصفت بـ"التعسفية" و"المرهقة"، في ظل نظام إلكتروني للرصد المروري بات - بحسب منتقديه - يراكم ديوناً مفاجئة على السائقين بدلاً من أن ينظم حركة السير.
وجاء هذا التحرك البرلماني بعد موجة استياء واسعة، عبّر عنها مواطنون قالوا، ان الغرامات المسجلة بحقهم تصل في بعض الأحيان إلى ملايين الدنانير، وهي تفوق قدرتهم على السداد. ويستند قانون المرور النافذ لسنة 2019 إلى آلية تقضي بتخفيض الغرامة إلى النصف إذا دفعت خلال ثلاثة أيام من تسجيلها، في حين تتضاعف تلقائياً عند التأخر لأكثر من شهر واحد. غير أن الإشكالية وفق الشكاوى، تكمن في أن كثيراً من هذه الغرامات يُسجل إلكترونياً من دون إشعار فوري، ما يحرم السائق من فرصة الدفع المبكر ويؤدي إلى تضخيم المبالغ.
حالات صادمة!
تحوّل هذا الملف إلى قضية رأي عام، بعد أن كشف نواب عن حالات صادمة وأرقام مهولة من الغرامات.
وفي هذا الصدد، ذكر النائب محمد الشمري، خلال جلسة برلمانية الأسبوع قبل الماضي، أن "كاميرات المراقبة قد تسجل خمس مخالفات خلال خمس دقائق في طريق واحد، بقيمة 200 ألف دينار، لمخالفة تجاوز السرعة المقررة، لتتضاعف لاحقاً إذا لم تدفع"، مؤكداً أنه "اطلع في مديرية المرور على حالة مواطنين تراكمت عليهم الغرامات، وأن أحدهم سُجلت عليه غرامات بـ 18 مليون دينار، ما اضطره إلى التفكير في بيع سيارته لتسديدها".
وسيلة إرهاق مالي
في السياق، أفادت اللجنة القانونية البرلمانية في تصريح صحفي سابق، بأن "التطبيق العملي للقانون كشف ثغرات جوهرية حولت العقوبات المرورية من أداة تنظيم إلى وسيلة إرهاق مالي للمواطنين".
وأوضح عضو اللجنة محمد الخفاجي، أن "البيانات الرسمية تظهر فجوة واضحة بين دخل الفرد ومنظومة الغرامات. إذ بلغ إجمالي الغرامات المسجلة خلال عام 2025 نحو 161.9 مليار دينار، ناتجة عن 3.88 ملايين مخالفة، من بينها 1.1 مليون مخالفة رصدت عبر الكاميرات الذكية، وهي أرقام كبيرة جداً".
وأضاف قائلا أن "نظام مضاعفة الغرامة عند التأخر في الدفع ساهم في رفع المبالغ إلى مستويات غير منصفة"، لافتاً إلى أن "بعض الغرامات تصل إلى 200 ألف دينار، وهو ما يتجاوز القدرة المالية لشريحة واسعة من المواطنين".
واشار الخفاجي إلى أن "الاعتماد المتزايد على الرصد الإلكتروني أدى إلى تسجيل مخالفات متكررة للخطأ ذاته خلال يوم واحد، من دون علم السائق، ما يسبب صدمة مالية عند مراجعة دوائر المرور".
وكان مدير المرور العامة عدي سمير، قد أكد في تصريحات صحفية سابقة، أن "الغرامات محددة بنصوص قانونية أقرها البرلمان عام 2019، ولا يمكن تعديلها من قبل مديرية المرور، كونها تخضع لنصوص قانونية نافذة".
غرامة تدفع سائقا إلى بيع سيارته!
على المستوى المجتمعي، تعكس هذه الأزمة اختلالاً أوسع بين السياسات التنظيمية والواقع الاقتصادي للمواطنين.
يقول عمار المعيني، وهو موظف حكومي في بغداد، انه فوجئ عند مراجعته دائرة المرور بتراكم غرامات تجاوزت 4 ملايين دينار، مؤكداً في حديث صحفي أنه "لم تصلني أي إشعارات، وعندما راجعت اكتشفت أن المخالفات تضاعفت بسبب التأخير. راتبي لا يكفي لتغطية هذا المبلغ، وفكرت جدياً في بيع سيارتي لأجل السداد".
بدوره، يرى الناشط المدني ماجد العلي، أن المشكلة لا تقتصر على قيمة الغرامات، بل تشمل غياب بيئة مرورية متكاملة.
ويوضح في حديث صحفي انه "لا يمكن فرض كاميرات ورادارات من دون تخطيط واضح للشوارع أو تحديد دقيق للسرعات. كثير من السائقين يتجاوزون السرعة لأنهم لا يعرفون الحد المسموح به أصلاً، المطلوب نظام مروري متكامل يبدأ بالبنية التحتية والإشارات، ثم يأتي دور العقوبات".
وبدأ العراق خلال السنوات الأخيرة بالتحول نحو أنظمة الرصد الإلكتروني للحد من الحوادث وتحسين الانضباط المروري، غير أن هذا التحول لم يترافق دائماً مع تحديث البنية التحتية أو تعزيز التوعية المرورية، ما خلق فجوة بين التطبيق والتقبل المجتمعي.
ويسعى البرلمان، من خلال تعديل القانون، إلى تحقيق معادلة "التنظيم دون إرهاق"، عبر مراجعة آلية احتساب الغرامات، وإلغاء نظام المضاعفة التلقائية أو تعديله، وسد الثغرات القانونية التي كشفها التطبيق، بما يضمن عدالة أكبر ويمنع تحول المخالفات إلى عبء مالي يثقل كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة.