في مشهد لم تألفه محافظة ديالى منذ سنوات طويلة، تحوّلت مساحات شاسعة من أراضيها الزراعية وبساتينها المثمرة إلى بحيرات ممتدة، بعد أن اجتاحتها موجات من السيول والفيضانات، ما خلّف خسائر فادحة في واحدة من أهم السلات الزراعية في البلاد.
ولم تكن الأمطار الأخيرة التي شهدتها البلاد، لا سيما في مناطق الشمال والشمال الشرقي، مجرد حالة جوية عابرة، بل جاءت محمّلة بتداعيات ثقيلة على المزارعين، الذين وجدوا أنفسهم أمام كارثة مفاجئة التهمت محاصيلهم وأغرقت تعب سنوات في ساعات قليلة، وسط عجز واضح عن احتواء المياه أو تصريفها.
وساهمت الموجات المطرية في تعزيز خزين سدي حمرين والعظيم في ديالى، إلا أن هذه الوفرة انعكست سلباً على بعض البساتين الواقعة على مقتربات نهر ديالى والتي غمرت بالمياه. حيث غرقت بساتين أبي صيدا والعبارة والزهيرات والهويدر. ووفقا لمديرية زراعة ديالى فإن هذه الأشجار ستتلف جزئياً أو كلياً، مع توقع توقف إنتاجها لعامين أو أكثر!
تأتي هذه الكارثة في سياق بيئي وزراعي معقّد تعيشه ديالى منذ سنوات. فهي من أكثر المحافظات تضررا من أزمات المياه والتغيرات المناخية، التي أدت إلى جفاف مساحات واسعة من أراضيها الزراعية وبساتينها.
وكانت ديالى تُعرف تاريخيا بغزارة إنتاجها من محاصيل متنوعة تشمل الخضراوات والفواكه والحمضيات، فضلاً عن المحاصيل الاستراتيجية. غير أن هذا الدور تراجع بشكل كبير بفعل عوامل متداخلة، من بينها سوء إدارة القطاع الزراعي، وعمليات تجريف البساتين، وغياب الدعم الحكومي، إلى جانب تراجع الجدوى الاقتصادية للزراعة وارتفاع تكاليفها التشغيلية، ما جعل القطاع هشا أمام أي صدمة طبيعية مفاجئة.
مستنقع واسع!
يصف المزارع أحمد شهاب ما آل إليه حال بستانه في إحدى مناطق ديالى، بالقول أن "الأرض تحولت إلى مستنقع واسع، لا تكاد تُرى أطراف الأشجار الغارقة"! مُضيفا في حديث صحفي قوله: "لم يبقَ شيء، بستاني بالكامل انتهى، كذلك بساتين إخوتي وأبناء عمي. كنا نملك أشجار برتقال وليمون ومشمش، وأشجار فاكهة أخرى. هذه الأشجار كانت مصدر دخلنا".
ويتابع قائلا: "لم نخسر الثمار فقط، بل حتى الأشجار نفسها تعرضت للتلف. إذ اختنقت جذورها بالمياه".
أما ابن عم أحمد، عماد داود، فيقول: "كنا ننتظر هذا الموسم لتعويض توسعة بساتيننا. حيث أقدمنا خلال العامين الماضيين على غرس نحو 5 آلاف شتلة فاكهة، من التفاح والرمان، لكن كل شيء ضاع". ويضيف قوله في حديث صحفي: "نحن عائلة كبيرة نعتاش على هذه البساتين. كنا نخطط لتوسيع الزراعة هذا العام، لكن الآن لا نعرف من أين نبدأ. إعادة زراعة الأشجار تحتاج سنوات، وليس لدينا مورد آخر".
ما يتحدث عنه أحمد وعماد لا يعكس فقط خسارة محصول، إنما انهيار دورة اقتصادية كاملة لمجموعة من العائلات التي كانت تعتمد بشكل شبه كامل على إنتاج الحمضيات والفواكه الموسمية.
تدمير البنية التحتية
من جانبه، يوضح المزارع ساجد المندلاوي حجم الدمار الذي لحق بحقول الزراعة المغطاة، مبيناً في حديث صحفي أن "الفيضان لم يدمر المحصول فقط، بل دمّر البنية التحتية بالكامل". ويتابع قائلا أن "البيوت البلاستيكية انهارت، وأنظمة الري تعطلت، والمعدات غمرت بالمياه. لقد خسرت موسماً كاملاً، لكن الخسارة الأكبر هي كلفة إعادة التأهيل".
وبحسب تقديراته، فإنه يحتاج إلى أكثر من 100 مليون دينار لإعادة الأرض كما كانت، من شراء مواد جديدة، وإصلاح الأنظمة، وتعويض المعدات. ويشير إلى أن هذا النوع من الزراعة يعتمد على استثمارات عالية، موضحاً أن "الزراعة المغطاة ليست بسيطة، إنما مشروع متكامل. حين يتدمر، لا يمكن تعويضه بسهولة. نحن لا نخسر موسماً فقط، بل نخسر سنوات من العمل".
