لا تقاس الثروة في محافظة ميسان التي تصنف بالمرتبة الثانية بالإنتاج النفطي، بما يستخرج من باطن الأرض، بل بما يفتقده الناس فوقها: محافظة تتدفق منها الموارد النفطية، لكنها تعاني في المقابل من شحٍ في أبسط مقومات الحياة، حيث تتراكم الأزمات الخدمية والبيئية والتعليمية والصحية، لتشكل واقع يومي مثقل بالاختلالات والتناقضات.
من مركز المدينة إلى أطرافها، ومن المدارس المكتظة إلى المستشفيات شبه الخالية من الإمكانات، ومن طرقٍ متهالكة إلى مياه شحيحة، تتكشف ملامح أزمة ممتدة منذ سنوات، لم تفلح الخطط الحكومية في احتوائها أو الحد من آثارها. وبينما يُفترض أن تنعكس الوفرة المالية على تحسين الخدمات، يجد المواطن نفسه في مواجهة فجوة متسعة بين ما يُعلن من مشاريع وما يتحقق فعليًا على الأرض.
تدهور الصحة والتعليم والخدمات
يرى مصطفى هاشم، مراقب للشأن المحلي، أن محافظته تعيش منذ عقود حالة من التدهور في ثلاثة قطاعات أساسية الصحة والتعليم والخدمات العامة، وهي قطاعات تمس الحياة اليومية بشكل مباشر، وتكشف حجم الإخفاق في إدارة الموارد وتوجيهها نحو الأولويات الفعلية.
ويشير هاشم في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن "القطاع الصحي يعاني من غياب المستشفيات العامة الكافية، إذ تعتمد العديد من المناطق على مستوصفات محدودة الإمكانات لا ترقى لتلبية احتياجات السكان. كما تعاني المستشفيات، خصوصا في الأقضية والنواحي، من نقص حاد في الأطباء الاختصاصيين وضعف في التجهيزات الطبية، إلى جانب غياب الأجهزة الحديثة وشح الأدوية، لا سيما في أقسام الطوارئ"، معتبرا أن "هذا الواقع يجعل الوصول إلى الرعاية الصحية مسألة وقت قد تكون كلفته حياة إنسان".
وفي جانب الخدمات العامة، يبين أن "البنية التحتية تعاني من تهالك واضح، يتمثل في طرق متهالكة، وشبكات صرف صحي متقادمة، وانقطاعات مستمرة في الكهرباء والمياه، فضلًا عن ضعف خدمات النظافة والتنظيم الحضري، مع غياب المساحات الترفيهية التي تخفف من ضغط الحياة اليومية على السكان".
ويلفت الناشط الميساني إلى أن الثقل النفطي للمحافظة لا ينعكس على واقعها الخدمي، موضحا أن "النفط في ميسان يمثل أحد أكبر مراكز الثقل الإنتاجي في العراق، باحتياطيات تتجاوز 30 مليار برميل، ما يجعله خزانا استراتيجيا طويل الأمد، ومحورا في خطط وزارة النفط لزيادة الطاقة الإنتاجية خلال السنوات المقبلة".
وبحسب بيانات منصات متخصصة في قطاع الطاقة، تضم المحافظة عددا من الحقول النفطية المطورة وأخرى قيد التطوير، إلى جانب تراكيب جيولوجية واعدة غير مستثمرة بالكامل، ما يمنحها موقعًا متقدمًا في الخريطة النفطية العراقية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن إنتاج النفط في ميسان يتجاوز 300 ألف برميل يوميًا، لتأتي في المرتبة الثانية بعد محافظة البصرة، مع إمكانات فنية لزيادة الإنتاج في حال تحسن ظروف السوق أو تعديل سقوف الإنتاج ضمن اتفاقات "أوبك+"، ما يعزز من مكانة المحافظة كأحد أهم مصادر الطاقة في البلاد، رغم استمرار الفجوة بين الثروة النفطية ومستوى الخدمات المقدمة للسكان.
نقص كبير في الابنية المدرسية
أما في قطاع التعليم، فالصورة لا تقل قتامة، إذ لا تتوقف الأزمة عند حدود الاكتظاظ فقط، بل تمتد لتكشف خللا أعمق في البنية التحتية والعملية التعليمية ككل.
تقول التدريسية سعاد جواد إن "اكتظاظ الصفوف بات سمة عامة، مع وجود أكثر من 50 طالبا في الصف الواحد، في ظل نقص واضح في الأبنية المدرسية وقلة الوسائل التعليمية، وبالتالي فإن بيئة تعليمية بهذا الشكل لا تتيح فرصا حقيقية للتعلم، بل تكرس التراجع في مستوى الطلبة وتحد من إمكانية تطوير قدراتهم".
