في بلد يعاني من تحديات مركبة في قطاع التعليم، لم تعد العطل غير المخططة مجرد استراحة مؤقتة للطلبة، بل تحولت إلى عامل خفي يهدد كفاءة النظام التعليمي ويثقل كاهل الاقتصاد على المدى البعيد؛ فبين تعطيلٍ بسبب الأمطار، وآخر بدواعٍ تنظيمية أو مناسبات، تتآكل الأيام الدراسية تدريجياً، تاركة فجوة يصعب ردمها مع اقتراب الامتحانات النهائية.
شهدت الأيام الماضية في العراق سلسلة من قرارات تعطيل الدوام الحكومي لأسباب متنوعة، أبرزها الظروف الجوية الطارئة، وأخيرًا احتفالًا بتأهل المنتخب الوطني لكرة القدم إلى كأس العالم 2026، حيث أعلنت الحكومة تعطيل الدوام ليومين متتاليين.
ويرى مختصون أن المشكلة لا تتوقف عند تأخر إكمال المناهج، بل تمتد لتلامس جوهر العملية التعليمية، حيث تُدفع المدارس إلى تسريع الدروس أو اختصارها، ما يضعف الاستيعاب ويزيد الضغط على الطلبة. غير أن القراءة الأعمق تكشف أبعاداً اقتصادية أكثر تعقيداً.
تداعيات اضطراب التقويم الدراسي
في هذا السياق، يقول الباحث الاقتصادي أحمد عيد إن كثرة العطل غير المخططة تمثل، من منظور اقتصادي، تراجعاً واضحاً في كفاءة تخصيص الموارد العامة، موضحاً أن الدولة تستمر في تحمل كلف ثابتة تشمل الرواتب والبنى التحتية والتشغيل، دون أن يقابل ذلك مخرجات تعليمية مكافئة، ما يعني عملياً انخفاض العائد على الاستثمار في رأس المال البشري، الذي يُعد أحد أهم محركات النمو طويل الأمد.
ويشير عيد لـ"طريق الشعب"، إلى أن اضطراب التقويم الدراسي يقود إلى ما يعرف بـ"خسائر التعلم"، وهي خسائر لا تظهر فوراً، لكنها تتراكم مع الزمن، لتنعكس لاحقاً على إنتاجية الأفراد ومستوى دخولهم في سوق العمل. وبحسب الأدبيات الاقتصادية، فإن أي تراجع في جودة التعليم أو مدته الفعلية يترجم إلى انخفاض في الدخل المستقبلي، وهو ما يضع العراق أمام كلفة اقتصادية “صامتة” لكنها عميقة التأثير، في ظل غياب تقديرات دقيقة لحجم هذه الخسائر.
أما الحلول المعتمدة حالياً، مثل تكثيف الدروس أو إضافة دوام في أيام العطل، فيصفها عيد بأنها ذات كفاءة محدودة، إذ لا تعوض بالكامل فاقد التعلم، بقدر ما تنقل جزءاً من الكلفة إلى الأسر، سواء من حيث الوقت أو الجهد أو المصاريف الإضافية، دون أن تعالج السبب الجذري للمشكلة، والمتمثل في ضعف التخطيط وعدم استقرار القرارات.
ويخلص إلى أن المعالجة الفعالة لا تكمن في الترقيع المؤقت، بل في تقليل الانقطاعات وضمان استمرارية العملية التعليمية، بما يعزز من كفاءة الإنفاق العام ويعظم العائد على الاستثمار في التعليم.
تآكل أيام الدراسة يقوض النظام التعليمي
وبين ضغط الوقت وتراكم المناهج، يجد الطلبة أنفسهم الحلقة الأضعف في معادلة غير متوازنة، حيث تتحول كل عطلة غير محسوبة إلى عبء إضافي، ليس فقط على تحصيلهم الدراسي، بل على مستقبلهم الاقتصادي أيضاً.
من جانبه، حذر التربوي حيدر كاظم من تداعيات العطل غير المخططة في العراق، معتبراً أنها لم تعد مجرد فترات توقف مؤقتة، بل تحوّلت إلى عامل مؤثر يهدد كفاءة النظام التعليمي ويُلقي بظلاله على الواقع الاقتصادي مستقبلاً.
وقال كاظم لـ"طريق الشعب"، إن تكرار تعطيل الدوام، سواء بسبب الأحوال الجوية أو المناسبات، يؤدي إلى تآكل فعلي في الأيام الدراسية، ما يخلق فجوة زمنية يصعب تعويضها مع اقتراب الامتحانات النهائية، ويضع المدارس أمام ضغوط كبيرة لإكمال المناهج ضمن سقف زمني محدود.