كل شيء انتهى!
ولا يختلف الحال لدى المزارع صادق العامري. إذ يقول أن بستانه كان يضم أجود أنواع أشجار التفاح والحمضيات والخوخ والمشمش والعنب والتين، إضافة إلى امتلاكه بستانا صغيرا لأشجار الزيتون.
ويضيف في حديث صحفي قوله: "كل عام كنت أصدّر إنتاجي إلى محافظات أخرى. هذا البستان كان معروفاً بجودته".
فيما يستعيد تفاصيل حياته اليومية قائلاً: "كنا نعمل أنا وإخوتي الثلاثة في هذا البستان. هو مصدر عيشنا الوحيد، نعيش منه ونصرف على عائلاتنا"، مؤكدا في قوله: "الآن، كل شيء انتهى. الأشجار تضررت، والمحاصيل تلفت. حتى لو عادت الأرض للحياة، نحتاج وقتاً طويلاً لنعود كما كنا".
ويلفت العامري إلى أن "الخسارة ليست مادية فقط. فهذا البستان هو تاريخنا، وتعب عشرات السنين. حيث ورثناه عن والدنا. فقدانه ليس سهلاً".
الخسائر تطال المستثمرين
لم تقتصر الخسائر على المزارعين، بل طاولت أيضاً المستثمرين في القطاع الزراعي، وهو ما يؤكده جاسم شكر، الذي خسر أكثر من 300 مليون دينار جراء السيول.
ويوضح في حديث صحفي أن مشروعه كان متكاملاً، يضم بستان فاكهة، ومنحلاً، وأحواض أسماك، وحقل دواجن، وقد دشنه قبل أكثر من عشر سنوات، مضيفا قوله: "كنت أطور المشروع تدريجياً، وأعيد استثمار الأرباح لتوسيعه. في الفترة الأخيرة، كنت أستعد لإطلاق المرحلة الثالثة، التي تشمل إنشاء دور سياحية داخل المشروع".
عمّال البساتين يواجهون البطالة
وبينما تتكشف خسائر المزارعين والمستثمرين، تظهر تداعيات أخرى تمس فئات أوسع من السكان. إذ يقول عمر فارس، وهو عامل أجر يومي في أحد البساتين: "كنت أعمل في جني المحاصيل، وهذا مصدر معيشتي الوحيد. ربما سنجد عملاً الآن في رفع مخلفات الفيضان، لكنه عمل مؤلم نفسياً، لأننا كنا سابقاً نساهم في نجاح إنتاج البساتين".
من جهة أخرى، كان عدد من الشباب الكادحين في المحافظة يشترون المحاصيل مباشرة من البساتين ليبيعوها بالمفرد على جانبي الطرق العامة التي تربط ديالى بالمحافظات الأخرى. وعلى إثر الفياضانات والأضرار التي لحقت بالبساتين، انقطعت سبل عيش هذه الشريحة.
في هذا الصدد، تنقل وكالات أنباء عن أحد هؤلاء الشباب، قوله: "هذه البساتين مصدر دخلنا. قد نتمكن من الحصول على محاصيل من مناطق أخرى لم تتضرر، لكن بالنسبة لي ولكثيرين غيري، نحن منذ سنوات ملتزمون مع هذه البساتين، ولدينا أفضلية في السعر والمحصول".
غياب التخطيط الاستباقي
إلى ذلك، يرى اختصاصيون أن ما شهدته ديالى وعدد من المناطق المجاورة لها، لم يكن نتيجة ظرف طارئ وحسب، إنما انعكاس لغياب التخطيط الاستباقي في إدارة الموارد المائية وحماية القطاع الزراعي.
ويقول الخبير الزراعي لقمان التميمي، أن "الجهات الحكومية كان يفترض أن تعمل على إنشاء منظومات تصريف وسيطرة على السيول، وتأهيل شبكات الري والبزل، فضلاً عن حماية البساتين من التجريف ودعم المزارعين بخطط واضحة للتكيف مع التغيرات المناخية".
ويضيف في حديث صحفي قائلا أن "غياب هذه الإجراءات حوّل أي موجة أمطار إلى كارثة، بعد أن كان من الممكن استثمارها لتعزيز الخزين المائي ودعم الزراعة"، مؤكداً أن المعالجة الحقيقية تتطلب رؤية متكاملة تشمل البنى التحتية والإدارة المستدامة للموارد، وليس الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الأضرار.
ولا تبدو فيضانات ديالى مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل أزمة مركبة طاولت الزراعة والاستثمار والعمل اليومي، ووضعت آلاف العائلات أمام مستقبل غامض، في واحدة من أكثر المحافظات اعتماداً على القطاع الزراعي.