اخر الاخبار

في ظل تكرار الأزمات الاقتصادية والخدمية في العراق، تتجاوز تداعياتها حدود المعيشة اليومية لتنعكس بشكل مباشر على سلوك الأفراد وعلاقاتهم داخل المجتمع. فمن طوابير الحاجة إلى تصاعد القلق وانعدام الثقة، تتشكل صورة اجتماعية ونفسية أكثر تعقيد تعكس حجم الضغوط التي يعيشها المواطن، في واقع باتت فيه الأزمة جزء من تفاصيل الحياة اليومية لا استثناءً عابراً.

الاستغلال يعيد تشكيل علاقات المجتمع

يرى الباحث الاجتماعي يوسف كمال أن الأزمات التي تواجه المجتمعات تنقسم إلى نوعين رئيسيين، أزمات طبيعية مثل الفيضانات، الطوفانات، الزلازل، والتغيرات المناخية المتطرفة كالتصحر والجفاف، وأخرى بشرية أو مركبة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ويشير يوسف في حديث مع "طريق العشب"، إلى أن "الأزمات الطبيعية غالباً ما تُظهر الجانب الإنساني الأعمق داخل المجتمع، حيث تتراجع الفوارق بين الأفراد لصالح قيم التضامن والتكافل". ويستحضر في هذا السياق أمثلة تاريخية من الذاكرة العراقية، منها فيضانات بغداد في العهد الملكي وما رافقها من دمار واسع، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى حالة التكاتف الشعبي التي رافقت تلك المرحلة، حيث لعبت روح التضامن دوراً أساسياً في تجاوز الكارثة.

كما يستعيد كمال أحداثاً أكثر حداثة، من بينها مأساة حلبجة، موضحاً أن ما أعقبها من تهجير قسري للسكان وما رافقه من استجابة اجتماعية واسعة داخل مدن إقليم كردستان، عكس مستوى عالياً من التعاطف الشعبي، إذ سارع الأهالي إلى تقديم المساعدات، واحتضان العوائل المتضررة، في مشهد وصفه بأنه تجلٍ واضح لـ"الفاعل الإنساني" في مواجهة الكارثة.

وفي المقابل، يرى يوسف أن الأزمات ذات الطابع الاقتصادي والخدمي تكشف عن فجوات أعمق بين المواطن والدولة، بل وتؤدي أحياناً إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية على أساس الاستغلال أو التفاوت في الوصول إلى الموارد.

ويضرب مثالاً بأزمة الغاز المنزلي، مشيراً إلى أنها تحولت في فترات مختلفة إلى ظاهرة اجتماعية يومية معقدة، حيث اصطف المواطنون في طوابير طويلة تمتد لساعات وربما لأيام للحصول على أسطوانة غاز واحدة، في وقت برزت فيه ممارسات احتكارية لدى بعض الأطراف التي تقوم بتخزين كميات كبيرة من الأسطوانات وإعادة بيعها بأسعار أعلى، مقابل أسر محدودة الدخل لا تملك سوى أسطوانة أو اثنتين.

ويؤكد أن هذه الظواهر خلقت نوعاً من عدم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وأدت إلى اضطراب في السلوك الاستهلاكي، إذ يلجأ المواطن في أوقات الأزمات إلى التخزين المفرط نتيجة الخوف من الانقطاع، ما يفاقم الأزمة بدلاً من حلها.

كما ينتقد كمال المعالجات الجزئية للأزمات، مثل الاعتماد على أنظمة التوزيع الإلكتروني أو الحلول الإدارية المؤقتة، معتبراً أن الحل الجذري يكمن في زيادة المعروض من المواد الأساسية في السوق بشكل كاف يضمن الاستقرار ويحد من الاحتكار.

ويضيف أن تجارب سابقة في أسواق المواد الأساسية أظهرت أن "غرق السوق بالمنتج" كان أحد أنجح الحلول لكسر حلقات الاحتكار وتقليل حدة الأزمات، مقارنة بالإجراءات التنظيمية التي لا تعالج جذور المشكلة.

ويخلص الباحث الاجتماعي إلى أن تكرار الأزمات الخدمية والاقتصادية في العراق يعكس خللا بنيويا في إدارة الموارد، ويؤدي إلى إعادة إنتاج التوتر الاجتماعي، في وقت يبقى فيه المواطن الطرف الأكثر تأثراً، والأقل قدرة على التحكم بمسار هذه الأزمات أو نتائجها.

تأثير الأزمات الإقتصادية والخدمية

فيما تقول الباحثة الاجتماعية بلقيس الزاملي، إن "الأزمات الاقتصادية والخدمية في العراق لم تعد مجرد تحديات معيشية، بل انعكست بشكل مباشر على سلوك الأفراد داخل المجتمع".

وتضيف لـ"طريق الشعب"، أن كثيرا من الناس باتوا اليوم يعيشون حالة توازن صعبة بين تلبية احتياجاتهم الأساسية وبين تجنب إظهار الحاجة أو طلب المساعدة أمام الآخرين، خشية التعرض لنظرة اجتماعية سلبية أو إحراج اجتماعي".

وتشير الزاملي إلى أن مفهوم "العيب" المرتبط بالفقر لم يختف، لكنه تغير في شكله وحدته، إذ لم يعد الفقر يعامل دائما كحالة فردية يلام عليها الشخص، بقدر ما أصبح يُنظر إليه كواقع عام يعيشه جزء واسع من المجتمع. ومع ذلك، ما زال طلب المساعدة بشكل علني يحمل حساسية اجتماعية في بعض البيئات".

العجز عن تلبية المتطلبات اليومية

من جانبه، يقول مؤمل مجيد، اختصاص علم نفس إن الضغوط الاقتصادية المستمرة في العراق تحولت إلى عبء نفسي يومي يرافق الأفراد في تفاصيل حياتهم، ويولد شعورا دائما بالقلق وعدم الأمان، نتيجة التفكير المستمر بكيفية تأمين الاحتياجات الأساسية واستمرار هذا القلق دون حلول واضحة.

ويضيف مجيد أن الخوف من الوصمة الاجتماعية يلعب دورا كبيرا في تشكيل سلوك الأفراد، إذ يدفع الكثيرين إلى إخفاء حاجتهم أو تجنب طلب المساعدة، حتى في أصعب الظروف، وهو ما يخفف الإحراج أمام الآخرين، لكنه في المقابل يراكم ضغطًا نفسيًا داخليًا قد يظهر على شكل توتر دائم، أو انسحاب اجتماعي، أو حتى اضطرابات في النوم والمزاج. ويشير مجيد إلى أن الشعور المتكرر بالعجز عن تلبية المتطلبات اليومية ينعكس بشكل مباشر على تقدير الذات، حيث يبدأ الفرد بفقدان ثقته بنفسه تدريجيًا، ويشعر بأنه أقل قدرة أو قيمة، ما يؤثر على تفاعله داخل الأسرة، ويزيد من احتمالات التوتر في العلاقات الاجتماعية.

ويؤكد أن استمرار هذا الواقع لفترات طويلة يترك آثارا نفسية عميقة، مثل القلق المزمن، الإرهاق النفسي، ضعف الدافعية، وأحيانًا الاكتئاب، فضلًا عن ترسيخ نظرة سلبية تجاه المستقبل، حيث يصبح الفرد أكثر تشاؤمًا وأقل إيمانًا بوجود فرص حقيقية للتغيير".