مع تصاعد نبرة الحرب الإقليمية في المنطقة وتداعياتها على حركة التجارة العالمية، تأثرت أسواق العراق على نحو شديد الوضوح، في ظل اعتماد البلاد على الاستيراد لتأمين ما يقارب 50 في المائة من احتياجاتها الغذائية.
وأدى إغلاق مضيق هرمز وتعطل المسارات البحرية إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بنسب ملحوظة بعد أن جرى التوجه إلى مسارات توريد بديلة أكثر كلفة، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية في السوق المحلية، وسط تقديرات بزيادة كلف الاستيراد بملايين الدولارات خلال الأسابيع الأخيرة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه الجهات الحكومية امتلاك العراق مخزوناً استراتيجياً من المواد الغذائية الأساسية يكفي لنحو ستة شهور، إلى جانب خزين من القمح يغطي حاجة عام كامل، وهو ما يحدّ من مخاطر حدوث نقص فوري في الأسواق.
إلّا أن استمرار ارتفاع تكاليف النقل وتغيير مسارات الإمداد نحو منافذ بديلة عبر الأردن وتركيا يفرض ضغوطاً إضافية على الأسعار، في وقت تشهد فيه الأسواق المحلية تباطؤاً في حركة السيولة وتزايداً في كلف المعيشة، ما يعزّز احتمالات موجة غلاء جديدة إذا استمرت الأزمة فترة أطول.
ورغم التطمينات الحكومية بشأن توفر المخزون الغذائي، إلا أن الواقع الاقتصادي المضطرب في البلاد، منذ ما قبل الحرب، يُضاعف قلق المواطنين في ناحية تأمين احتياجاتهم الغذائية. إذ يواجه الاقتصاد تحديات متراكمة تتمثل في نقص السيولة النقدية والضغوط المتزايدة على الأسواق، إلى جانب تطبيق نظام الأسيكودا الكمركي وما رافقه من ارتفاع في الرسوم الكمركية، الأمر الذي ساهم في زيادة كلف الاستيراد تدريجيا وبدأ ينعكس على أسعار السلع الأساسية. ومع تزايد الاعتماد على الاستيراد لتأمين ما يقارب نصف الاحتياجات الغذائية، باتت الأسواق أكثر حساسية لأي اضطراب خارجي أو داخلي، في وقت تتزامن فيه هذه التطورات مع ارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة وضعف القوة الشرائية للمواطنين.
لا قدرة على تحمّل الغلاء
المواطن زيد تحسين، من بغداد، يقول في حديث لـ"طريق الشعب" أن "موجة الغلاء الحالية جاءت في وقت لا يحتمل فيه المواطن أي زيادات إضافية"، مبينا أن "الرواتب لم تعد تكفي لتأمين أبسط متطلبات العيش في ظل ارتفاع إيجارات السكن وأجور المولدات والضرائب وغيرها، ناهيك عن البطالة المتفشية التي على ما يبدو اتسعت أكثر في ظل الاضطرابات الإقليمية".
ويؤكد أنه "أصبحنا نعيش ضغطا يوميا ونواجه صعوبات في الحصول على أبسط الاحتياجات"، مبيّنا أن "أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفعت بشكل ملحوظ. حيث وصل سعر عبوة الزيت إلى نحو 3000 دينار، والطماطم بين 1500 و2000 دينار للكيلوغرام، بينما بلغ سعر الموز ما بين 2500 و3000 دينار، مع ارتفاع شامل في أسعار الرز والدقيق وبقية المواد الغذائية الأساسية والفاكهة والخضار".
ضعف القدرة الشرائية يُراكم الضغط
من جهته، يقول المواطن أيمن السعدي، من البصرة، أن "الغلاء الحالي لم يأتِ بمعزل عن أزمة معيشية مستمرة منذ سنوات"، مشيرا في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن "المشكلة ليست فقط في الأسعار، إنما في الدخل. فحتى مع توفر المواد تبقى القدرة الشرائية لكثير من المواطنين ضعيفة جدا".
ويضيف قوله أن "ارتفاع الأسعار يترافق مع أعباء معيشية إضافية، ومنها أجور الخدمات والضرائب التي ازدادت أكثر خلال الفترة الأخيرة، كالكهرباء والماء وأجور المولدات الأهلية.. كل ذلك جعل الحياة اليومية أشد صعوبة على العائلات ذات الدخل المحدود".
ماذا عن الحصة التموينية؟!
يقول المواطن ياسين أبو علي من ذي قار، أن "ارتدادات أزمة الغلاء تشتد في ظل ضعف مفردات البطاقة التموينية، نوعية وكمية"، موضحا في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "الحصة لا تصل إلينا بانتظام، وأحيانا نتسلم حصة واحدة كل شهرين، أي ما يعادل ست حصص سنويا بدلا من اثنتي عشرة حصة".
ويضيف قائلا أن "الكميات أيضا باتت شحيحة ولا تغطي احتياجات الأسرة، ما يزيد الاعتماد على السوق المحلية، رغم ارتفاع الأسعار".