وأوضح أن تأثير هذه العطل لا يقتصر على تأخر إنجاز المواد الدراسية، بل يمتد إلى جوهر العملية التعليمية، حيث تُجبر المدارس على تسريع الدروس أو اختصارها، الأمر الذي ينعكس سلباً على مستوى استيعاب الطلبة ويزيد من الضغوط النفسية عليهم.
وأشار إلى أن هذه المشكلة تحمل أبعاداً اقتصادية أعمق، لافتاً إلى أن استمرار الإنفاق الحكومي على قطاع التعليم، من رواتب وبنى تحتية وتشغيل، دون تحقيق مخرجات تعليمية متكافئة، يعني تراجع كفاءة استثمار الموارد العامة، وانخفاض العائد على رأس المال البشري، الذي يُعد ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي.
وبين كاظم أن اضطراب التقويم الدراسي يقود إلى ما يُعرف بـ"خسائر التعلم"، وهي خسائر تتراكم بمرور الوقت، لتنعكس لاحقاً على إنتاجية الأفراد وفرصهم في سوق العمل، مؤكداً أن تراجع جودة التعليم أو مدته الفعلية يترجم في النهاية إلى انخفاض في الدخل المستقبلي.
وفيما يتعلق بإجراءات التعويض، مثل تكثيف الدروس أو إضافة أيام دوام، فيعتقد انها "حلول محدودة التأثير، إذ لا تعالج فاقد التعلم بشكل كامل، بل تنقل جزءاً من الأعباء إلى الأسر من حيث الوقت والتكاليف، دون معالجة جذور المشكلة المرتبطة بضعف التخطيط وعدم استقرار القرارات".
وشدد على أن الحل يكمن في تقليل الانقطاعات وضمان استمرارية العملية التعليمية، بما يسهم في تحسين كفاءة الإنفاق العام وتعظيم العائد على الاستثمار في التعليم.
وختم بالقول إن الطلبة يبقون الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ تتحول كل عطلة غير محسوبة إلى عبء إضافي ينعكس ليس فقط على تحصيلهم الدراسي، بل على مستقبلهم الاقتصادي أيضاً.
الحلول التقنية مقيدة ومحدودة
وتؤكد منى جعفر، ناشطة في مجال التعليم، أن هذه الانقطاعات لم تعد مجرد توقف مؤقت في الدوام، بل تحولت إلى عامل مؤثر يهدد مستوى التحصيل العلمي ويعمّق الفجوات التعليمية بين الطلبة. وتوضح جعفر لـ"طريق الشعب"، أن تأثير هذه العطل لا يقتصر على تأخير إكمال المناهج الدراسية، بل يمتد إلى إضعاف قدرة الطلبة على استيعاب المواد وفهمها بشكل متماسك، خصوصاً في الصفوف النهائية التي تتطلب تركيزاً واستمرارية في التعلم. وتشير إلى أن غياب الانتظام الدراسي يربك تسلسل العملية التعليمية ويجعل من الصعب ترسيخ المفاهيم الأساسية.
وتبين ان عددا كبيرا من الطلبة يواجهون تحديات حقيقية في الوصول إلى بدائل التعليم، وفي مقدمتها التعليم الإلكتروني، الذي لا يزال غير متاح بشكل عادل لجميع الفئات. فالتكاليف المرتبطة بتوفير الأجهزة مثل الحواسيب أو الأجهزة اللوحية تمثل عبئاً على العديد من الأسر، ما يحرم أبناءها من فرصة متابعة الدروس عند توقف التعليم الحضوري.
كما تسهم الأوضاع الأمنية في بعض المناطق في إضعاف البنية التحتية الرقمية، إذ يؤدي تشويش الإنترنت وانقطاعه المتكرر إلى تعطيل متابعة المحاضرات والامتحانات الإلكترونية، الأمر الذي يزيد من الضغوط النفسية على الطلبة وأولياء الأمور، ويضعف من فعالية الحلول البديلة المطروحة.
وتلفت إلى أن هناك أيضاً عوامل اجتماعية تحد من استخدام الطلبة للتكنولوجيا، حيث تفرض بعض العوائل قيوداً على استخدام الهواتف المحمولة، نتيجة مخاوف تتعلق بالابتزاز الإلكتروني أو الإدمان، فضلاً عن ضعف الوعي بكيفية توظيف هذه الأجهزة في العملية التعليمية. ويزداد هذا التحدي في المناطق الريفية التي تعاني أساساً من نقص في خدمات الإنترنت والبنية التحتية الرقمية.
وتخلص جعفر إلى أن الحلول التقنية الحالية، رغم أهميتها، تبقى محدودة التأثير ما لم تُدعم ببرامج تدريبية حقيقية تمكّن الطلبة من استخدام التكنولوجيا بشكل فعّال في التعلم. كما تشدد على ضرورة تطوير مناهج وأساليب تعليمية مرنة تستجيب لحالات الطوارئ، وتضمن استمرارية التعليم في ظل الأزمات والانقطاعات غير المخططة.