وتضيف أن العديد من المدارس باتت تعمل بنظام الدوام المزدوج أو الثلاثي، ما يقلص عدد الساعات الدراسية الفعلية ويؤثر بشكل مباشر على استيعاب الطلبة للمناهج. كما تعاني المدارس من نقص في الكوادر التدريسية، خصوصا في التخصصات العلمية، الأمر الذي يضطر إدارات المدارس إلى سد الشواغر بمدرسين من اختصاصات أخرى.
وتشير إلى أن غياب المختبرات العلمية والمكتبات المدرسية، إلى جانب ضعف استخدام الوسائل التعليمية الحديثة، يجعل العملية التعليمية أقرب إلى التلقين منها إلى الفهم والتحليل. كما أن تردي البنى التحتية، من صفوف متهالكة ونقص في خدمات التبريد والتدفئة، يزيد من صعوبة البيئة الدراسية، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية.
وتؤكد أن هذه التحديات مجتمعة لا تؤثر فقط على مستوى التحصيل العلمي، بل تدفع بعض الطلبة إلى التسرب من المدارس، خصوصا في المناطق الريفية والأطراف، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع ضعف البيئة التعليمية، ما يهدد بتفاقم أزمة التعليم في المحافظة على المدى البعيد.
تداعيات الأنشطة النفطية
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن التحديات البيئية التي تواجهها المحافظة، حيث يتفاقم التصحر، وتزحف الكثبان الرملية، ويتسع أثر الجفاف، بالتزامن مع تداعيات الأنشطة النفطية التي تلقي بظلالها على الصحة العامة والبيئة، دون معالجات كافية تحد من آثارها.
وفي ناحية بني هاشم بمحافظة ميسان، تتقاطع مفارقة قاسية بين الثروة والمعاناة: منطقة تشكل أحد أهم مراكز الإنتاج النفطي والغازي في المحافظة، لكنها في الوقت ذاته تعيش أزمة بيئية وخدمية خانقة تهدد استقرار سكانها.
مدير الناحية مصطفى عجيل يصف الواقع هناك بأنه "تدهور مزدوج"، حيث تتراكم آثار التلوث البيئي الناتج عن عمليات الاستخراج النفطي، بالتوازي مع شح حاد في المياه يزداد تفاقمًا مع مرور الوقت. فغالبية الشركات النفطية تتمركز ضمن حدود الناحية، ما انعكس بشكل مباشر على جودة المياه والهواء والتربة، في ظل غياب معالجات حقيقية تحد من هذه التأثيرات.
ويبين عجيل لـ"طريق الشعب"، انه "مع جفاف الأنهر وتوقف محطات تصفية وتحليل المياه، دخلت الناحية مرحلة حرجة، دفعت الجهات المعنية إلى اللجوء لحلول مؤقتة، أبرزها نقل المياه عبر الحوضيات"، إلا أن هذا الإجراء، بحسب عجيل، لا يمكن أن يشكل بديلا مستداما، في ظل توفر حوضية واحدة فقط، ما يزيد من هشاشة الوضع المائي ويضع السكان أمام تحديات يومية لتأمين أبسط احتياجاتهم.
هذا الواقع المتأزم لم يقتصر على الجوانب الخدمية، بل امتد ليترك أثره على التركيبة السكانية، حيث بدأت مظاهر "الهجرة العكسية" بالظهور، مع مغادرة عدد من الأهالي مناطقهم بحث عن بيئة أقل قسوة وأكثر استقرار.
ورغم وجود بعض المشاريع الخدمية المحدودة، كإكساء الطرق، إلا أنها لا ترتقي إلى مستوى الأزمة، في ظل غياب واضح للمشاريع الاستراتيجية القادرة على إحداث تغيير حقيقي في واقع الناحية.
في المقابل، يشير العجيلي الى ان "مشروع إنشاء محطة استراتيجية لضخ المياه يبرز كأحد الحلول المطروحة، بطاقة تصل إلى ألف متر مكعب، بهدف تغذية المناطق المتضررة من الجفاف. وينظر إلى هذا المشروع بوصفه طوق نجاة محتمل، لكنه ما يزال يواجه بطء الإجراءات، ما يستدعي، وفق المسؤولين المحليين، تدخلاً عاجلًا من الحكومة المركزية لتسريع التعاقد والتنفيذ".