لا مؤشرات على تحسّن قريب
أما المواطن حسين عبد الرحمن، من واسط، فيقول أن "الوضع الاقتصادي أصبح ضاغطا على جميع الشرائح"، مبيّنا أن "كل شيء ارتفع سعره، من المواد الغذائية إلى النقل والخدمات، ولا توجد أي مؤشرات على تحسن قريب".
ويشير إلى أن "استمرار هذه الأوضاع دون حلول فعلية سيزيد من معاناة الأسر، خصوصا في ظل انحسار فرص العمل واستمرار الأزمة الاقتصادية".
ويلفت عبد الرحمن في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن "بوادر أزمة السوق ظهرت حتى قبل الحرب، لا سيما بعد رفع الرسوم الكمركية. إذ أدى هذا الإجراء إلى زيادة واضحة في الأسعار، ليس على مستوى المواد الغذائية وحسب، إنما على مجمل السلع والمواد المستوردة، حتى المحلية منها"، مبيّنا أن "تجار المواد الكهربائية والإنشائية مثلا، اضطروا إلى فرض زيادات تصل بين 20 و25 في المائة على كل مادة. ومهما حاولت الحكومة حماية المواد الغذائية من هذه الزيادات، إلا أنها ستتأثر انعكاسا للزيادات التي طرأت على المواد غير الغذائية".
خطط حكومية
في السياق، يقول المتحدث باسم وزارة التجارة محمد حنون، أن "الحكومة وضعت خططاً مسبقة لتأمين المواد الغذائية الأساسية والاستراتيجية تحسباً لأي أزمات محتملة"، مؤكداً في حديث صحفي أنه "لا يوجد قلق حقيقي على مستوى الأمن الغذائي في العراق رغم تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة".
ويوضح أن "الحكومة، ومنذ بداية الأزمة، اتخذت سلسلة من الإجراءات لضمان استقرار الإمدادات الغذائية"، مشيراً إلى أنّ "العراق يمتلك مخزوناً يكفي لمدة ستة شهور من مفردات السلة الغذائية الأساسية، إلى جانب خزين استراتيجي من القمح يكفي عاماً كاملاً".
وينوّه إلى أنّ "الارتفاع الذي شهدته أسعار بعض المواد الغذائية يعود أساساً إلى زيادة كلف الشحن والنقل والتأمين، فضلاً عن اضطرار شركات النقل إلى تغيير مساراتها بعد إغلاق مضيق هرمز".
مضاربات السوق
بدوره، يلفت الوكيل الإداري لوزارة الزراعة، مهدي سهر الجبوري، إلى أن "ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية لا يرتبط بنقص فعلي في المعروض، بل يعود جزئياً إلى المضاربات والتقلبات المرتبطة بالظروف الراهنة، في ظل التوترات الإقليمية".
ويوضح في حديث صحفي أن "ملف الأمن الغذائي يشكل أولوية استراتيجية للحكومة، وان وزارة الزراعة فعّلت خططاً استباقية لضمان استقرار السوق واستمرار توفر المحاصيل دون انقطاع".
ويفيد بأن "لجاناً متخصصة شُكّلت لمتابعة تأمين السلع الزراعية والحيوانية وتغطية حاجة السوق المحلية"، مبيّنا أن "تحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول الحنطة ساهم في تأمين مادة الطحين لفترة تمتد إلى عامين، ما يقلل من تأثير أي اضطراب خارجي".
نصف الاحتياجات الغذائية مستورد
إلى ذلك، يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة تكريت خطاب الضامن، أن "العراق يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاته الغذائية، بقيمة سنوية تتراوح بين 12 و15 مليار دولار، ما يجعله أكثر عرضة للتأثر بأي خلل في الممرات التجارية".
ويوضح في حديث صحفي أن "الارتفاع شمل مواد أساسية مثل الرز والسكر والزيوت، التي تمثل جزءاً كبيراً من السلة الغذائية"، مشيراً إلى أن "تكاليف الشحن والتأمين ارتفعت على نحوٍ ملحوظ، ما انعكس مباشرة على الأسعار، خصوصاً في المحافظات الجنوبية التي تعتمد بشكل أكبر على الموانئ البحرية".
وينوّه الضامن إلى ان "استمرار تدفق السلع عبر المنافذ البرية، خاصة من تركيا، ساهم في تخفيف حدة الأزمة نسبياً، لكنه لا يعوّض بالكامل تعطل المسارات البحرية، في ظل ارتفاع الكلف اللوجستية واعتماد مسارات أطول وأكثر تكلفة".
ويشدد على أن "استقرار الأسعار مرهون بقدرة الحكومة على التدخل لضبط السوق، خصوصاً عبر تعزيز الاستيراد المباشر وتفعيل أدوات الرقابة"، محذراً من أن "استمرار الأزمة قد يدفع نحو موجة غلاء أوسع خلال الفترة المقبلة".